عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    07-Jun-2018

الأدب الوجودي في «السقوط من عدن» للروائي قاسم مرواني

 القدس العربي-ضحى عبدالرؤوف المل

 برزت مدينة صيدا في رواية «السقوط من عدن» الصادرة عن دار نوفل للروائي قاسم مرواني كلوحة انطباعية رسمها ليحجب الغم وسيوله المتدفقة من أحداث مضى عليها عام بأكمله، متخذا من الذاكرة طريقا للعودة إلى صور الموت وبشاعته، ومعنى الحياة والتساؤلات الوجودية الصادرة عنها، وما البعد الآخر إلا الفضاء الذي يثير الرغبة في الاكتشاف ومعرفة ماهية الموت والحياة، مؤثرا السقوط لفرط جاذبية العيش على الأرض التي تختلف المشاهد الحياتية عليها، كما تختلف تنوعات البشر بسلوكياتهم وانفعالاتهم وقدراتهم على ابتلاع الأوجاع، مشدداً على الزمن ما بين البداية والنهاية، والحياة بأكملها، فالأدب الوجودي في رواية «السقوط من عدن» مرتبط برمزية الولادة والخروج من جنة رحم الأم إلى شقاء الحياة على الأرض وتعقيداتها وإشكالياتها وتداعيات الأفكار بوعي خاض من خلاله قاسم مرواني معركة الوجود، لشخوصه التي تتخبط بالأمراض الصحية، كطيف وأم رامز، خصوصا منصور الذي نجا عشرات المرات من الموت، إذ رسمت علامات التعجب مسارات الحياة في رواية يمثل السقوط فيها تيار الوعي، والتحديات القائمة على إفراز عدة حالات منشأها الحالة الإنسانية المتداعية مسافرا بنا نحو الصخور والبشر الذين يولدون منها، متخذا من أزميل الحياة قوة التشكيل، واستخراج التصويرات القوية والضعيفة، ضمن مساءلة يبرز من خلالها ضيق الحياة رغم اتساعها، لأنها تجبر البعض على الدوران حول نفسه. فهل تاريخ الإنسان هو تاريخ سقوطه من جنة عدن؟ أم أن الرواية هي مساحة ما بين الولادة والموت؟ 
قمع قاسم مرواني جرأته الوجودية في رواية تمسكت بالأدب الوجودي، ودارت في فلكه كما تشاء، إلا أنه حاول معالجة الكثير من المشكلات الملموسة في الحياة، ومعاناة التكوين المنفرد لكل إنسان تبعا لمراحل الحياة التي يعايشها «يدرك أن الإنسان لا يبني نفسه، بل تكونه الحياة، بالظروف والتجارب، بالألم، يدرك أن المرء اليوم لن يكون أبدا هو نفسه غدا». بدون أن ينتقص من قيمة الإنسان، وإنما بانتقاد يهدف إلى مواجهة الواقع وإظهار سماته النابعة من كينونة الشخوص، والتناقض في ما بينهم وبالكثير من المواقف التي نتخذها في حياة لا يمكن السيطرة عليها، لكننا نحاسب أنفسنا على العيش فيها، ضمن نظامها العبثي الذي لا يخضع للوعي، وإن حظيت الرواية بجاذبية السقوط، أو دخول الحياة بعد سقوط من الجنة بسبب أفعالنا، وربما برغبة منا في معرفة ما يثير فضولنا، كمخلوقات بشرية منحوتة من صخر ليس إلا، فهل يتذبذب قاسم مروان بين مفهومين الوجود واكتشاف أسس دخول الحياة؟ 
امتزجت المواقف الإنسانية مع رمزية التخيلات الروائية المثقلة بالسخرية المبطنة نوعا ما، بدون الانسحاب من الحياة منتحرا، كطيف الذي مات بدون التأكيد على انتحاره، في بحث شغوف عن حياة أكثر طمأنينة وعافية. إذ تبلغ إرادة الإنسان مداها عند «طريق خطه الأجداد عبر رحلاتهم الطويلة عبر الزمن» محاولا تحليل الكثير من الحالات، كالشخير أثناء النوم، كأنه الصوت الآتي من العالم الآخر المتسم بسيريالية، استكملها في عدة مشهديات تبلورت من خلالها المعاني الروائية الوجودية بحزنها العميق ومساراتها التناقضية، والتشتت الفكري الحياتي، والطابع الذي يرتسم في شخصية كل إنسان بشكل يتفرد به، ويتلخص بدوره الحياتي الشبيه بالدور الروائي، وما ينطبق على الإنسان ينطبق على الحيوان، كأنه يستخدم فـأر المختبر في استكشاف معنى السقوط، مؤمنا بالميثولوجيات بدون الولوج إلى حقيقة الإيمان، ومعرفة جوهر الوجود بالتساؤل الإيجابي، أو من خلال العصف الذهني الذي ابتعد عنه قاسم مرواني، ليثير قضايا انقلابية مجتمعية، لا تعتمد على الحقائق المكتملة العناصر، وإن بجزء منها نفسي وبجزء منها تمرد على الواقع، إنما تعتمد على ميثولوجيات أو أساطير أو سرياليات، ما هي إلا حكايا امتزجت مع فلسفة الأدب الوجودي والواقع الإنساني المر المنغمس بالعقائد والمفاهيم المغلوطة، بدون الولوج في التصحيح، بل التزم بشخوصه وردة الفعل الانعكاسية حتى من الحب والزواج والمرأة، والاستنكار للحياة وافراحها . فهل السقوط من جنة عدن يحدث بين الحلم واليقظة، أو في غفوة لا قعر لها؟ 
بورجوازية الهررة واللامبالاة الارستقراطية وسخرية اتخذ لها أبطالا من الكلاب والهررة، والألفاظ القاسية المثيرة للجذع. فدخول عالم الحيوان روائيا هو لإثارة التقارب بين عوالم مختلفة لا يتقنها الإنسان ولا يحاول حتى فهمها، بينما تبرز قدرة الحيوان الفطرية في ممارسة البقاء التي فشل فيها البشر، وإن استطاع الفنان والكاتب والموسيقي فعل ذلك. لأن لوحة فان غوغ بالذات « لولا الألم، لما أبدع كل تلك اللوحات الجميلة.» فالتعاسة التي يعيشها الإنسان تنجب الإبداع، وهذا ما يبقيه على قيد الحياة، أو ما يرسم له وجودا مختلفا، وإن اختفى جسده يبقى طيفه في أعماله وأمجادها، متسائلا عن ذلك «الآن لو كان فان غوغ قادرا على رؤية أمجاده من العالم الآخر…» فهل يمكن معرفة قيمة الحياة بدون سقوط؟ وهل من معنى للحياة بدون الحرمان من رفاهية العيش التي تدفع بالكلب إلى الاصطياد، والهر إلى البحث المضني عن فريسة تبقيه على قيد الحياة؟ 
أسلوب روائي مفعم بالوجودية، وبتساؤلات تزيد من المفاهيم الماورائية التي تصيب الوجود، وما الحدث المرضي في الرواية إلا وجودية تزيد من الغموض، وتتجه بالقارئ نحو السؤال الأهم، أين تذهب العوالم من المخلوقات وتأتي مخلوقات غيرها؟ وما الذي يجعل من البقاء أحجية لا يمكن فهمها، وإن كان دافع البقاء هو الآخر الذي نتزين به؟ وهل احتياجاتنا هي نبع البقاء؟ وهل حقا متى نفتقد الأمل نخرج من الحياة بتقوقع وانعزالية؟ فلسفة روائية لمتاهة تزينت بمعالم انطباعية وأخرى سيريالية وميثولوجية وواقع مر وحلو بأسلوب قاسم مرواني المتذبذب بين الأدب الوجودي والتساؤلات التي تنجبها الأحداث ذات نفسها لشخوص مركبة تركيبا فلسفيا. لا أدري إن كان قد استكمل بها النواقص الفلسفية في رواية تمثل سقوط كل شيء أمام فلسفة الوجود واللاوجود أو الخير والشر؟
 
٭ كاتبة لبنانية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات