عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Mar-2018

الاحتجاج على المعتاد اختراق لقواعد الخضوع

 

ربى الرياحي
 
الغد- لم يعترض يوما على شيء، وأيضا لم يحاول طرح رأيه أمام الآخر والتفكير بصوت عال. حياته بالكامل كانت تخضع لسيطرة خارجية تفرض عليه أن يبقى طائعا لأوامرها تديره كيف ما تشاء بمعزل عن ذاته، وعن أفكار يخشى أن يتداولها بينه وبين نفسه.
اعتاد هو أن يتخلى عن كل ما خططه ورضي بأن يكون حجر شطرنج يحركه الآخر بالاتجاه الذي يريده له فقط، بدون النظر إلى احتياجاته ورغباته ظل مستسلما راضخا يدين حتى كل من يتمرد أو يعلن احتجاجه إزاء موقف ما وكأنه الشخص الوحيد الذي بإمكانه أن يحدد الصواب والخطأ رغم أنه ليس أهلا لذلك.
تجاهل تماما حقيقته تلك التي تعكس بالفعل مدى خوفه من أن يتخذ هو بنفسه المبادرة لتقرير ما ينفعه ويصب في مصلحته، معتبرا ذلك اختراقا لكل القواعد الموضوعة، وأيضا تجرؤا على أولئك الذين شرع لهم التدخل في كل ما يخصه من خلال امتلاكهم لمفاتيحه. سلبيته تلك كانت السبب في أن يكون دائما مرتبكا مترددا لاغيا عقله يبدي اعتذاره باستمرار حتى لو لم يخطئ.
اختياره الوحيد هذا كان بمثابة اعتراف واضح يفسر لجوءه لتتبع خطوات من حوله والانقياد لهم بشكل عبثي. لقد استطاع أن ينسجم مع شعوره بالتبعية والبقاء خانعا لأهوائهم ولطريقتهم في فهم الحياة أراد أن يعيش واهما مجردا من قناعاته أسعده ذلك كثيرا حتى أنه بات مقلدا لغيره في القول والفعل، لم يحاول على الإطلاق تجاوزهم أو البحث فيما وراء السطور واستنتاج ما يراه من وجهة نظره صحيحا يتماشى مع المنطق وإسناد واقعه بنظريات يوجدها هو وتظهر في الدرجة الأولى عمق تفكيره وكيفية معالجته لأي خلل قد يطرأ على حياته.
ما يعنيه هو أن يظل عادلا معهم حتى وإن ظلم نفسه أن يراهم أفضل منه وأهم منه في كل شيء يستهين دوما بإمكاناته وبما لديه من سمات إيجابية تميزه يرفض أن يتعلم منهم، بل يكتفي بقمع ذلك الإحساس المغيب لذاته والتوقف عند كل الأفكار المطروحة والجديدة، لكن بدون أن يتأثر بها لا يقتنع سوى بكلامهم فقط.
هو في الحقيقة يعتمد عليهم اعتمادا كاملا في شكل الثقافة التي تكونت لديه في تقييمه لكل ما يحدث حوله يفتقر فعليا للتجارب الشخصية قدراته الكبيرة أهملها ارتأى أن يبددها ويتقيد أكثر بمفاهيمهم الجوفاء غالبا، إلا أنها نتاج ما توصلوا إليه من خبرات.
لكن تلك الحالة لم تستمر طويلا فقد أيقظته دوافع كثيرة لكي يخرق أنظمة وقوانين تفننوا هم في فرضها عليه آن لها أن تسقط ويتم إرجاء كل الأسباب إلى ثورته تلك ضد ما هو معتاد. تغيره المفاجئ ذلك جعله يرصد ردود الفعل يصغي جيدا لتخميناتهم المحدودة مقررا الخروج من تلك الحالة المحبطة حتما لرغبات تأبى أن توأد داخله وتحاكم بتهمة التمرد وكسر الاعتياد.
ليس هناك ما يبرر معاداتهم له وعدم تقبلهم لما يقوله سوى أنه فهم أخيرا أن عليه أن يستقل عنهم وتكون له شخصيته المتفردة، أصبح واعيا بضرورة أن ينظر إلى الحياة من زاويته هو حتى يتمكن على الأقل من المصادقة على وجوده.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات