عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Apr-2018

رواية «غالية» للإماراتية نجيبة الرفاعي: حين تشيخ الطفولة قبل أوانها

 القدس العربي-عاطف محمد عبد المجيد

هناك روايات يترك كُتّابها أنفسهم أسْرى للغة المتدفقة والسرد الروائي المنساب فقط، دون أن ينشغلوا بقضية ما تمس الإنسان، أو تُعبّر عن همومه ومشكلاته الحياتية، أو حتى تمس ذاتهم هم، ورغم أن هذا النوع من الروايات يُسبب بلا شك متعة كبيرة لقارئه، إلا أن قارئه يخرج منه خاوي الوفاض. فيما يركز روائيون آخرون على الهم الإنساني، مُشيدين رواياتهم على مسرح قضية إنسانية تخص قطاعا عريضا من البشر، مما يمنح رواياتهم اقترابا أكثر من الناس وبقاء طويل الأمد في التاريخ الروائي.
 
حياة الشتات
 
في الصفحة الأولى من روايتها «غالية «الصادرة حديثا عن الدار المصرية اللبنانية بالتعاون مع المكتب الثقافي والإعلامي للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة في الإمارات، ترحب الكاتبة الإماراتية نجيبة الرفاعي بقارئها قائلة: «اسمي غالية صالح عزيز خان، هذه روايتي الأولى التي أكتبها، ولا أدري إن كنت سأنجح في ذلك أم لا، ولكن كما يقولون يكفيني شرف المحاولة». وهكذا ندرك من السطور الأولى لهذه الرواية، أننا أمام رواية داخل رواية، وهذه ثيمة لجأت إليها الكاتبة حتى لا تتكىء على استخدام تقنية الراوي العليم الذي يسرد الأحداث وهو «يتفرج» عليها من بعيد.غالية التي تكتب روايتها هذه لندرك أن الحياة مهما تضيق بنا إلا أنها تخبىء لنا دوما شيئا جميلا، تؤمن بأن الكتابة إحساس قبل أن تكون لغة، وتجارب قبل أن تكون خيالا، وشعور قبل أن تكون استعارات وبلاغيات. بالطبع هذا الإيمان هو بالضبط إيمان الكاتبة الحقيقية للرواية، كما هو إيمان بطلتها.غالية التي كلما رتبت حياتها أتى من يبعثرها وكأن قدرها أن تعيش الشتات، هي فتاة جاء بها والدها وهي في الثامنة من عمرها لتعيش مع أختيها جواهر وحصة وأخيها راشد من أم أخرى، بعد أن تم ترحيل أمها الهندية وتطليقها من أبيها بعد أن هددته زوجته الأولى بترك المنزل.كانت زوجة أبيها تنبذها وتحتقرها وتعاملها بقسوة شديدة وكذلك أختاها وأخوها، بل كانوا يريدون طردها من المنزل، واصفين إياها بأنها قردة أو معزة هندية: « لا أدري لماذا تتدفق الذكريات حين نحتاج لأن ننسى، وتُجدد فينا الوجع حينما نتمنى أن نُشفى».
إنها فتاة شاخت طفولتها قبل أوانها، يرافقها إحساس باليتم والغربة، وعاشت حياتها في خوف، خافت منذ أن تركتها أمها إلى حيث لا تعلم، خافت من الجيران الذين أصبحت ضيفة لديهم، من الابن الذي كان يضربها إن رفضت إعطاءه جزءا من مصروفها، ومن الأب خشية أن يقترب منها وتعبث أصابعه بجسدها، وخافت وهي تسمع أبيها يتشاجر مع زوجته التي ستصب جام غضبها عليها بعد ذلك مهددة إياها بقص شعرها وحرق أصابعها وطردها من المنزل. لقد كانت غالية بالفعل عبارة عن كتلة خوف تتحرك على ساقين، كل من حولها يعاملها كأنها خادمة، ولم تجد الحنان سوى لدى الخادمة السريلانكية: «هذه الخادمة الإنسانة هي من احتضنت طفولتي، وجعلتني أمرح في حدائق عطفها الأمومي».
 
تفاوت طبقي
 
هنا تنقل لنا نجيبة الرفاعي عبر صفحات روايتها أوجاع بطلتها وما كانت تقاسيه وهي تعيش مع أبيها من وحدة وخوف وضياع ووحشة: «منذ أن أتى بي إليهم قبل عشر سنوات، طفلة أمضغ وحدتي وخوفي وضياعي، أرتجف من لسعة الوحشة والبرد، أنتظر أمّا رحلتْ قبل أن أودعها، وقبل أن أشبع من ملامحها، وقبل أن أعبىء في داخلي شيئا من أنفاسها».هذه المعاناة لم تطل غالية فقط، بل طالت أبيها الذي تراه زوجته من طبقة أدنى من طبقتها، وقد فقد السيطرة عليها وعلى أبنائه منها وفشل في أن يجعلهم يتعاملون مع ابنته الأخرى بشكل آدمي. إننا هنا إزاء رواية ترصد، من قرب، معاناة المواطنين غير الأصليين في أي بلد أيّا ما كان موقعه على الخريطة، مثلما تكشف لنا التفاوت ما بين الطبقات مُقارِنة ما بين الطبقة الفقيرة وكبار الأثرياء الذين يجلبون أشياءهم من سويسرا، أمريكا، فرنسا، ولندن: «كنت أحسب أن كوني ابنة مواطن، كفيل بأن يعطيني الأمان والقوة التي أستند عليها، ولكن أن تكون المواطنة أيضا طبقات ودرجات ومستويات وتدقيقا في الأصول والجذور، فهذا مما لم أفقه من قبل». غالية التي تتحسر على نفسها وعلى الضياع الذي لحق بها، ورغم كل هذه المآسي والانكسارات التي أحاطت بها وأطبقت عليها وسط قسوة الآخرين في تعاملهم معها، إلا أنها ما زالت تؤمن بثقتها في نفسها متحدية الظروف المحيطة بها: «هناك شيء في داخلي أشعر به ينمو، يتمدد، يغضب، يثور، يأمرني بالوقوف كلما أردت السقوط، ويرمم عزمي كلما أوشكت على الانهيار». ووسط هذه الحياة التي تمور بالظلم والقسوة تكتشف غالية أن معركتها الحقيقية ليست مع من يحيطون بها، ويحتقرونها لأنها من أم هندية وبنت لمواطن غير أصلي، بل مع ذاتها وبالتالي فإن الحرب أصعب في هذه الحالة، وبالتالي دخلت الجامعة وأكملت تعليمها وعملت بوظيفة إلى جانب أنها أصبحت كاتبة تنشر مقالاتها في إحدى الجرائد المشهورة في بلدها.إلى جانب هذا تناقش نجيبة الرفاعي هنا بعض القضايا المجتمعية الأخرى منها قضية الجمال والاهتمام باللغة، وقضية النقاب والاختلاف عليه، والمسافة الفاصلة ما بين الواقع والأحلام التي تتحطم لبنات أهرامها على عتبات الواقع الأليم. كما لا يفوتها أن تشير إلى قضية الموظفين العاطلين عن العمل، الذين لا يفعلون شيئا في مقار أعمالهم سوى الثرثرة ومطالعة الإنترنت، وفي الطريق تُظهر حالة الموظف المنافق الذي يكذب ويُزور الحقائق حتى ينال رضا رؤسائه.كما تسلط الضوء على بعض الشخصيات التي تتفانى في خدمة الآخرين من دون مقابل، مشيرة إلى أن ثمة نماذج طيبة ما زالت تعيش وسط هذا الركام من السوء والأذى، حافرة أثرا جميلا في الآخرين.
 
آلام وأوجاع
 
أيضا هناك مقاطع يمكن أن نُصنّفها تحت مسمّى الحِكَم التي تُلخص تجربة إنسانية ما نثرتها الكاتبة على صفحات روايتها: «أن تعيش وحيدا ليس معناه أن حياتك خالية من البشر، بل معناه أنك لم تعثر على من يغنيك عن كل البشر». وكذلك تقول في موضع آخر: «نحن من نُضيّع اللحظات الجميلة، ثم نبكي بعد ذلك على رحيلها». وهكذا نقلت لنا نجيبة الرفاعي حالة غالية، الفتاة التي عاشت وتعذبت بسبب أصلها الذي انحدرت منه، يرافقها هذا العذاب طوال حياتها، بداية من رفض إخوتها لها وليس انتهاء بمن أحبته بصدق غير أنه تركها بعد أن اعترفت له بحقيقتها. ويستمر هذا الوجع ملازما لبطلة الرواية حتى السطر الأخير منها، بعد أن تطلب منها زوجة أبيها أن تناديها بـ «أمي» بدلا من «يا خالتي»: «تدمع عيني، أدفن جسدي في حضنها، وأغيب في دفئها الجميل، وأشعر لأول مرة بأني في أمان».
وبعد..لقد برعت نجيبة الرفاعي، عبر لغة روائية بسيطة، وسرد سلس، في تصوير حالة بطلتها غالية حدَّ أنها جعلت القارىء يتعاطف معها، متأثرا بحالتها، شاعرا بآلامها وأوجاعها، وما وقع عليها من ظلم وقسوة الآخرين، كما وُفّقت إلى حد كبير في الغوص في عالم شخصياتها الإنساني، إذ تُعبّر عنها من أعماق الداخل، كما ترسمها من الخارج، إلى جانب انحيازها إلى الشخصية الإنسانية السوية التي تفيد محيطها الإنساني، ولا تفكّر إلا في كل خير لسواها، فيما نجدها تُقلل من شأن تلك الشخصيات التي اتخذت الشر سفينة تبحر بها في يم الحياة، مُتّصفة بكل المساوىء التي من شأنها أن تُخرج صاحبها من كونه إنسانا.
 
٭ كاتب مصري
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات