عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Apr-2018

إخلاء ‘‘مسرح البلد‘‘ ينهي حقبة ثقافية من تاريخ وسط عمان

 

عمان-الغد-  كمسافر "حزين" يتجهز للرحيل عن وطنه، أخذ فريق "مسرح البلد" يستعد لمغادرة الموقع في آخر أيامه، يلملم أوراقه في "علب كرتونية"، وينتزع صورا ممزوجة بمواقف وذكريات جميلة تغطي جدرانه، بعد سنوات شهدت فيه خشبة المكان فعاليات وعروضا فنية وثقافية لا تنسى.
بات المكان خاليا في موقعه الكائن في وسط البلد، ريثما تتمكن إدارة المسرح من البحث عن بديل آخر، خاصة بعد قرار الإخلاء من موقعه في مبنى سينما فرساي سابقا.
يقع "مسرح البلد" ضمن منطقة إرث حضاري وتاريخي، تحاكي مدينة عمان منذ ما قبل منتصف القرن الماضي، وارتبط مسرح البلد بهذا المكان والهالة التاريخية الموجودة فيه حولته إلى مكان ذي طابع خاص، ومُلهم للكثيرين، الذين سارعوا إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن تعاطفهم أو "عدم تقبل فكرة الإخلاء للمسرح".
احتضن مئات الفعاليات الفنية والمسرحيات المهمة
إخلاء "مسرح البلد" حدث مؤلم أشعل مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، والتي ضجت بالكثير من المنشورات والتعليقات العابقة بالمشاعر العميقة، تتناول ذكريات الزوار والفنانين الذين كان لهم وقفة في هذا المسرح، والذي طالما احتضن المئات من الفعاليات الفنية والمسرحيات.
اهتم العاملون وأصدقاء "مسرح البلد" بعملية جمع وحفظ كل موجودات المسرح، من أرشيف يضم الأوراق والصور الذي يحاكي ما يقارب خمسة عشر عاما.
وصرح مدير "مسرح البلد"، رائد عصفور، في حديثه لـ"الغد"، أن المسرح سيبقى مستمراً في فعالياته بدون توقف، خاصة وأن أغلب الفعاليات هي "خارجية"، عدا عن وجود الكثير من الدعوات من المسارح الصديقة، مثل "مسرح الشمس"، ومسرح "هيا الثقافي" وغيرهما.
وأكد أن هذه المسارح قدمت الدعم والدعوة لاستقبال الفعاليات المقررة في وقتها، معتبراً ذلك حافزا ودعما معنويا للمسرح، الذي يعد "بيتاً" للعديد من الفنانين على مستوى الوطن العربي، وليس على المستوى المحلي فقط.
ويضيف عصفور، أنه رغم "الحزن" لمغادرة الموقع، إلا أن الرائعين في الحياة ومن أصدقاء المسرح، كان لهم أثر إيجابي كبير في رفع المعنويات، والدليل على ذلك أن "مسرح البلد" هو مشروع للمواطنين، وليس للفنانين فقط.
البحث عن مكان جديد يحمل الروح ذاتها
التعاطف والمساندة أفضل تعبيرين يمنحان دافع الاستمرار في العمل الفني، بحسب عصفور، والبحث عن موقع جديد يحمل الروح ذاتها، مشيراً إلى أن لديهم الرغبة في البحث عن موقع جديد في وسط البلد، يلائم رواده الذين اعتادوا روح المكان.
ويؤكد عصفور أن الخيارات "محدودة" حاليا، وبحاجة إلى مزيد من الوقت لإيجاد مكان مناسب، يحتكم خيارات معمارية وفنية معينة.
استقبل "مسرح البلد" وأدراجه على مدار عقود، ومنذ العام 1948 الآلاف من محبي الفن والسينما والمسرح، بعد أن كان المسرح عبارة عن سينما فرساي، التي استقطبت العمانيين والعرب وقدموا مجموعة كبيرة من الأفلام، والتي جاء أبطالها في بعض الأحيان لافتتاح العروض في عمان، ثم ما لبث أن تحول إلى "معمل فني" يزخر بعروض واجتماعات فنية، تخرج إلى العيان بالعديد من الفعاليات، والتي أصبحت واجهةً فنية للفنانين الشباب من مختلف دول العالم.
يعد "مسرح البلد" مركزا فنيا متعدد الأغراض، وهو مُطل على العديد من مباني عمان المماثلة في البنيان والعمر الزمني. ويشير عصفور إلى أن إدارة "مسرح البلد" قامت باستئجار المبنى وتهيئته بكل الطرق المتاحة، ليصبح حاضنا فنيا، من خلال إعادة الترميم والتجهيز للمسرح منذ العام 2002، والعمل ثلاثة أعوام متتالية على هذا الحال، حتى انطلاقه العام 2005، وما يزال العمل حتى تنفيذ قرار الإخلاء مستمرا في العطاء الفني والنهوض بالذوق العام للفنون.
رفض تجديد عقد الإيجار سبب إخلاء المبنى
وفي بيان خاص لإدارة "مسرح البلد" تم إعلانه في السابع والعشرين من الشهر الماضي، والذي صادف يوم الاحتفال باليوم العالمي للمسرح، تم إيضاح سبب إخلاء المسرح.
وجاء فيه "صدر قرار قضائي بإخلاء مبنى مسرح البلد لصالح مالك العمارة/ مالك مقهى جفرا، بعد أن رفض تجديد عقد إيجار المبنى الذي أبرمناه مع المالك السابق في العام 2002، وانتهى في العام 2017، رغم محاولات تجديد العقد لضمان استمرارية العمل في المكان نفسه الذي بدأنا به، ورغم إيفاء المسرح بالتزاماته كافة كمستأجر".
كما أكد البيان "يبذل القائمون على هذه المبادرات جهوداً تطوعيةً كبيرةً، ويوظفون قدراتهم الإبداعية، لبناء شراكات واسعة مع الشباب والمجتمع، والعمل بشكل تشاركي لمأسسة الفعل الثقافي، وإغناء المشهد الحضاري لمدينتنا، تجد هذه المبادرات نفسها في مواجهة مع منطق لا تحكمه سوى قيم التجارة والسوق بدون أي حماية، رغم ازدحام الخطاب الرسمي بالتعهد بدعم المبادرات الأهلية الملتزمة، بتوفير مساحات تمنح الشباب الأدوات الضرورية ليكونوا فاعلين في بناء مجتمعهم بشكل صحي".
الفنان والموسيقي الأردني، بشر أبو طالب، قال لـ"الغد"، إنه ومنذ انطلاق "مسرح البلد" كان من المساحات القليلة في الأردن، الذي يقدم فعاليات موسيقية متنوعة، أهمها اهتمام المسرح بالموسيقى المستقلة، والمشاريع الموسيقية الناشئة محلياً وعربياً، مشيراً إلى أنه في وقت سابق كان عضوا في فرقة "رم" لطارق الناصر، وهو من رواد المسرح المهتمين بحضور العروض الموسيقية للفنانين والفرق الموسيقية المحلية والعربية.
وأضاف أبو طالب، بعد أن بدأ مشروعه الموسيقي المستقل منتصف العام 2017، أطلق أغنيته الأولى "إلى القارئ" تفاجأ بمكالمة من "مسرح البلد" تدعوه  للمشاركة في مهرجان موسيقى البلد، والذي يعد من أهم عشرة مهرجانات ثقافية في الوطن العربي.
المسرح بوابة مهمة للساحة العربية
ويشير الى أن هذا العرض الشخصي كان الأول؛ إذ لاقى نجاحاً كبيراً، وأسهم في استقطاب الجمهور لمشروعي الموسيقى تحت عنوان "بشر" ضمن فعاليات المهرجان، إلى جانب مشاركته بجانب أسماء شهيرة في الموسيقى العربية مثل: فرقة "رم" طارق الناصر، فرقة "ميراج"، منير طرودي، أوم، تيريز سليمان، عبدالرحمن محمد وغيرهم من الأسماء التي باتت حاضرة في الساحة الفنية.
ويرى أبو طالب، أن "مسرح البلد" محطة مهمة عند العديد من الموسيقيين المستقلين المحليين، وبوابة مهمة إلى الساحة العربية.
ومن جهته، كتب الفنان الفلسطيني عامر حليحل، على الصفحة الخاصة عبر موقع "فيسبوك"، والتي أنشئت تحت عنوان "إخلاء مسرح البلد"، "في إحدى الفعاليات انتظرني طاقم محب وجدي ومهني، يريد أن يقدم الأفضل لجمهوره، وجدت مسرحاً حراً مستقلاً، يعمل على رفع قيمة ما يقدمه ليرتقي بجمهوره نحو الأفضل وقدمت العرض".
ويضيف "وبعدها عدت مع "طه"، ومن بعدها مع "الباشق" أنا وفرج سليمان، وبعدها "طه" مرة أخرى... وكل مرة يزداد الحب ويزداد التقدير وكل مرة تنتهي، أبدأ بتمنّي المقبلة، وبلغني صدور حكم إخلاء مبنى مسرح البلد بحزن كبير، لكن الأمل أكبر، فأنا على ثقة أن من أقام مسرح البلد وسار به، لن يثنيه المكان مهما كانت العلاقة به، وسيجد الأصدقاء مكانا يجمعون البلد فيه مرة أخرى وأنا في انتظار الزيارة الأولى للبلد الجديد".
المتابعة لفنون مسرح البلد والناشطة الاجتماعية، لما جاد الله، قالت لـ"الغد": "أنا من متابعي فعاليات "مسرح البلد"، وأعرف المسرح عن قرب، مسرح البلد والقائمون عليه أشخاص يقدرون الفن، ويمنحون فرصا متكافئة للجميع، الفن والثقافة للجميع في مسرح البلد، هذا المكان فتح بابه للفنانين الشباب من كل الدول العربية، فعاليات المسرح تدعم الفنانين المستقلين الذين يحلمون بإيصال رسائلهم للعالم عبر الفن".
المسرحي الفلسطيني، عبد الرحمن العقرباوي، كتب عن خصوصية "مسرح البلد": "في هذا المكان تشكلت علاقتي مع الحكايات، ومنه انطلقت لأقدم حكاياتي في المهرجانات العربية، في أروقة هذا المكان كانت لمّة الحكواتيين العرب تكتمل في مهرجان "حكايا" الذي يجري الاستعداد لإطلاق الدورة رقم 11 منه، هذا المهرجان الذي يُعد الحدث الأكبر من حيث المشاركة العربية، واليوم صدر قرار بإخلاء المسرح لصالح مالك المبنى، لكننا على ثقة بأن المسرح مُستمر، وبأن روح المكان الذي كان بيتاً لنا سيبقى حاضراً في عمان بيتنا العربي الكبير".
لحظات الفرح والإبداع والاستمرار بالعمل لن تتوقف
عصفور، لا يخفي مشاعر الحزن التي تلف المكان، ويؤكد أن المكان أصبح مرتبطاً بالفريق كاملاً، ومن خلاله استطاعوا أن يشكلوا مساحة فنية مبدعة وجذب أُناس يحبون الفن والمسرح، ولكن الأهم هو المستقبل، فالمكان له ذكرى خاصة، وماذا سنعمل غداً، والاستمرارية في العمل، ولدينا الدافع الأكبر لنبدأ من جديد، ونستمر في لحظات الفرح والإبداع وننسى الحزن، أما تلك اللحظات التي احتضنت أفلاما ومسرحيات وفنونا شبابية لمختلف الدول العربية فستبقى في الوجدان.
ويردف عصفور "سنكون دائماً بالقرب من الناس، وعملنا متاح للجميع، وسنعثر على مكان مناسب يحتضن "مسرح البلد"، وفي الوقت ذاته، تمنى من سيكون موجوداً في مكان "مسرح البلد" أن يبقي المكان حاضناً للفنون، ويعتاد عليه عشاق المكان والفن، كما كان سائدا منذ عقود.
ويمكن اختصار كل ما يمكن أن يُقال في "مسرح البلد"، ما تم إدراجه في البيان الصادر عن إدارة المسرح بأنه "ورغم ضعف الإمكانيات المادية، تم ترميم المسرح الذي كان مهملاً لفترة طويلة، بجهود عدد كبير من المحبين من مؤسسات داعمة وفنانين آمنوا بأهمية إيجاد مساحة فنية مستقلة في وسط مدينة عمان. وتم الافتتاح في شباط (فبراير) 2005، وعلى مدار ثلاثة عشر عاماً، نحتنا في الصخر.
وقدم "مسرح البلد" وأنتج أكثر من ألف عمل مسرحي وموسيقي وعشرات المهرجانات الفنية، واعتلى خشبته فنانون ومثقفون من كل بقاع الدنيا، وشاهد عروضه أكثر من 100.000 مشاهد، وصار اسم "مسرح البلد" نجماً أردنياً ساطعاً في الأوساط الثقافية العربية والعالمية، ليس ذلك فحسب، بل أعاد وجود المسرح في هذه البقعة من المدينة الحياة الثقافية والفنية إليها، وأصبحت مساحة حيوية يرتادها الشباب والشابات، الصغار والكبار، من الأردن والعالم، ليعود "وسط البلد" إلى مكانه الطبيعي عمان القديمة، بأسواقها ومساحاتها الثقافية وأهلها.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات