عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Jan-2018

كيف تكتب رواية تجريبيّة؟

 القدس العربي-منصف الوهايبي

كانت الصورة التي ارتسمت في ذاكرتي، للمغربي عبد الله العروي؛ صورة المفكر أكثر منها صورة الكاتب. وكنت وما أزال أعد كتابه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة»، وقد ذاع في أوساط المثقفين العرب ذيوعا غير يسير؛ من الكتب القليلة التي تحتفظ بسلطة مرجعية آسرة، يستظل بها كل من كتب في موضوعه؛ حتى إن وقف منه على طرف نقيض. 
والعروي مؤرخ ومفكر يدير بحوثه إدارة العالِم المتحقق بمناهجه ومواد موضوعه؛ وهي تعزز رأيا لي، كنت سقته في كلام على الشابي عام 1995 في ملتقى نظمته مؤسسة «بروتا» بإدارة أستاذتنا سلمى الخضراء الجيوسي؛ واعترض عليه أصدقاء مغاربة بقوة، ومنهم صديقي الشاعر محمد بنيس. فقد أشرت إلى أن مرد شهرة الشابي ليست إلى وفاته المبكرة، أو إلى قوة أدائه الشعري؛ وقد مات شعراء في سنه أو دونها، ولم يحوزوا ما حازه. وقلت إن قراءة شعره قراءة رصينة، تتجرد من الأهواء العارضة والسمعيات المقررة، تبين أنه يتفاوت قوة وضعفا، وأن مؤثرات الآخرين فيه، تختلف وضوحا وخفاء. وإنما تظافرت في هذه الشهرة أسباب وملابسات معقدة، أجملتها في غياب «السلطة الشعرية» أو الأدبية في نظامنا الثقافي الرمزي ـ نحن عرب المغرب ـ وربما في ثقافة المغرب العربي قديمها وحديثها. فقد عرفت هذه البلاد منظرين كبارا في شتى مجالات الفقه والفلسفة والتاريخ والنقد الأدبي (سحنون وابن خلدون وابن رشد وابن عربي وابن رشيق وحازم القرطاجني) أكثر مما عرفت مبدعين كبارا. وكان للاشتغال بالنظريات موقع الصدارة في الثقافة المغاربية وفي مختلف أنظمتها الرمزية. 
أما الإبداع الشعري والأدبي، وهو مجلى أسرار اللغة ومخيالها وبنيتها الأنطولوجية، فلم تكن للمغاربيين فيه سوى تجارب قليلة، تتجلى في الندرة والفرط من النصوص. وذكرت أن هذه البراعة في التنظير تقليد لا يزال متواصلا مع هشام جعيط وعبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وعبد المجيد الشرفي وحمادي صمود… وهذا موضوع شائك قد أعود إليه، في مقال مقبل؛ خاصة أنني عدلت من رأيي، بعد أن تراجع الأدب في سائر بلاد المشرق العربي؛ وصار قرينه المغاربي يطاوله ويجاذبه مكانته، في الشعر والرواية معا؛ ناهيك عن السينما والمسرح.
تلك بإيجاز مخل صورة العروي كما ارتسمت في ذاكرتي، كلما تداولنا اسمه في مجلس من المجالس، ولم أكن أعرف أن العروي روائي؛ إلا عندما اطلعت منذ سنوات، على عرض مفصل لحوار معه أجراه محمد الداهي، وأصدره في كتابه «عبد الله العروي من التاريخ إلى الحب: حوار». ويعنيني منه في السياق الذي أنا فيهِ، كلام العروي على الرواية العربية التجريبية، وما يَبِين عنه من نظرات نافذة إلى الإشكالات التي يثيرها هذا الجنس الوافد على ثقافة العرب، وهي على ما أرجح الإشكالات ذاتها التي تثيرها الكتابة الروائية في سائر البلاد العربية. 
يقول العروي: «الكتابة الروائية في مجتمع كالمغرب، لا يمكن إلا أن تكون تجريبية؛ ولكن العيب ألا تكون إلا تجريبية. يجب أن تكون تجريبية لهدف ما. والهدف بالطبع هو قضية الموضوع…». 
ولعل المسوغ لهذا الحكم القاطع، أن الرواية، بالهيئة التي استتبت عليها في ثقافتنا، جنس مستحدث؛ الأمر الذي يجعل التجريب، حتى إن خفي في بعضها أو التبس، سمة لافتةٌ فيها؛ بما في ذلك الشكل الروائي التقليدي أو الكلاسيكي. وهو على رأي صدوق نورالدين، تجريب أيضا، خاصة في بلد مثل مصر، حيث ترسخت التجربة الروائية منذ بدايات القرن الماضي؛ بتطويع الشكل التقليدي، أو تأصيله وتأهيله حتى يوائم الحامل محموله، ويناسب هذا ذاك. ومن داخل هذا الشكل الذي اكتمل أو ترسخ مع نجيب محفوظ ويحيى حقي وعبد الرحمن الشرقاوي وغيرهم، تسنى للروائيين اللاحقين من أمثال الغيطاني وإبراهيم أصلان وإبراهيم عبد المجيد… أداء الرواية في هيئات وصيغ تختلف عميقا عن الرواسم المُحتذاة في النمط الكلاسيكي، وأمثلتها غير قليلة: «مالك الحزين» لأصلان، و«لا أحد ينام في الإسكندرية» لعبد المجيد وغيرهما، حيث الكتابة الروائية وجه للقراءة الروائية. وهي أعمال ذات سياق نوعي يُقاس بما يحققه داخل التقليد أو النوع من افتراضات، وما يحمله من احتمالات. لكن إذا كان التجريب في مصر محكوما بما يسميه البعض «قانون التطور المتفاوت المركب»، وقد توطأتْ سبله باستيفاء الشكل التقليدي، ومحاولات نجيب محفوظ نفسه في توظيف السردية العربية التراثية؛ ضمن وعيه بأن العمل الروائي قائم على التداخل، وأنه منشد إلى نفسه مثلما هو منشد إلى سابقه بل لاحقه؛ إذ هو ينشأ «قرائيا». فإن هذا التجريب «عكس ما يحدث مثلا في المغرب وتونس والأردن، حيث التجارب انخرطت بداية في التجريب، وقفزا على مراحل لم تمر بها…» بعبارة صدوق نور الدين. وقد يعترض بعضنا على هذا الرأي الذي ينبغي تنسيبه، أو يجده متعجلا، فتاريخ الرواية في هذه البلدان يحتفظ بنماذج من الشكل الكلاسيكي أو التقليدي، ومثالها في تونس روايات البشير خريف، خاصة «الدقلة في عراجينها». وقد يرى آخرون أن أكثر هذه النماذج تقبع على هامش تاريخ الرواية العربية، ويكاد لا يعنى بها سوى الباحثين من مؤرخي الأدب، بل لعل التجريب في تونس هو الذي سبق التقليد، على نحو ما سبقت قصيدة النثر قصيدة التفعيلة؛ فـ»حدث أبو هريرة قال» لمحمود المسعدي، المكتوبة في مستهل الأربعينسات من القرن الماضي، رواية تجريبية تتنزل في أفق التأصيل الروائي وإعادة تأهيل الأشكال السردية الموروثة.
ما نقرره باطمئنان أن ظاهرة التجريب أو تداخل الأشكال والأجناس «طبولوجيا» معقدة يندرج فيها الآخر وخطابه وتترجح فيها ذات الروائي بين تكونهيَ هيَ، وأن لا تكون، فهي طورا وحدة ثابتة تتطابق وخطابها وتتزامن؛ وهي طورا آخر تبحث خارج فضائها عن خيط ينتظمها. وهذا الخارج هو فضاء الآخر وخطابه، بل إن الروايات كلها كلاسيكية أو تجريبية سرد تالِ أو لاحق، حيث ترتسم علاقة أولى بين مُرسِل قاص أو ساردٍ ومرسَل إليه مروي له. 
وهذا المتقبل مرسل ثان ينقل الرسالة إلى متقبل ثان لا يحد ولا يصنف، أو هو متحرر من رق الزمان والمكان، لأنه القارئ في كل زمان وفي كل مكان، أو هو بعبارة معاصرة «المخاطـَب المتخيل» أو «المفترَض» الذي يسعى المتلفظ إلى التحكم في أنساقه الفكرية، واستباق ردود أفعاله، أو استنهاضه إلى فعل ما. وقد لا يخفى أن هذا «المخاطـَب» هو عمدة نجاح بلاغة السرد أو القص في النص، خاصة عندما يكون غائبا عن ناظر المتلفظ. واللجوء إلى الماضي في أكثر هذا النوع من الرواية، مما يجعل منه مجرد علامة على «التخيلية»، بل إن دلالة الفعل الماضي في هذا النوع، إنما هي على الحال والاستقبال معا، مثلما هي على حدوث شيء قبل زمن التكلم. والرواية إنما هي «حكاية حال ماضية» بعبارة القدامى (في تفسير كن فيكون). ولكنها طريقة في ابتعاث المستقبل وتصويره في صورة الذي يحدث في الحال، أو كأنه يحدث الآن في زمن التكلم. لتعترف بأن المفاهيم الوافدة بما فيها الإنشائية والشعرية أوالتجريبية غير مؤسسة في النقد العربي الحديث؛ إذ لا يعدو الأمر أكثر من «نقل» عن المصادر الغربية. ولعل هذا ما يفسر كون الأخذ بمفهوم لم يتأسس بعد لا يخلو من قدر غير يسير من المغامرة؛ بل هو يمكن أن يفضي إلى خلل بنائي بسبب الخلط بين التيارات والاتجاهات، بدون سند من لغة أو من تجربة. وهو ما لا يمكن تلافيه، إلا بروايات قوية؛ لكن شريطة أن تكون متنوعة مختلفة حتى وهي تدور على أكثر من شكل من أشكال التداخل أو التجريب أو«تغريب المألوف».
وما نطمئن إليه أيضا أن التجريب لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو متفاوت كأشد ما يكون التفاوت؛ فمن تجريب بسيط يراوح داخل التقليد، إلى تجريب مركب يزاوج بين شكلين فأكثر، ويستجلب إلى سياقه أجناسا وأنماطا من الخطاب غير مألوفة، إلى تجريب غامض هو في تقديري ليس أكثر من صدى للنقد الحديث، وتخصيصا للمناهج السردية التي تحولت عند البعض إلى مادة روائية. ولعل مُدارسة هذه الأنماط الثلاثة أن تعزز رأي العروي في أن الرواية المغربية ـ وأضيف أنا إليها الرواية في بلدان عربية أخرى ـ لا يمكن إلا أن تكون تجريبية؛ لكن شريطة أن نحكم التمييز بين نمط وآخر. فثمة روايات تنضوي إلى التجريب المركب الذي يتأدى من داخل الرواية، ولكن خارج النقد. وثمة روايات أخرى تتأدى من داخل النقد، ولكن خارج الرواية؛ وقد تصلح عنوانا لكتاب عنوانه «كيف تكتب رواية تجريبية؟».
٭ كاتب تونسي
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات