عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Mar-2018

نهاية ألمانيا الصغيرة؟

 الغد-صوفيا بوستش

لندن- أخيراً، وبعد طول انتظار، أصبحت ألمانيا مستعدة لتنصيب حكومة جديدة. فبعد خمسة أشهر من الخلاف السياسي، استقر حزب الديمقراطيين الاجتماعيين، وحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي -ومعهما حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (الشقيق البافاري لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي)- على تشكيل ائتلاف حكومي. لكن شيئاً ما في الحوار السياسي الألماني تغير في إطار عملية التوصل إلى ذلك الاتفاق.
استمتعت ألمانيا لفترة طويلة برفاهية التظاهر بأنها شيء آخر على غير حقيقتها: دولة صغيرة. ففي وقت الانتخابات العام الماضي، لم نشهد تقريباً أي مناقشة عامة حول الاتحاد الأوروبي ودور ألمانيا فيه. فقد أَكَّد تقدم المستشارة أنجيلا ميركل المريح لاستطلاعات الرأي آنذاك حسها الغريزي بأن الناخبين الألمان ما كانوا يريدون أن يزعجهم أحد بمناقشات حول مستقبل أوروبا. وعلى الرغم من كونه رئيساً سابقاً للبرلمان الأوروبي، فإن زعيم حزب الديمقراطيين الاجتماعيين آنذاك، مارتن شولتز، كان هو أيضاً يركز على نحو شبه كامل على قضايا محلية.
لكن انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وأجندة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الإصلاحية، وبدرجة أقل تصويت المملكة المتحدة لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، من الأسباب التي أدت إلى تركيز العقول في مختلف أنحاء ألمانيا. وإذا كان لأوروبا أن تتمكن من التصدي للتحديات العديدة التي تواجهها، فيتعين على ألمانيا أن تعيد النظر في بعض افتراضاتها القديمة. فهي تحتاج إلى أجندة أوروبية واضحة، أجندة تستغني عن فِكر الدول الصغيرة.
من المؤكد أن روايات ألمانيا التاريخية وتفضيلاتها السياسية تحد من الخيارات المتاحة لأي حكومة. ولكن ما تزال هناك خطوات واقعية تستطيع الحكومة الألمانية المقبلة أن تتخذها لخدمة الصالح الأوروبي والعالمي. فهل يكون الائتلاف الجديد على قدر المهمة؟
عُرِض الفصل الخاص بأوروبا في اتفاق الائتلاف بين حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي/حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي والحزب الديمقراطي الاجتماعي في ألمانيا بوصفه رداً على مقترحات ماكرون لمنطقة اليورو. لكن من المرجح أن يصاب أولئك الذين كانوا يأملون في تغيير جوهري في السياسة الاقتصادية بالإحباط وخيبة الرجاء. فربما تتحدث الحكومة الجديدة عن إعادة تشغيل محرك الإصلاح الفرنسي الألماني للاتحاد الأوروبي، لكنها من غير المرجح أن تدعم المقترحات المتعلقة بتبادل الديون أو إنشاء ميزانية مشتركة كبيرة الحجم.
لكنها تستطيع، بل ينبغي لها، أن تلاحق تدابير أخرى. فمن الممكن أن تقبل ألمانيا فكرة مفادها أن السياسة المالية لابد أن تكون أكثر مجابهة للتقلبات الدورية على المستوى الوطني -بل ينبغي لها أن تروج لهذه الفكرة. ينبغي لها أيضا أن تكف عن التلكؤ في ما يتعلق بالاتحاد المصرفي لمنطقة اليورو وأن تجعل اتحاد أسواق رأس المال أولوية سياسية عالية. ويمكنها أن تقدم عرضا جريئا بشأن التأمين على الودائع الأوروبية والدعم المالي المشترك لصندوق الحل الموحد لمنطقة اليورو، والذي يتدخل عندما تنهار البنوك وتصفي أعمالها. وبوسعها أن تربط هذا العرض بالتنظيف الشامل للنظام المصرفي الأوروبي، وخاصة في إيطاليا، وفرض قواعد صارمة بشأن مشاركة الدائن في تحمل الخسارة.
يتعين على ألمانيا أن تعالج أيضا فائض الادخار الكبير، والذي لا يليق بأكبر اقتصاد في أوروبا. ولتعزيز الاستهلاك، لابد من إعفاء أصحاب الدخول المنخفضة من العبء الضريبي المرتفع بإفراط. الواقع أن مؤسسات سوق العمل في ألمانيا تترك العديد من العاملين في مجال الخدمات بدون أي قدر يُذكَر من قوة المساومة أو سبل الحماية، الأمر الذي يخلق بالتالي واحدا من أكبر القطاعات المنخفضة الأجر في أوروبا. وبوسع المدخرين الألمان أن يكتفوا بصندوق ثروة عام منخفض التكلفة، والذي قد يعزز الاستثمارات في الأسهم في ألمانيا وعبر الحدود، في حين يعمل على الحد من الطلب الألماني على الأصول الدولية الآمنة.
والآن بعد أن أصبحت وزارة المالية في يد الحزب الديمقراطي الاجتماعي، أصبح من الممكن أيضا التركيز بقدر أكبر على الاستثمار العام، بدلا من التخفيضات الضريبية والمزيد من التخفيضات للدين العام. فقد بدأ الألمان يشعرون بالإرهاق من ملاحقة العجز المنخفض المدفوع إيديولوجيا والذي دام عقدا من الزمن. وتسمح القاعدة المالية الدستورية في البلاد، والمعروفة بمكابح الدين، بزيادة الإنفاق العام. ومن شأن فرط النشاط الاقتصادي الطفيف الناجم عن ارتفاع الاستثمارات الخاصة والعامة أن يساعد في تعزيز الأجور والطلب على الواردات، وهو ما قد يساعد على خفض فائض الحساب الجاري في ألمانيا.
يتعين على الحكومة الألمانية الجديدة أن تعكف أيضا على وضع سياسة تجارية جديدة تدرك وترغب في استخدام النفوذ الاقتصادي الذي تتمتع به ألمانيا، والاتحاد الأوروبي، بشكل أكثر استراتيجية. وتقدم نبرة إدارة ترمب الأكثر ميلا إلى فرض تدابير الحماية الفرصة المثالية لألمانيا لأداء هذه الوظيفة. وسوف تسارع الولايات المتحدة إلى فرض رسوم جمركية على كل الواردات من الصلب والألومنيوم، وهذا يتطلب استجابة أوروبية قوية.
من الملحوظ أن المناقشة الألمانية الدائرة حول شراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كانت تركز في المقام الأول على حقوق المستهلك وحماية الضوابط التنظيمية والمعايير المحلية. لكن الأهداف الاقتصادية الضيقة مثل هذه، والتي قد تعطيها الدول الصغيرة الأولوية، لم تعد لائقة بالهيمنة الألمانية الجديدة اليوم. ويصدق القول نفسه على الدعم المفرط في التفاؤل لأحد أشكال التعددية التجارية بلغ منتهاه إلى حد كبير.
وبدلا من ذلك، يتعين على الحكومة الألمانية الجديدة أن تعمل على وضع سياسة تجارية تدعم الإصلاحات الاقتصادية والمعايير الاجتماعية، في حين تعمل على تعزيز اقتصاد السوق وسيادة القانون في جوارها. ومن الممكن أيضا أن تفعل ألمانيا المزيد لدفع بقية أوروبا إلى أن تكون أكثر قوة في منظمة التجارة العالمية بشأن دفع الحقوق الاجتماعية، والحماية البيئية، والضرائب العادلة، والمعايير السياسية المحسنة.
تتطلب هذه المقترحات أن يحول الساسة الألمان تجاه المناقشة. فبوصفها الدولة المهيمنة في منطقة اليورو، يتعين على ألمانيا أن تتأكد أن الكتلة تعود بالفائدة على جميع أعضائها وأن تضمن عملها كقوة داعمة للاستقرار في الاقتصاد العالمي. ويجب على ألمانيا أن تبدأ أخيراً التفكير في نفسها باعتبارها القوة الاقتصادية الرئيسية، وأن تتصرف وفقاً لذلك -والأفضل أن يحدث هذا قبل أن يستقر الوزراء الجدد على الروتين القديم.
 
*زميلة بحث في مركز الإصلاح الأوروبي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات