عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Jun-2017

انكماش الرئاسة الأميركية

الغد-آنا بالاسيو
 
مدريد - قال الرئيس الأميركي ليندون ب. جونسون ذات مرة: "الرئاسة تدفع أي رجل بطريقة ما إلى تقليص المنصب ليلائم حجمه، وحتى تصبح الرئاسة الأميركية مناسبة له".
يشكل منصب رئيس الولايات المتحدة -وليس الشخص- دعامة للنظام الدولي. وتعطي رئاسة الولايات المتحدة التوجيه والإرشاد للنظام بأكمله، وهي نوع من عجلة القيادة أو القوة التي توجه العالم نحو المياه الهادئة عند الضرورة، أو خلال فترات الفوضى الخلاقة.
ولكن، مع تولي ترامب المنصب، انكسرت العجلة، ووقع النظام بأكمله في مشاكل كبيرة سيكون من الصعب جدا التخلص منها، حتى لو كان ترامب خارج السلطة. وفي واقع الأمر، لا يكمن الخطر الحقيقي لرئاسة ترامب في الظروف الخطيرة التي ستسود في السنوات الأربع المقبلة، وإنما على المدى الطويل، في ظهور نظام عالمي دون اتجاه، وبالتالي غير مستقر للغاية.
لم يبدأ تآكل الدور العالمي للرئاسة الأميركية بالتأكيد بتنصيب ترامب. وقد جاء سلف ترامب، باراك أوباما، بنهج منطقي جداً في الشؤون الخارجية، مع التركيز على مناطق كان يعتقد أن للولايات المتحدة فيها مصلحة، وحيث يمكن أن تحدث أثراً. لكنه لم يشرح دور الولايات المتحدة النظامي. ونتيجة لذلك، عزز عن غير قصد ظهور تصورات عن تراجع القيادة العالمية الأميركية.
من جانبه، كان أوباما يتفاعل مع سلفه جورج دبليو بوش، الذي كان ميله نحو الانتشار الخطير مثالياً في حربه العالمية على الإرهاب. وهذا الاتجاه لم يبدأ مع بوش: فالقائمة تطول، وتعيدنا إلى القرن الأخير.
غالباً ما يشبه ترامب الرؤساء الآخرين. وقد يذكرنا فصله مؤخراً لمدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي، الذي كان يجري تحقيقاً في علاقات حملته مع روسيا، وإسناد وزارة العدل في وقت لاحق لمحامٍ خاص لمواصلة هذا التحقيق، بالسنوات العِجاف الأخيرة لرئاسة ريتشارد نيكسون. ويقوم أولئك الذين ما يزالون حريصين على تمكين ترامب من الاستفادة من الشك بمقارنته أحياناً مع جمهوري دخيل آخر كان ينظر إليه في البداية على أنه تهديد للنظام العالمي: رونالد ريغان.
لكن ترامب ليس مثل نيكسون، أو ريغان، أو أي شخص آخر. اٍنه فريد من نوعه -فهو رئيس واقعي متفائل بسياسات وسائل الإعلام الاجتماعية. وهو مشارك فريد من نوعه في السيرك الرقمي، ويفتقر إلى الرؤية والاتساق ولإدراك أن متطلبات عالم اليوم تتغير بسرعة وترتبط بعمق بالقادة. والأهم من ذلك هو أن الأسئلة التي يثيرها لا تتعلق بتوجيه الرئاسة الأميركية، بل بأدائها.
كان الشعار الذي نشره أنصار ترامب منذ تنصيبه هو النظر إلى أفعاله، لا أقواله. علينا أن نتجاهل اتهاماته المتهورة وتناقضاته العنيدة. يجب أن تكون لدينا ثقة في المهنيين الذين يقفون إلى جانبه: وزير الدفاع جيمس ماتيس، ووزير الخارجية ريكس تيلرسون، ومستشار الأمن القومي ماكماستر. وعلينا أن ننتظر بصبر رؤية النتائج، مهما كانت.
هذا النهج يعجل فقط بانهيار الرئاسة. ويمكن بسهولة أن تصبح الاتهامات والتناقضات التي يفترض أن يتم فصلها كجزء من العرض -أو كطرق يصعب على الجمهور فهمها- مستهلكة تماماً، كما تثبت قنوات الأخبار الأميركية.
كما أن الفكرة القائلة بأن حكومة ترامب يجب أن تقدم السلوى للمشككين هي أيضا مضرة. والسؤال هو ما كان أعضاؤها يستطيعون تحمل الضغط داخل الإدارة. وإذا حكمنا على ما قام به ماكماستر من اتهامات شفهية في وصف اجتماع ترامب البيضاوي مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي كشف خلاله ترامب على ما يبدو معلومات خطيرة، فإن ذلك ليس مضموناً.
يثير هذا التحول في المسؤولية أيضاً تحديات عملية خطيرة. ماذا يحدث، على سبيل المثال، عندما تتناقض كلمات ترامب مع كلمات أحد "الكبار" في حكومته؟ وفي الآونة الأخيرة، بعد أن أكد ترامب أن كوريا الجنوبية يجب أن تدفع مليار دولار لنشر نظام الدفاع الصاروخي على أراضيها، دعا ماكماستر رئيس الأمن القومي في كوريا الجنوبية إلى التعهد بأن الولايات المتحدة سوف تتحمل التكاليف.
ومع ذلك، فإن المشكلة الأكبر في هذا هي التقليل من قيمة الرئاسة نفسها. ويبدو ترامب مرتاحاً لكونه يعمل كما لو كان رئيساً صورياً. وأثناء حملته الانتخابية، أفادت التقارير أنه يعتزم تعيين نائبه المسؤول عن السياسة الداخلية والخارجية، مع الاحتفاظ بالمسؤولية لمجرد "جعل أميركا عظيمة مرة أخرى".
وهذا الموقف ضعيف. فالرئيس الأميركي صوت منفرد في الشؤون العالمية. وأياً يكن التآكل الذي أصاب هذا الموقف، يبقى من الصحيح أنه عندما يتحدث الرئيس الأميركي، فإن الكل يستمعون. ولا ينبغي إهدار هذه السلطة على التغريدات السخيفة والمسيرات الهائجة. ويجب استخدامها لقطع شوط القرن الحادي والعشرين في الشؤون الدولية وممارسة تأثير الاستقرار على العالم.
لم يفت الأوان ليتصرف ترامب كزعيم، وأن يتطلع إلى الأمر من نواحي مختلفة ويتحدث بوضوح مع العالم. ويتعين عليه أن يبدأ الآن، مع زياراته الأولى إلى الخارج مثل الزيارات لقمم الناتو ومجموعة السبعة. وقد يكون قد انتقل إلى هذا الاتجاه بعض الشيء في مواقفه السابقة، في السعودية وإسرائيل.
عمل مضيفو ترامب، وخاصة حلف شمال الأطلسي، بجد لخلق جو لمثل هذا التحول. وهم يدركون أنه في الوقت الذي تضغط فيه المؤسسات في كل مكان لكي تظل ذات صلة، فإنه لا يمكننا أن نفقد ركيزة من ركائز النظام العالمي، ببساطة بسبب ميول رجل ليست لديه خبرة. ولذلك، علينا أن نفعل كل ما في وسعنا لمساعدة ترامب –إذا لم يكن لتحقيق النجاح، فعلى الأقل لتجنب الانهيار.
بطبيعة الحال، عندما ينتهج ترامب سياسة عنيدة، فإننا يجب أن نقاوم. وعندما يتصرف ضد مصالح أو قيم الآخرين، يجب أن نتصدى لذلك. وعندما يسيء، يجب أن ندافع. لكن العالم لا يستطيع أن يجلس ويشاهد مؤسسة الرئاسة الأميركية وهي تتفكك.
 
*هي وزيرة خارجية سابقة لأسبانية، ونائية سابقة رفيعة لرئيس اللبنك الدولي، وهيعضو في مجلس الدولة الإسباني، ومحاضر زائر في جامعة جورج تاون، وعضو في مجلس الأجندة العالمية للمنتدى الاقتصادي العالمي حول الولايات المتحدة.
*خاص بـالغد، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات