عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Jan-2018

المشهد اللساني في النقد الأدبي

 الدستور-د. إبراهيم خليل

إذا أردنا الحديث عن المشهد اللساني في النقد الأدبي فعلينا أن نعود إلى بدايات القرن الماضي، عندما ظهر كتاب جول سبنغارن النقدٌ الجديدٌ New Criticism The(1911) وبعد ثلاثين عامًا صدر كتاب آخر بالعنوان نفسه لناقد آخر هو جون كرو رانسوم Ransom وما بين السنتين شاعت أسماء عدة لهذا النقد ؛ فمنهم من سماه النقد الجديد، ومنهم من سماه النقد الشكلي، وومنهم من سماه النقد التحليلي، والنقد الموضوعي، والنقد التشريحي، ويُعْتقد أن الكندي نورثروب فراي Frye  قد اشتقَّ من التسمية الأخيرة عنوان كتابه «تشريح النقد «Anatomy of Criticism الصادر عام 1945. ولا يهمنا – ها هنا- الحديث عن هؤلاء النقدة، ولو أن الحديث عنهم ليس ببعيد عن هذا الموضوع، فقد ورد في مقدمة كتاب سبنغارن أن النقد الذي يميل إلى التاريخ يحدثك عن كل شيء عدا النص الأدبي، والنقد الذي ينتهج نهج القراءة النفسية يحدثك عن نفسية الأديب لا عن النص الإبداعي. 
والناقد الذي يميل إلى المنهج الاجتماعي أو (الإيديولوجي) يحدثك عن جل شيء يتعلق بجمهور الأديب وتأثيره فيه، إلا أنه لا يحدثك عن النص الأدبي موْضِع الاهتمام النقدي. وإذًا، تدعو الحاجة لنقد جديد يتخلص، ويتحرر من هيمنة العلوم الإنسانية على الأدب، فيبدأ من النص وينتهي بالنص، و لا يفتأ يهتمّ بلغة الشاعر، وببناء القصيدة، وبنموّها العضوي، مثلما يهتم بخيال القاص، أو الروائي.
 
ولعلَّ المصادفة المحضة هي التي جعلت من عام 1911 منطلقاً تاريخيا، ومبتدأ زمانيًا، لظهور مدرسة في النقد الألسني في جامعة موسكو، وهي التي عرفت بجماعة الأبوياز- النواة الأساسية للمدرسة الشكلية الروسية، في اللغة، وفي النقد الأدبي، ولاحقاً إحدى النويّات التي تألفت منها، وتشكلت، حلقة براغ اللغوية التي تبنت في مؤتمرها اللساني الأول عام 1926 الوصفيَّة اللغوية التي دعا إليها السويسري فردناند دو سوسير (1856- 1913) في فصول من كتابه الموسوم بعنوان « محاضرات في علم اللسان « 1916 . 
وقد تجاوز البراغيون، وعلى رأسهم رومان ياكوبسون، وتوماشيفسكي، وبوريس إيخنباوم، وشولوفسكي، وتروبتسكوي،وغيرهم.. البحث اللساني الخالص المتعلق باللسانيات العصبية، والأصوات، ونظريتي الفونيم والمورفيم، والفونولوجيا العمليَّة، إلى التركيز على وظائف اللغة، ونظرية الاتصال، فأشاروا للوظيفة الثانوية لها وهي الوظيفة الشعرية، التي تتيح للمتكلم التعبير بالكلمات تعبيرًا يشبه تماما تعبير الرسام بالألوان، والنحات بالحجر والرخام، والخزاف بالصلصال والطين، والموسيقي بالنغمات، أي أن لها وظيفة تتجاوز التواصل إلى إيجاد أعمال خارقة للمألوف تغدو لدى الوهلة الأولى موضوعًا للدراسة، والتحليل اللساني، فكأننا ندرس اللغة باللغة. فكانت الدراساتُ التي كتبها بعضهم عن الشعر الروسي، والتشيكي، وعن الشاعر مايكوفسكي، وعن قصيدة «القطط « لبودلير، نقطة الانطلاق لعلم الأسلوب Stylistics وهو تيار نقدي شق طريقه أيضًا إلى باريس على أيدي شارلز بالي Bally، وميشال ريفاتير، وليو سبتزرLeo spitzer و وبيير جيرو Giraud.
وقد اهتمَّت الأسلوبية – من حيث هي فرع من فروع اللسانيات – بالإجابة عن الأسئلة الآتية: ما الذي يجعل اللغة، في هذا النص أو ذاك، تعدلُ عن وظيفتها التواصلية إلى وظيفة أخرى هي الوظيفة الشعريّة الأدبية؟ وما الذي ينبغي للباحث، أو الناقد الأدبي، أن يبحث عنه في النصِّ، شعرًا كانتْ أم نثرًا، للوقوف على الآليات اللغوية الكامنة في الوظيفة الأدبيَّة الشعرية؟ وهل تكمن هذه الآليات، وتتمثلُ، في توافر المجازات، والاستعارات، أم في تناوب المقاطع المنبورة، وما ينشأ عنها من توافق إيقاعي، وانسجام صوتي موسيقي، أم هي في تتابُع حروف الروي في القوافي، أمْ هي في التخييل الذي يساعد الكاتب على ترجمة الأحداث في الحكاية من وقائع جارية على الأرض إلى نصوصٍ مكتوبة، وإلى شخصياتٍ مرسومة بدقة تريقُ الضوء على عالمها الداخليِّ والنفسي، وإلى حوافز مسبِّبة لتلك المآلات، والتداعيات؟
وعلى الرغم من أن سوسير لم يستخدم في كتابه المذكور كلمة «بنْية « أو» بنْيويَّة « ولم يتطرق لها من حيث هي إجراء لقي إقبالا من الدارسين اللغويين، والأنثروبولوجيين، وعلماء الأجناس، والاجتماع، والمؤرخين، والنقاد الأدبيّين، والفلاسفة المتكلمين، إلا أنَّ البنيوية في اللغة، والأنثروبولوجيا، تزعم أنها خرجتْ من معطف سوسير مثلما خرجت القصة الروسية من « مَعْطف « غوغول.
ففي مجال النحو، نشط الاتجاه البنيوي لدى اللساني الأمريكي ليونارد بلومفيلد Bloomfield وفي الأنثروبولوجيا نشط الفرنسي كلود- ليفي شتراوس Strauss فاهتمَّ بدراسة الهياكل الشكلية الداخلية للأساطير والموروثات الشعبية، كاشفًا عن وجود نسق متكرر في نحو 528 أسطورة تناولها بالتحليل في كتابه « أسْطوريات «. واستخلص منها نتائج أودعها في  كتابه « الأسْطورة والمعنى «. وقد لاحظ أنَّ الأسطورة لدى الشعوب البدائية تنتظمها ثنائيَّةٌ متكررة من نحو: الظهور والاختفاء، أو المنع والخرق، وبهذا المعنى تكادُ الأسطورة تكون لغة تعتمدُ شبكة من العلاقات كالهمْس والجهر ، والاحتباس والاحتكاك، والشدة والرخاوة، والأنفي وغير الأنفي، والحذف والذكر، والتقديم والتأخير، والرفْع والخفض. فمثلما تقوم اللغاتُ على شبكة من الثنائيات المتعاكسة، تقوم الأساطير أيضًا على نظام ثنائي Binary system يمكنُ الرمز إليه بإشارتي موجب+ وسالب - .
وتنظر البنيوية للنصوص الأدبية نظرتها إلى اللغة، فالنصُّ بناءٌ منتظمٌ داخليًا، ذو مستويات عدة، وليس في حاجة لتشغيله، وإدارته، وفهْمه، ودراسته-  إذا ساغ التعبير-  لما ليْس هو. فاستبعدوا، وأقصوا، من دراساتهم للنصوص الظروفَ التي كانت تشغل الدارسين سابقًا مما أحاط، أو يحيطُ بالنص، وبصاحبه، وبمتلقيه، وإجرائيًا، يقومون بتقطيع النصّ الشعري، والسردي، إلى مجموعة من الأبنية الموْضعيَّة، وتحليل كل بنية بمفردها مع تسليط الضوء على علاقتها بغيرها من البنيات، فالنسق الذي تندرج فيه البنى هو الذي يكشف عن جوهر النص، وحقيقته الأدبية، وقيمته. وفي هذا المقام يُذكر، في العادة، نموذج رولان بارت Barthes ودراستُه لرواية Balzac بلزاك S/ Z. ويهتم البنيويّون أيضا بأركان النصّ السردي، فيعزلون الشخوص عن الوقائع(الحوادث) والزمن عن المكان، والحوافز عن الحبكة، ويقومون بالكشف عن العلاقة بين هاتيك الأركان، فالزمنُ والمكانُ، بعلاقاتهما يؤديان إلى ما يُسمى بفضاء النصّ، وعلاقة الشخوص بالحوادث، تؤدي إلى ما يعرف بالعوامل؛ والحوافز، مع المستجدات أو التحوُّلات، تؤدي إلى ما يعرف بالوظائف. 
على أيِّ حال، لم تلبث البنيوية قليلا حتى شاختْ مُبكّرًا. وتفرق عنها روادها، وأتباعها، لينساقوا في تيارات من اللسانيات النقدية الأخرى، ففي العام1966 ألقى الفرنسي جاك ديريدا Derrida محاضرة في جامعة أنديانا الأمريكية أكد فيه أن ما يذهب إليه البنيويون من ادّعائهم أن اللغة بنية محكمة، مكتفية بذاتها، مذهبٌ غيرُ دقيق، وأن الأدقَّ هو أن اللغة لا تقوم في وظائفها على التوافق، وإنما على الاخْتلاف. فالمتكلم، والكاتب، والشاعر، يقول شيئًا وهو يعني شيئًا آخر، ويتلقى القارئ، والسامعُ، من ذلك القول الملفوظ شيئا ثالثًا، وقد أطلق على هذه الحال تعبيرًا جديدًا هو ميتافيزيقيا الحضور، ومن ذلك استخلص مبدأ المعنى المسْتأنَف، والمرْجأ، فالأقوالُ، والملفوظاتُ، ما هي إلا مسوَّدة يضعُها المتكلم، والكاتب، بين يديْ المتلقي في هيئة مشروعٍ غير مكتمل ينتظرُ من يقرؤه، أو يتلقّاه، بفاعلية مُنْجِزة، تضيفُ له ما يسميه التَكْملة، فيصبح عندئذٍ نصًا له حضوره لدى هذا المتلقّي بالذات، وليس لدى أيِّ شخصٍ آخر.
وقد نشَرَ كتابًا بعنوان « الكتابة والاختلاف « وثانيًا بعنوان « المعنى المرْجأ « وثالثًا بعنوان « الانتشار» ولقي نهجُه المقوِّض للإجراء البنيوي تأييدًا، وقبولا لدى عدد من اللغويين، والنقاد، من مثل؛ بول دو مان الأمريكي، صاحب « الأعمى والبصيرة « وجيفري هارتمان Hartman ورولان بارت، وهذا الأخير تحوَّل عن البنيوية إلى التفكيكية -De construction. ولا يقتصرُ المشهدُ اللساني على هذه الثورة التي تتيح للناقد الأدبي التحرر من مواضعات قديمة كادت تصبحُ في حين من الدهر مُسلَّماتٍ، فشرع الدارسون، ونقاد الأدب، يعيدون النظر في الآثار الأدبية القديمة، ويتوسعون في ما يسمونه القراءة التفكيكية، والتأويلية، للنصوص، قديمة وجديدة. وعلى هذا النحو نجد المشهد اللساني يتمدَّد في فضاء النقد الأدبي. فالإجراء الذي يُعْنى بتأويل العلامات المستخدمة في النص الأدبي، وفي الخطاب، يُصنف في عداد الدراساتِ السيميائية Semiotic Studies وهي دراساتٌ تعودُ، في أصولها الفلسفية للقرن التاسع عشر، بيد أنها ازدهرت على أيدي بويْسِنِسBuyssens وموريس Morris وشارلز بيرس Peirce وجوليا كرستيفا Kristeva ورولان بارت، مؤلف كتاب « مبادئ في علْم الأدلَّة «. وغير بعيد عن هذا الإجراء توجُّه مدرسة كونستانس الألمانية الى استبعاد المؤلف من اهتماماتها، والنصّ، والتركيز على المتلقي تركيزاً شديدًا. ونجد لدى كل من إيزر Isere، وياوس، تعبيرين جديدين، هما: جماليات التلقي، وأفق التوقع، مقابل التعبير القديم عن جماليات الصورة، أو التشكيل الفني. ومن تأثير فلسفة اللغة عند كل من غادامير، وبول ريكور، وأمبرتو إيكو Eco ظهَرَ ما يسمى بالتأويل Hermeneutics، والتأويليةُ قراءة نصية غير بعيدة عن التفكيكية، إذ لا تقيم وزنًا لما ضمَّنه المؤلف في آثاره من مَعان، وإنما يُترك للدارس، والناقد الأدبي، أن يتأوَّلا النصوص تأويلا قد يُسفرُ، أو ينْبغي له أن يُسفر، عن دلالاتٍ جديدةٍ، لم تخطر للمؤلف ببال. ومع ذلك يشترطون لقبول هذا التأويل أنْ يستند إلى قرائنَ موجودةٍ في النصوص كي لا يقعَ التأويلُ في العشوائية. هذا مع أن فلسفة اللغة لدى فنجنشتاين النمْساوي، ولدى لسانيي مدرسة أوكسفورد، أضافت إلى هذا المشهد اللساني شيئًا آخر، وهو «التداوليَّة «التي تُعزى بلورة مفاهيمها للإنجليزي جون أوستن Austin . 
ونحن الآن نقرأ في الدراسات النقدية لأناسٍ يتحدَّثون عن النقد الثقافي، وعن التاريخانيّة الجديدة New Historicism. وهو نقد يدير ظهره لما سبق. في حين نجد من يكتب قراءات « تداوليّة «تهتم بتحوُّلات المعنى على وفق السياق الذي يتمَوْضع فيه المتلقي، بدلا من المؤلف، بصرف النظر عن كون هذا الخطاب روائيًا، أو قَصَصيًا، أو شعريًا، أو مسْرحيًا دراميًا، أو حتى من كُتب الرحلات، والسيرة. وصفوة القول أنّ الاعتقاد بأنَّ الأسلوبيّات، والسرديات، والتداوليات، والسيميائيّات، أشياءُ مستقلة عن النقد الأدبي، اعتقادٌ لا يرقى إلى مستوى اليقين، فالناقد الأدبي الحديث، والمعاصر، يزاول كتابته النقدية في فضاءٍ تتكدَّس فيه مثل هذه التيارات، وتتناسلُ بعضُها من بعض، ولا مندوحة له عن النظر فيها، وإليها، والأخْذ بها قبولا، أو تفنيداً وردًّا، وإلا عُد من النقد القديم الذي لا يُؤبهُ له، ولا يُطمأنُّ إليْه.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات