عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Nov-2016

وثائق بريطانية عن السنوات الخمس الأولى من عهد الملك حسين* منى سكرية
الحياة اللندنية - 
قد تكون السطور التالية الواردة في رسالة السفير البريطاني في عمّان تشارلز جونستون العام 1957، الأكثر تعبيراً عن التحولات التي تصيب الدول، ومصائر العلاقات بينها. والسطور جزء من واحدة من سلسلة مراسلات - وثائق في الكتاب الصادر حديثاً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بعنوان «الأردن في الوثائق السرّية البريطانية- 1953- 1957- السنوات الخمس الأولى من عهد الملك حسين» للكاتب الصحافي الزميل ماهر عثمان. وفي رسالة جونستون هذه: «إن من المُخيّب للأمل أن بلداً أُوجد تحت رعاية بريطانية، وبُني لمدة طويلة في ظل تقاليدنا، يُرغم الآن على السعي إلى الخلاص باللجوء إلى ذلك النوع الخاص من الأبوية السلطوية، ومع ذلك، فإني أعتقد أن علينا أن نأخذ الحقائق والعرب، كما نجدها ونجدهم. بتعبير فظ، إنني أزعم أن نظاماً سلطوياً يحافظ على الاستقرار والصلة بالغرب، يناسب مصلحتنا أفضل مما تناسبها ديموقراطية غير مفيدة تندفع إلى أسفل نحو الشيوعية والفوضى» (ص 428-429). إنها جزء من رسالة بعث بها السفير البريطاني في العاصمة الأردنية عمان إلى وزير خارجية بلاده سلوين لويد في 3- 7- 1957، محفوظة في الأرشيف البريطاني.
 
التوضيحات التي أوردها عثمان في كتابه، لا بد أن تجذب انتباه القارئ أو المعني، ومنها قوله أن «الغالبية الساحقة من وجهات النظر المتعلقة بشؤون الأردن في تلك السنوات (1953- 1957)، والتقديرات بخصوص حاضره آنذاك، ومستقبله بعد تلك الفترة هي من منظور بريطاني»، مضيفاً أن الوثائق التي سُمح بنشرها بعد مرور خمسين عاماً قد نُسخت منها فقرات وسطور مطموسة بالحبر الأسود، بمعنى أنه تم تصوير الوثيقة الأصلية، ثم وُضع الحبر الأسود على الصورة المنسوخة عنها، «لأنه تقرر إبقاء الأصل محفوظاً طي الكتمان» (ص12). ربما في المثلين الواردين ما يضعف الحكاية الكاملة لتاريخ تلك الفترة، لأنه لا يعوّض فيها قول المؤلف «أنها وثائق تبث دفء الحياة في شخصيات الرواية، أي أولئك القياديين الذي وجّهوا دفة الحكم في الأردن في تلك الفترة»، لأن المطموس بالحبر الأسود برأينا، بقي مكتوباً بالحبر السري.
 
لكن، هذا لا يمنع ملاحظة الجهد الذي قام به عثمان وتوخيه الدقة وأمانة النقل، من خلال شروحات ذكرها للتفريق بين ما هو من تحليلاته وتعليقاته على تلك الوثائق، وبين ما هو منقول عنها، ومحاولاته لملمة ما أمكن من الوثائق ذات الصلة، وليس لمجرد إدراجها كما هي.
 
وباختياره تلك المراسلات- الوثائق، يكشف عن خصوصية الطابع الأردني لتلك السنوات، حين كانت خصوصيات شديدة الالتصاق بتاريخ سنوات المنطقة العربية المتقلبة يومها على جمر الأفول الاستعماري البريطاني، وزحف الاستعمار الأميركي المقنّع، وما شهدته من تدشين الرئيس دوايت أيزنهاور عبور الولايات المتحدة الأميركية إلى منطقتنا.
 
يتسم الكتاب بالخصوصية الأردنية، ما يوفر للمتابع مادة غنية (بما ورد فيها وليس بما غاب عنها) لأي باحث. وقد أطلعتنا على مرحلة من العمل الحزبي والتنافس البرامجي بين تلك الأحزاب، وحضور بعضها (المُستغرب) كالحزب الشيوعي على الساحة الأردنية.
 
في السنة التي تم تتويج الحسين بن طلال ملكاً على الأردن (2/5/53)، «ارتكبت اسرائيل اعتداءات همجية متكررة على القرى القريبة من الحدود مع الأردن» (ص27)، و «كانت مصر تفاوض بريطانيا على جلاء قواتها عن أراضيها التي كانت غزتها واحتلتها سنة 1882»، و «كان وزير خارجية أميركا جون فوستر دالاس في زيارة للأردن من ضمن جولته الشاملة على الشرق الأوسط»، وسبق ذلك، إصدار (العام 1950) «بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة إعلاناً ثلاثياً وأساسه ضمان أمن إسرائيل التي فرضها الغرب على المنطقة بالقوة» (ص29). إنها بعض من عناوين سياسية رسمت خطوط تلك الفترة، وما آلت إليه، وهو ما يورده المؤلف تباعاً، رافداً القارئ بالقدرة على استنباط خلفياتها.
 
من تلك الأحداث: مجزرة قبية التي ارتكبها أرييل شارون العام 1953، والتساؤل عن جدية الموقف البريطاني بمنع إسرائيل من اعتداءاتها، «فكان الأردن بين عدو إسرائيلي شرس، وحليف بريطاني يصدر تأكيدات لفظية» (ص69)، والضغوط الهائلة على الأردن مارستها بريطانيا لحمله على الانضمام إلى حلف بغداد في ظل رفض مصري- سعودي للحلف المذكور، ومن الرأي العام الأردني أيضاً، إلى قرار الملك حسين بترحيل الجنرال غلوب باشا قائد الجيش العربي في الأردن، معدداً الأسباب، وإن لم تكن بمستوى خطورة «أن غلوب كان رمزاً كبيراً من رموز النفوذ البريطاني، لا في الأردن وحسب وإنما في الشرق الأوسط عموماً» (ص268)، (يروي الملك عبدالله الثاني في كتاب مذكراته الصادر عن دار الساقي بعنوان فرصة السلام الأخيرة، عن الشكوك والكره الذي كان يكنّهُ جده الملك عبدالله الأول لغلوب باشا)، ولأن إحدى برقيات السفير البريطاني الذي التقى الملك حسين بعد طرد غلوب باشا تقول: «كان (يقصد الملك حسين) متحدثاً بصراحة، وكثيراً ما اغرورقت عيناه بالدموع (ص288)، ناهيك عن نمو تيار القومية العربية وصعود زعامة عبد الناصر وتأثير هذا الأمر في الشارع الأردني وخصوصاً تفاعله ضد العدوان الثلاثي على مصر العام 1956.
 
ويشير المؤلف إلى أسباب أربعة جعلت من العام 1957 مهماً في تاريخ الأردن، ومنها إخفاق بريطاني بضم الأردن إلى حلف بغداد، وإنهاء خدمات غلوب باشا، وتأثير العدوان الثلاثي على مصر، وإجراء انتخابات حرة للمرة الأولى في تاريخ الأردن العام 1956 بمشاركة الأحزاب السياسية الوسطية واليسارية، ومطالبة حكومة سليمان النابلسي التي تشكّلت بعدها بإنهاء المعاهدة الأردنية- البريطانية، وكان ذلك من مؤشرات بدايات التغلغل الأميركي إلى المنطقة، كما أن «حكومة الولايات المتحدة بدأت في تلك الفترة الفارقة في تاريخ الأردن إيلاء اهتمام واضح بتطورات الأمور في ذلك البلد»(ص412)... ( كتاب دونالد نيف بعنوان «عاصفة على السويس» يشرح بالتفاصيل تلك الفترة وظروفها- مترجم أصدرته الهيئة العامة المصرية للثقافة)، تبعها «إعلان الأحكام العرفية وحل الأحزاب السياسية» بقرار من حكومة إبراهيم هاشم، واتهام الملك حسين الأحزاب «بإغراق البلاد في الفوضى»، خصوصاً إشارته إلى الحزب الشيوعي غير المرخّص، فكانت محاولة الملك حسين تثبيت نفوذه، ومواكبة التحولات، لأن هذه الإجراءات تتفق «مع ما قاله الملك حسين للأميركيين عبر قنوات استخبارات بأنه سيعلن الأحكام العرفية في الضفة الغربية ويجمد الدستور» (ص415).
 
ثمة ملاحظات يمكن قارئ تلك السنوات الخمس من بداية عهد الملك حسين، أن يقاربها من خلال استنتاجه أن الدهاء البريطاني حاول جذب الأردن لمصلحته، ومارس سفراء بريطانيا نفوذهم في كل صغيرة وكبيرة، فكانت اللقاءات مع الملك شبه يومية وفي الليل كما في النهار، وفي تشكيل الحكومات أو إقالتها، وهي الملاحظة الثانية التي يستنتجها القارئ وتتعلق بسرعة تشكيل وإقالة الحكومات في الأردن، وأيضاً في «تبرُّع» مسؤولين كبار إطلاع السفير البريطاني على كواليس القصر، والقول إن «الإخوان المسلمين ما زالوا أوفياء للملك، وإن رفضهم نظرية أيزنهاور لم يُعلن إلا لاكتساب شعبية ولا يمثل وجهة نظرهم الحقيقية (ص394)، إلى وقوع دول مثل الأردن، ولبنان طبعاً، وربما غالبية الدول الضعيفة تحت براثن الصراعات الدولية، والتي غالباً ما تختبرها كساحات دموية، بحجج نشر الديموقراطية وحقوق الإنسان.
 
 
 
 
 
* صحافية لبنانية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات