عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    03-Feb-2018

«سوشال ميديا» ... لكشف المستور لا الإعلام العام

 الحياة-أحمد مغربي:لم تعد سحراً آسراً ولا مارداً متفلتاً لا تضارَع قوّته. الأرجح أن ما تعيشه مواقع التواصل الاجتماعي حالياً هو إحدى لحظات الحقيقة التي تكون أشياؤها متناقضة ومتمازجة، ككل شيء عميق في حياة البشر. إنها لحظة تحوّل في الـ «سوشال ميديا»، لكنها ترتسم بخطوط متضاربة تماماً.

 
تحقق مواقع التواصل الاجتماعي نجاحاً هائلاً في كونها فضاءً إنسانيّاً يكشف بالصوت والصورة المسكوت عنه والمكبوت والمقموع والمشتهى سراً وعلناً، وربما للمرّة الأولى في تاريخ البشر مع الكتابة والتدوين. وعلى النقيض، ترتسم صورة مُرّة المذاق عن فشلها، المُعلَن على لسان صانعيها، في التحوّل إعلاماً عاماً.
 
وتتشابك تلك الخيوط المتضاربة، ويتوالى فيض صورها، في مشهد كبير الدلالة. هناك قراءة في حفل جوائز «غرامي»، من كتاب ورق صنعه صحافي تقليدي بأسلوب صحافة الورق، نجح في هزّ أميركا، الأكثر اعتماداً عالمياً على الانترنت، بل أصاب عصباً مكشوفاً في إدارة الرئيس «المُغرّد الأول» دونالد ترامب. وفي مسار متناقض، بدا الإعلام العام التقليدي مهزوماً لحظة وصول ترامب إلى الرئاسة، لكنها هزيمة لم تدُم. وبعد صمود أمام «الترامبيّة»، استعادت وسائل الإعلام التقليدية قوّتها، بل صار شباب الغرب لا يثقون إعلاميّاً بشبكات التواصل الاجتماعي.
 
في السياق ذاته، أتى إعلان مارك زوكربرغ، مؤسّس «فايسبوك» انسحابه من الإعلام العام، معترفاً بفشل الموقع في «فصل القمح عن الزؤان» في التعامل مع المراكز الوازنة في الإعلام التقليدي. وأرفق زوكربرغ ذلك التراجع الكبير بإعلان عودة «فايسبوك» إلى مهمّته الأولى كمساحة للتواصل وللتبادل المرئي- المسموع للأحاديث والدردشات والتعليقات والإشاعات وغيرها.
 
عاد ذلك الموقع الشبكي إلى دور مميز تاريخيّاً في كونه مقهى افتراضياً تفاعليّاً لجمهور يفوق بليوني شخص. ولم يكن ذلك الفشل المُعلَن سوى تتمة لمسلسل من انسداد الأفق أمام تحوّل «فايسبوك» إعلاماً عاماً، كفشل تجربة التصدي لأخبار كاذبة عبر وضع «علم أحمر»، وتوضّح أنّ عدم قدرته على «تمييز الإعلام من الإعلان»، كان عنصراً أساسيّاً في تسهيل سعي مجموعات يفترض أنّها ممولّة روسيّاً، إلى التلاعب بالرأي العام الأميركي أثناء الانتخابات الرئاسية في 2016، وفشله في وقف المحتوى المتطرف والإرهابي وغيرها.
 
في المقابل، أعطت شوارع بيروت مثلاً آخر من فيض يتلاحق على مدار الساعة، على كون الـ «سوشال ميديا» مساراً سهلاً للانتشار الذريع لما يسمّى إشاعات، لكنها ليست سوى قمة جبل الجليد لكل ما هو مسكوت عنه (وفق تعبير الفيلسوف المعاصر جورجيو آغامبين)، وما سمّاه سيغموند فرويد اللاوعي، ووصفه كارل يونغ باللاوعي الجماعي. شهدت شوارع بيروت مرّة اخرى انفلات المارد الحقيقي للـ «سوشال ميديا»، بعضلات يكوّنها كل ما يتدفق على الشاشات الرقمية من أشياء الجنس وهواماته، والغرائبيّات بأنواعها، والهويّة الفردية والعامة وحضوراتها وصراعاتها وما إليها. وبفضل كاميرا الخليوي (إحدى الوسائل المميزة لـ «سوشال ميديا»)، انتشر شريط لوزير خارجية لبنان جبران باسيل يصف فيه رئيس مجلس النواب نبيه بري بأوصاف مُهينَة. ولأن باسيل يترأس «التيار الوطني الحر» وصهر لرئيس الجمهوريّة ميشال عون، أفضى الشريط إلى تحرّك هويّات مذهبيّة وطائفيّة كانت مكنوناتها مسكوتاً عنها، وتصادمت إلى حدّ مقلق وطنيّاً.
 
لم يكن تقلقل أركان المجتمع الفعلي لبنانيّاً تحت تأثير الـ «سوشال ميديا»، سوى مظهر بسيط من مسارها حاضراً، بوصفها الأداة التي لا تضارع في التواصل بين البشر من جهة، وتجربة فاشلة بقسوة في التحوّل إعلاماً عاماً. كيف تتطوّر العلاقة بين المقلبين المتناقضين المتعايشين في قلب فضاء التواصل الاجتماعي؟ ننتظر لنرى.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات