عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Jun-2017

نقاش حول عملية القدس* ماجد كيالي

الحياة-لم تعد الفصائل الفلسطينية تتعامل مع قضايا العمل الوطني بطريقة مسؤولة، إزاء شعبها، وحتى إزاء مراجعة تجربتها والاستفادة منها، وفقاً لمكانتها المفترضة في الإدارة والقيادة، إذ بات التسرّع والتوظيف الاستهلاكي والعاطفي من سماتها، لا سيما أنها لم تخضع لمساءلة شعبية، طوال نصف قرن من عمرها، ولا توجد إطارات تمثيلية تخضعها لذلك، مع افتقاد الفلسطينيين الوحدة المجتمعية والعيش في إقليم متعيّن، وخضوعهم لسلطات متعددة ومختلفة. يتجلى ذلك، أيضاً، في ضعف إدراكها الفجوة بينها وبين مجتمعات الفلسطينيين، في الداخل والخارج، وتآكل بناها، وتخبّط خطاباتها، وإخفاق خياراتها، وتراجع دورها في الصراع ضد إسرائيل، في مختلف الأشكال، وتحولها إلى نوع من حالة سلطوية، تحت الاحتلال، أو حيث أمكن في مخيمات اللاجئين في الخارج.
 
هكذا ما زالت غالبية الفصائل تعيش على شعارات أو توهمات التحرير والكفاح المسلح، أو التسوية والدولة المستقلة، ومقولات «شعب الجبارين» و»سنزلزل الأرض تحت أقدامهم» و»القضية المركزية»، في حين لا تكاد تستطيع شيئاً يذكر في ذلك، كما لم تعد تملك حتى الجرأة السياسية والأخلاقية، على مصارحة شعبها بفوات دورها، والأطروحات التي عاشت عليها، بعدما بات استمرار وجودها هو الأساس وليس تمثيلها قضايا شعبها، أو سعيها الى تطوير كياناته وتعبيراته.
 
يمكن ملاحظة ذلك، مثلاً، في دأب بعض الفصائل على الحديث عن انتفاضة ثالثة لم تأت، منذ سنوات، بل إن الفلسطينيين في ظل أوضاعهم وخيبات أملهم من البنى الفصائلية السائدة، وانهيار البيئة العربية الحاضنة، باتوا أكثر تردداً في خوض تجربة أخرى، لا سيما في هذه الظروف غير المواتية فلسطينياً وعربياً ودولياً، ما يعني أن الفصائل كانت تستدعي شيئاً تتمنّاه لتغطية عجزها وإضفاء تبرير لاستمرارها. حدث ذلك، أيضاً، في تكرار الحديث عن موجة انتفاضية تتأسّس على الطعن بالسكاكين أو الدهس بالسيارات (منذ أواخر 2015)، فيما هكذا عمليات عفوية، تصدر كردّات فعل، دليل ليس على عجز الفصائل واستهلاكها لدورها، وإنما حتى افتقادها القدرة على ترشيد كفاح شعبها وتنظيمه، وتقديم النموذج الأجدى في مواجهة إسرائيل.
 
والحال، فإن مسارعة «الجبهة الشعبية» و»حماس» الى تبني عملية القدس (حتى «داعش» تبنّاها!)، التي أدت إلى مصرع جندية إسرائيلية وثلاثة شبان فلسطينيين، من قرية دير أبو مشعل قرب رام الله (منتصف هذا الشهر)، لم تكن في محلها. فهو سلوك غير موفق، أو انتهازي. ومعلوم أن أهالي الفتيان المعنيين أكدوا عدم انتماء أبنائهم الى أي تنظيم، ثم إن أعمار هؤلاء الفتيان (18 سنة) تشكل إدانة لأي فصيل يحلو له استخدام من هم في سنهم، لا سيما أن الحديث لا يدور عن مظاهرات واعتصامات ورمي حجارة، مع التأكيد أن فتياناً في مثل هذا العمر ليست لديهم القدرة على التفكير بطريقة سليمة، ما يعني أن عواطفهم أو إحباطاتهم تؤثر في مواقفهم أو ردّات فعلهم. القصد أننا في هكذا عمليات ينبغي أن نميّز بين الأعمال الفردية، التي تأتي كردّات فعل طبيعية على سياسات الاحتلال الاستعمارية والعنصرية والقهرية والعنفية، من شبان يعتقدون أن هذا هو الطريق للثأر من الاحتلال، أو لإضعافه، وبين الفصائل أو القيادات التي تتنطّح لتبني أي عملية لمجرد إصدار بيانات، وادعاء مقاومات، في حين هي تفتقد عملياً القدرة على المقاومة، أو على تأطير شعبها وإدارة كفاحه بأفضل وأقوم وأجدى السبل، بخاصة بعد تجربة مريرة ومكلفة امتدت أكثر من خمسة عقود.
 
معلوم أن العمليات التفجيرية التي حدثت إبان الانتفاضة الثانية (2000ـ2004)، مثلاً، وكبدت إسرائيل خسائر بشرية فادحة، أدت إلى معاودة إسرائيل احتلال الضفة، والقضاء على بنى المقاومة، وتقييد دخول الفلسطينيين إلى القدس، وبناء جدار الفصل العنصري، وإقامة الحواجز، ونشر المستوطنات، لقطع أوصال الأراضي الفلسطينية، مع وضع مليوني فلسطيني تحت الحصار في غزة، أي أن كلفة تلك العمليات كانت أكبر من العوائد المتأتية منها، إذ أضعفت المجتمع الفلسطيني، وأودت بقدرته على المقاومة الشعبية، على النحو الذي حصل إبان الانتفاضة الأولى. وباختصار، فهكذا عمليات أفضت ليس إلى القضاء على المقاومة المسلحة، في كل أشكالها، وإنما إلى القضاء أيضاً حتى على أشكال المقاومة الشعبية، ما وضعنا أمام عمليات طعن بالسكين أو دهس بسيارة بين فترة وأخرى. وعدا كل هذه الاعتبارات في معادلات الصراع بين الطرفين (إسرائيل والفلسطينيين)، ثمة سؤال يطرح نفسه، مفاده: هل البيئة العربية والدولية، اليوم، تمكّن الفلسطينيين من استثمار أي عملية من هذا النوع، أم أن إسرائيل هي التي ستتمكن من استغلالها لتكريس سياساتها إزاءهم وإضعاف مجتمعهم؟
 
على ذلك، ربما كان الأصوب لتلك الفصائل أن تدرك أن العمليات الفردية والعفوية تأتي، أيضاً، نتيجة عقم قدرتها على ابتداع أشكال كفاحية تناسب أوضاع شعبها وإمكاناته، وكمحاولة لملء فراغ ناجم عن أفول مكانتها ودورها، بعد أن لم يعد لديها ما تفعله أو تضيفه، بعد كل هذه التجربة، سوى الاستمرار في الوجود، ومواصلة العمل في الطريقة ذاتها التي تعودت عليها، مع أنها لم توصل إلى شيء، باستثناء تحول الحركة الوطنية إلى سلطة تحت سلطة الاحتلال، وانقسام الكيان الفلسطيني، وضياع منظمة التحرير، وافتقاد الفلسطينيين في تجمعاتهم كافة كياناً سياسياً جامعاً يعبر عنهم ويدير أحوالهم.
 
طبعاً لا بد من التأكيد هنا، أن إسرائيل الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية والمصطنعة هي المسؤولة عن كل ما يحصل للفلسطينيين، فهي التي تتسبّب بتفاقم مشاعر الإحباط وانسداد الأفق وانعدام الأمل وتفاقم الغضب عندهم، كما بردود الفعل التي تترتب على ذلك كله، بانتهاجها سياسات الحرمان من الحقوق ومصادرة الأراضي ونشر المستوطنات وإقامة جدران الفصل العنصري والمساعي الحثيثة الى تهويد القدس وانتهاك المقدسات، وتضييق سبل العيش وامتهان الكرامة، وهي أمور يمكن ملاحظتها يومياً، وفي كل مكان في الأراضي المحتلة، وفي غالبية المناطق التي يوجد فيه تجمع فلسطيني.
 
أخيراً، بيانات «حماس» و»الشعبية» اعتبرت العملية بطولية، وكجزء من عمليات المقاومة الشعبية، وجددتا العهد على الاستمرار على هذا الدرب، فهكذا تجري الأمور منذ زمن، وهذه هي الخطابات المعتادة، لا سيما أن لا أحد يتحمل المسؤولية، ولا أحد يقوم بمراجعة هذه الطريق، فهكذا ستحرر هذه الفصائل فلسطين!

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات