عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Mar-2017

«نجمة الصباح» للزهرة رميج وحقيقة الإبداع في القصة القصيرة

الدستور-د. إبراهيم خليل 
 
من الملاحظات التي ينبغي التذكير بها عند الحديث عن القصة القصيرة ، أنها- على الرغم من تسميتها تلك- ليست بالقصيرة فعلا، فإذا كان عدد الكلمات، أو العبارات، أو الفقرات، التي تتألف منها قليلا، غير كثير، فإنه يمتد بحدوده ليستوعب زمنا طويلا في معظم الأحيان، وليس الأمر مثلما يظن بعض الكتاب، ممن ابتدعوا شكلا هجينا سموه القصة القصيرة جدًا، أو القصة الومضة، أو القصة المكثفة، أو القصة التوقيع؛ فهي بحدودها المتخيلة تستطيع معالجة موضوع، والتركيز على جوانب متعددة منه، في أداء لا يتجاوز الوصف بالقِصَر.
 في انتظار غودو
ففي القصة الأولى من مجموعة الكاتبة المغربية الزهرة رميج «نجمة  الصباح» تضعنا  المؤلفة في بداية القصة في موقف تعود به البطلة إلى الوراء زمنا طويلا تتذكر فيه أخر ما نطق به الحبيب، وهو يهمُّ بالسفر « ما أصعب الفراق! « وما قالته ردًا على هذه الكلمة « المسافات تفرّق والقلوب تجمع».
ولكن حوارا ينبثق فجأة من ذلك الموقف جرى بينها وبين صديقة لها شاركتها تلك اللحظة، وهي على دراية بحكاية العشق التي تجمع بين الاثنين، وبالظروف العائلية التي تحول دون أن تنتهي هذه الحكاية بالنهاية السعيدة المنتظرة: الزواج أو الخطوبة، على الأقل، فتقول لها: « ألا تخشين فتور الحبّ بعد أن يصبح كل منكما بعيدا عن الآخر؟ فالبعيد عن العين بعيدٌ عن القلب « فتجيب بطلة القصة قائلة إنها لا تخشى ذلك. وهذه قد تكون إشارة للاطمئنان من جهة، وتحذيرا يسوقنا لتوقع آخر، وهو أن لا يكون هذا الاطمئنان أكثر من سراب.
وهذا كله لا يزعج بطلة الحكاية، لا سيما وهي تتلقى في الزمن الذي تتم فيه كتابة الحكاية، رسالة من الحبيب المسافر يخبرها فيه بعودته القريبة، فتحاول أن تبحث عن هدية تقدمها له بمناسبة هذه العودة، والخيارات كثيرة، وكل خيار ينفي غيره. وأخيرا تختار علبة جلدية أنيقة مبطنة بالحرير الأحمر تحتوي على موسى للحلاقة، وفرشاة، مذهَّبتيْن، وقارورة عطر فاخر ذات شكل مميز، وأنيق. (ص9)
يحتاجُ البحث عن الهدية، وردود أفعال البطلة إزاء الخيارات، وقتا طويلا يضافُ إلى ذلك الذي استرجعت فيه تفاصيل حكاية عشقها العذري. ويعيدها الأمل باستئناف اللقاءات بالحبيب لأجواء الخلافات العائلية التي تحول دون خطوبتهما، فتتذكر موقف أبيها المتشدِّد الذي يريدها زوجة لابن عمها، الذي عاشت، وترعرعت، معه في كنف واحد، وما تزال تأمل أن يقتنع عمُّها برأيها، فقد عاش معظم سنوات عمره في باريس، ولا شك في أنه منفتح على فكرة اختيار الفتاة للشخص الذي ترغب في الاقتران به.
وبصرف النظر عن رضا الأب، أو قبول العم بهذه الفكرة، فإن البطلة تقرر تنفيذ رغبتها بالزواج من الشخص الذي تحبّ إذا استطاع إقناع والديه. وهذا الجزء من الحدث يعود بنا أيضا إلى زمن سابق يطرد فيه الحوار بين الفتاة والشاب الذي يخشى فقدانها، وهي تطمئنه بإصرار « أخبرت أمي أن زواجي من الرجل الذي يرغبان فيه أمرٌ مستحيل، وأن ثروته، ومكانته، وعملهُ، أمورٌ لا تهمُّني « (ص10)
والحوار المطرد بين العاشقين كان قد جرى في الماضي، ويقدم في القصة، ويستعادُ، في هيئة مونولوج داخلي، كما لو أنه يجري في زمن كتابة القصة. والقارئُ، في هذه الحال، يتحرك في اتجاهين: اتجاه نحو الماضي، الذي يمتد لبضع سنين، واتجاه نحو الحاضر، الذي ينتظر عودة العاشق المسافر، وتقديم الهدية المنتقاة له لمناسبة العودة. وهذا كله لا يعدو كونه تداعياتٍ تنثالُ على وعي البطلة، وهي تبحث عن الهدية. وتنتقيها، وتشتريها، وتغلفها بالورق الأنيق الملون، وتعود في طريقها إلى المنزل، ليحدث أمرٌ جديد طارئ يؤدي لانقلاب في مجريات القصة، فقبل الدخول في مبنى العمارة التي تقيم فيها ألقت نظرةً في صندوق البريد، فوجدت رسالة أخرى منه « إنها منه، فهذا خطُّهُ !» وتهرع في فرح غامر لتقرأ الرسالة، ولكن الرسالة الجديدة تحمل إليها خبراً مفجعًا تترتب عليه تحولاتٌ أساسها الانتقال مِن شعور منْ ترقبُ عودة المحب، إلى شيء غير قليل من الإحباط، فقد اعتذر عن العودة في مناشدة باسم الحب الذي جمع بينهما سنوات كي تصفح عنه، وتغفر له هذا النُكران.(ص11)
تعود بنا قراءة الرسالة إلى الماضي أيضًا « تذكرتْ ذلك اليوم الذي وضعت فيه حدًا لضغوط العائلة،» صدت إحدى النساء اللائي جئن يخطبنها « اسمعي سيدتي. أنا لا أفكر بالزواج حاليًا، لست مستعدة لتحمل مسؤوليته، فابحثي لابنك عن أخرى» (ص12) أما الهدية التي ظلت تنتظر، فقد أصْبَحت مع الأيام مثل كتاب قديم لمؤلفٍ حكيم تستلهم منه العظة، والعبرة، التي تساعدها على مواجهة دروب الحياة الشائكة.
ومن يعد قراءة القصة، متجاوزًا لحظات التشويق، يلاحظ ما يأتي:
1.معالجة الكاتبة لموضوع مكتمل: حبٌ، فحرص على الزواج، فعراقيل تنهض في وجه الشابين، فسفر أحدهما وبقاء الآخر على العهد ينتظر، فوعد بالعودة، فتخل عنها، وإحباط تصاب به الفتاة.
2.حوارات مطردة:مع العاشق، مع صديقة، ومع السيدة التي جاءت لخطبة الفتاة، وأخيرا حوار الأم- أم الفتاة- مع تلك السيدة.
3.جولات متكررة في الأسواق بحثًا عن هدية تليق بالعائد المحبوب،تكرار الاختيارات، والعدول عنها إلى أن يقع الاختيار على الهدية.
4.رسالة تحمل في كلماتها تحولا في مجريات القصة.
5.إشارات لأمكنة متعددة في مقدمتها الأسواق، والمحطة، والعمارة.
6.خلاصة تنتهي بها، وإليها، القصة.
فمثل هذه الأركان، التي تقوم عليها قصة(الهدية) للزهرة رميج، تؤكد أنها ليست قصيرة في الحقيقة، وأن تسمية هذا اللون الأدبي بالقصة القصيرة، تسمية لا علاقة لها بطول النص، أو قِصَره، وإنما هي قصيرة لأنها تعالج موقفا واحداً يتشكل منه موضوع (مضمون) ذو أهمية قصوى في حياة إحدى الشخصيات الرئيسة، وهي- ها هنا - الفتاة التي انتظرت طويلا، واشترت هديةً، لتصابَ في الخاتمة بخيبة أمل لا تقل مرارة عن خيبة الصديقين اللذين ينتظران غودو طويلا دون أن يأتي في مسرحية صموئيل بيكت المعروفة « في انتظار غودو «. وبكلمة أوجز، وأدق، تؤكد قصة الزهرة رميج أنها ليست قصيرة، وأن التسمية لا علاقة لها بالحجْم، وإنما هي قصيرة تمييزًا لها عن الرواية التي تقوم على أركان أكثر اتساعًا، وتعدُّدا، وتشابكًا، مما يحتاج إلى مزيد من الأعباء الكتابية التي لا تواجه كاتب هذا اللون من القصص. ففي القصة- مثلما يُلاحظ القارئ- صراعٌ حادٌ بين فضيلة الوفاء في الحبّ، ورذيلة التخلّي عنه، فعلى الرغم من أن الفتاة ضحَّت بالكثير، عندما رفضت جل الذين تقدموا لها خاطبين، إلا أن العاشق- الرجل – تخلى عن عهده الذي وعد أن يفي به، وأن يذلل ما يعترض حبهما من عقبات، وأن يتزوجا فور العودة من سفره، حتى وإن تعارضَ ذلك مع مشيئة الأبوين.. تخلى عن ذلك ببساطة دون أن يرفَّ له جفن.
وهذا كله، أو بعضه- على الأقل – يفتح أعيننا باتساعها على حقيقة مؤداها أن القصة القصيرة فنٌ إبداعيٌّ لا يقاس بحجم، ولا يقاس بما يُشبه الحجم، ولهذا كانت قصة « الشيخ والبحر « لهمنجوي Hemingway قصة قصيرة مع أنها تقع في صفحات كثيرة، تناهز المئة. فهي فنٌ ذو بناءٍ سَلِس، ومَرنٍ، يتسع لما لا يتسع له أي قالبٌ قصصي يكتَبُ، وينشر، تحت مسمَّيات أخرى؛ كالومضة، أو المكثفة، أو التوقيع، فالقصر، والومض، والتكثيف، أمور لا علاقة لها بالحجْم، وإنما يُعنى بها – في الحدود التي يَسْمح بها المعجم اللغوي- خلوُّ القصة من الاستطراد، والحشو، والإسراف في الوصف، و الإكثار من المتواليات السردية، كي لا يختفي الانطباع الناتج عن العقدة خلف التفاصيل الزائدة التي تجعل منها قصَّة مملة، تثير سأم القارئ.
 وحدة النهج
وغنيٌّ عن القول أنَّ قصة (الهدية)التي سبق الوقوف لديها، قصة ترتكز على محور أساسي، هو خيبة الأمل، التي منيت بها المحبة المنتظرة، وقد استوفت الكاتبة على لسان الراوي العليم جوانب هذه الحكاية، مستدعية الذكريات، التي تحيل الزمن فيها إلى زمن متشظٍ، غير متسلسل، ولا مطَّرد. وهذا التوجُّه يغلب على قصة أخرى أيضًا هي قصة (تكريم) (ص21) إلا أن الفرق هو التركيز بقوة على الشخصية(سي عمروش) بدلا من التركيز على حكاية التكريم. فما إن ينتهي حفل التكريم، وينتهي القارئ من قراءة القصة، حتى نكون قد وقفنا على الكثير الجمّ من ملامح هذا الإنسان (المقاوم) الذي يشاطر بطلة (الهدية) محنة الانتظار، وسوءَ المآلات.
ومع أن الزهرة رميج تستهل قصتها بخبر يعيد لسي عمروش شعورهُ بالثقة المهزوزة، خبر يفيده أنَّ جمعية قدماء المقاومين، قررت- أخيرًا- وبعد انتظار طال أمده، وصبر نافدٍ لم يتناهَ مدَدُه، إقامة حفل تكريم له على ما قدمه من أزجال، وما خاضه من كفاح و نضال، في إشارة تعدُّ حافزا يستثير فضول المتلقي، الذي له هو الآخر حضوره في فضاء النص، فعلى أي شيء يكرَّم سي عمروش، الذي هو الآن مصابٌ بالشلل النصفي، ولا يتنقل إلا بوساطة كرسي خاص بالمقعدين؟ الجواب بالطبع آتٍ على هيئة الذكريات التي تقتحم حاضر الشخصية القصَصيَّة، فهو يتذكر الآن يوم ألف أول قصيدة(زجل) تصدى فيها بحماسة ثورية للظهير البربري (16 /5/ 1930) الذي أصدره الاستعمار الفرنسي لتفريق الصفوف، وتقسيم الشعب المغربي على اثنين، بدلا من البقاء شعبًا واحداً، وصفًا واحدًا. وقد أصبحت تلك القصيدة نشيدًا ذائعا يردِّدُه المقاومون في أنحاء المغرب عرضًا وطولا. مما شجَّعه على نظم أزجال أخرى مقاومة، وعلى الانخراط في المقاومة المسلحة، على الرغم من أن لأزجاله تأثيرًا أقوى من تأثير البنادق. يتذكر هذا كله، ويتذكر أنه بُعَيْد الاستقلال لم يظفر بما ظفر به آخرون من الامتيازات « بعد الاستقلال حصل رجال المقاومة وأبناء الشهداء على الكثير من الامتيازات، إلا هو « وكلما ألحَّ عليه معارفه بضرورة أنْ يطالب ببعض ما له من حقوق، كغيره من رجالات المقاومة، ألحَّ في الجواب « لم أقم إلا بواجبي تجاه وطني، لم أكنْ – في يوم ما – أنتظرُ مقابلا لوطنيتي « (ص23)  ومثلما يقول المثل: ما خاب من انتظر. فقد آن الأوان لترد جمعية قدماء المقاومين بعض ما لسي عمروش من ديْن. صحيح أنه لم يستشهد في المعارك، ولا زُجَّ  به في واحد من المعتقلات، لكنه مع ذلك يمكن أن يكون ضيفاً في حفل تكريم على الهامش. فعندما حلَّ اليوم الموعود، وهو يوم السبت، وتم إحضار سي عمروش من منزله على كرسيه المتحرك، كانت القاعة الكبيرة شبه خالية، أو خالية تمامًا إلا منه، ومن أبنائه، وثلاثة متحدثين. أما الأول، فقد تحدث مطولا عن الجمعية، وأما الثاني، فقد ألقى محاضرة ليست أقصر من محاضرة السابق عن الزجل، ودوره في مقاومة الحماية الفرنسية الغاشمة، ولم يفته أن يشير إشارة سريعة، وخجولة، للمكرم سي عمروش، ولم يفته أيضًا أن يترحم على روحه الطاهرة، مع أنه ما يزال حيًا وموجودًا في القاعة. وأما الثالثُ والأخير، فقد بادر لتصحيح خطأ المتحدث الثاني، داعيًا لعمروش بالصحة، وطول العمر، ثم اختتم التكريم بهدية متواضعة: بضعة كتب في رزمة مغلفة بورق ملون كالذي تلف به الهدايا المقدمة لطلبة المدارس أمام أنظار كاميرا الفيديو.
وتبعا لهذا فإن سي عمروش نموذج إنساني محبط استطعنا من التفاصيل الصغيرة التي أشارت إليها الكاتبة، سواء عن طريق الراوي العليم، أو عن طريق الحوار، الذي جرت استعادته بين عمروش وغيره من شخوص، أو عبر التداعيات المونولوجية التي امتدتْ بزمن القصة امتدادًا يصل التكريم بالماضي المرصع بالأزجال، وبالمقاومة، وبحماسة الثائر الذي لا يريد ثمنا لوطنيته، ولا مقابلا. وبهذا يغدو عمروش من حيث هو شخصية قصصيَّة نموذجا مختلفًا عن العاشق المسافر في قصة الهدية. وبتنوع الشخصيات في القصص يغتني القارئ بضروب من المعرفة بالنفس البشرية؛ فقد اكتسبنا من قراءتنا لقصة الهدية معرفة بالعاشق الذي ينقضُ وعده، وبالمرأة التي تضحّي بكل شيء مقابل وفائها بما عاهدت عليه الحب.
 الماضي دائمًا
ومثلُ هذين النموذجين لا يُستطاع تصويرهما في قصص مختزلة اختزالا شديدًا في بضع عبارات، أو كلمات. فلكي تعلَق هذه النماذج بذهن القارئ ،وذاكرته، لا بد من تفاصيل تريقُ الأضواء على عالم الشخوص الداخلي. وهذا ما نعثر عليه في قصة أخرى للزهرة، بعنوان « المقصورة المحرمة « فقد فوجئت السيدة التي لا تملك من المال ما يكفي بمقصورة خالية في القطار، على حين راح الركاب يتكدسون في تزاحم عنيف، وخانق، داخل المقاصير الأخرى، فما كان منها إلا أن اختارت ببراءة الساذج البسيط هذه المقصورة، وألقت بكيانها المجهَد في مقعد وثير مريح، وهي تتنفس الصعداء: الله على الراحة! لكنها تكتشف بعيد دقائق أن المكان الذي اختارته خاصٌّ بالأجانب. وأن الأجرة التي تدفع مقابل الجلوس في تلك المقصورة تزيد بمبلغ 21 درهما ونصف الدرهم عن ذلك المبلغ الذي دفعته. وهذا ما طلبه منها مراقب التذاكر، مهددًا بنقلها إلى مقصورة أخرى، إذا لم تبادر لدفع الزيادة. وعلى الرغم من أن ميزانية السيدة لا تكفي، إلا أنها، وبعد تفكير طويل، قررت دفع هذه الزيادة. فعلتْ ذلك لا لأنها تجد الراحة في هذه المقصورة حسب، ولكن لأنها تعيدها إلى ذكرياتِ الماضي، وتمنحها الفرصة لاسترجاع واقعٍ أليم لمْ يعد قائما إلا في الماضي البعيد (ص62) فما هو هذا الماضي؟
يحيطنا الراوي علْمًا بحكاية هذه المرأة ، فرؤية الأجانب يقتحمون المقصورة، وهم يثرثرون بلغة غير لغتها العربية تجعلها تشعرُ بالاستفزاز الذي سرعان ما يتطور إلى تحدٍ. وهو الإحساس الذي ينتابها، ويلازمها، منذ سنوات عديدة عندما استشهد زوجها الشاب في إحدى التظاهرات ضد المستعمرين الفرنسيين. لذا لا ترى في هؤلاء الذين يشاركونها المقصورة إلا أعداءً « رمَّلوها « في « عزِّ شبابها « و» يتَّموا « بذلك أبناءَها الصغار، فكانتْ، وما زالت، تردِّدُ كلما أصابها مكروهٌ، جملتها الشهيرة « صيحة النصارى والعِدْيان « وقد مضى على ذلك زمن غير قصير، تراجعت فيه حدة الأثر الذي تركها فيها استشهاد الزوج، ولكنها الآن، مع رؤية هؤلاء، عادت من جديد، أما مراقب التذاكر، فقد أيقظها من ذلك الاستسلام للماضي، بعد أن طالبها بدفع واحدٍ وعشرين درهمًا ونصف الدرهم، أو الانتقال لمقصورة أخرى، كتلك التي يتكدَّس فيها الركابُ، ويتزاحمون. يذكرها المراقب بالأبناء، وبتكاليفِ العيش، وبابنتها التي ألحت عليها لزيارتها في الرباط. وبابنها الذي لا يملك ما يكفي أسْرته وأمه. وبزوج ابنتها الذي لا يختلفُ وضعه المعيشي عن وضع الابن. فلو كانت تعرف أنَّ اختيارها الجلوس في هذه المقصورة سيذكِّرُها بهذا كله، لاختارت أن تجلس في مقصورة أخرى مع الجالسين. ولكن هذه الهواجس جميعا شيء، ورؤية الزوج الشهيد مضرجًا بدمه ممددًا، تحولُ أصوات الأعيرة النارية دون سماع صوته، وهو يقول لها جوابا عن السؤال: لمن تتركنا؟ لمن؟ قائلا: للغد الجمل (ص62) شيءٌ آخر. ذلك لأن هذا الغد، الذي توقع له الزوج أن يكون جميلا، لم يكن مثلما توقع. الشهيد مضى شهيدًا، والمقصورة تمتلئ بالأجانب، والدراهم الواحد والعشرون تدفع للجابي، فيما يحاول الجسم المتداعي الاسترخاءَ مستريحًا في الأريكة المخملية من عناء يوم شاق.
وواقع الأمر أنَّ هذه السيدة، إذا جُردت من التفاصيل، لا تختلفُ من حيث الجوهر عن بطلة قصة (الهديّة) ولا عن سي عمروش في قصة (تكريم) فنحن أمام شخصيات قصصية يغلب عليها المعاناة من هموم مشتركة أساسها كوابيس الماضي. ولهذا فإن القارئ يتذكر هذه الشخصيات، لسبب بسيط، وهو أن المؤلفة اعتنتْ بها، وبعالمها من جوانب مختلفة، ومتعددة. ولم تكتف بالأسماء، أو بالضمائر، أبطالا للقصص. وإنما هي قصص تروي شيئًا من حاضر الشخصية، وشيئا من ماضيها، وحوارا يجري بينها وبين غيرها من الشخوص، شخصياتٌ تتحدث، وتتذكر، وتتأمل، وترتب الوقائع، ولا تضنُّ علينا بما يشفُّ عما يجيشُ في أعماقها من هواجس، ويصطخب من أحاسيس. ومثل هذا التشخيص يحتاج لصنعة فنية، وبراعة سرديّة تتطلب – علاوة على اللمحات الموجزة- بعض التفاصيل التي تجعل من القصة بناءً له قوامه، ونسيجُه المطرد، وسلاستُه، وحبكتُه التي تظفرُ منَّا بالإعْجاب، ومن ذائقتنا بالتقبُّلِ، والاسْتحْسان.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات