عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Apr-2018

قصة تحذيرية لمنظمي الإعلام

 الغد-أنيا شيفرين

 
كيتو - لا يحتاج فهم التداعيات المحتملة لتشهير الرئيس الأميركي دونالد ترامب الدائم بالصحافة للنظر إلى أبعد من الإكوادور، حيث دأبت حكومة الرئيس السابق رافائيل كوريا على مهاجمة وسائل الإعلام لسنوات. فخلال فترة رئاسته التي امتدت من 2007 إلى 2017، نفذ كوريا مجموعة كبيرة من الإجراءات التي كان هدفها كبت حرية الصحافة. كما اعتاد، شأنه في ذلك شأن ترامب، أن يستخدم الإعلام ككبش فداء لحشد مؤيديه.
تمكن كوريا في 2015 من تمرير تعديل دستوري يعيد تصنيف وسائل الاتصال على أنها خدمة عامة، مثل الماء والكهرباء، مما أعطى الدولة سلطة أكبر للرقابة على التعبير عن الرأي. وباستخدام حجة معلنة هي أن الهدف هو ضمان "تغطية إعلامية متوازنة"، مارس كوريا ضغوطا لإقرار قانون الاتصال الإكوادوري للعام 2013، وسنَّ لوائح إضافية تتيح للحكومة ملاحقة الصحفيين بالغرامات، والاعتذارات العلنية الجبرية، بل وأحكام بالسجن.
وعلى غرار ترامب، كان كوريا يستغل وجوده في برامج تلفزيونية أو إذاعية أحيانا للتشهير بصحفيين بالاسم، كما اعتادت حكومته مقاضاة المؤسسات الإخبارية. وعلى سبيل المثال، رفع كوريا دعوى قضائية للمطالبة بتعويض قدره 80 مليون دولار أميركي ضد صحيفة "إل يونيفيرسو"، وهي واحدة من أكبر الصحف في البلاد. وفي نهاية الأمر، أجبِرَت الصحيفة على دفع 40 مليون دولار مقابل "العفو".
مع تزايد عدم الثقة في المؤسسات الإعلامية وغيرها من المؤسسات بفعل انتشار التضليل عبر الإنترنت، قد يبدو وضع لوائح تنظيمية للسيطرة على بعض أشكال التعبير فكرة جيدة. فلا شك أن منصات توزيع المحتوى الرئيسة مثل "فيسبوك" تحتاج إلى تنظيم أكثر صرامة.
لكننا نجد في بعض الحالات أن القوانين التي سُنت لأجل "الصالح العام" قد تضره في واقع الأمر. وفي نفس الوقت، لا تعطي القوانين المعني بها دعم الصحافة المشروعة سوى هامش حماية ضيق ومحدود عادة في مواجهة أولئك المصممين على التصرف بسوء نية. وقد عاينتُ هذا بنفسي عندما رافقت مجموعة من أعضاء لجنة حماية الصحفيين في رحلة قاموا بها مؤخراً إلى الإكوادور.
من خلال أحاديثي مع صحفيين من الإكوادور، يتضح أن معظم سياسات الرئيس السابق كوريا وأساليبه في انفاذ القانون تجاه الإعلام قد تجاوزت الحدود وأخذت شكل الرقابة الصريحة. فقد فُرضت غرامات على المنافذ الإعلامية التي لم تكن تقدم تغطية واسعة لسياسات الحكومة، وكذلك على المنافذ التي لم تكن تعيد نشر التقارير الصحفية الأجنبية المؤيدة للحكومة أو المنتقدة لرموز المعارضة. بل وصل الأمر إلى إجبار بعض المنافذ الإعلامية في بعض الأحايين على طبع أو بث بيانات مطولة لمسؤولين حكوميين لا تعجبهم طريقة التعامل معهم في الإعلام، على الرغم من مخالفة هذه البيانات لسياسات تلك المنافذ.
تبين تجربة الإكوادور كيف يمكن بسهولة إساءة استخدام القوانين التي تبدو حكيمة على الورق ــ كتلك القوانين التي تضمن للأشخاص الذين تتناولهم القصص الإخبارية "حق الرد". فوفقا لصحفيين من الإكوادور، يرفض مسؤولو الحكومة غالبا التحدث إلى المراسلين لأنهم يدركون أنه في حال ظهور قصة عنهم، يمكنهم ببساطة إجبار المنفذ الإعلامي على نشر بيان طويل بلا أي تغيير أو تحرير من صياغتهم. وعلى الرغم من أحقية المنافذ الإخبارية في الاستئناف في حالات "حق الرد"، فقد يؤدي القيام بذلك إلى دعاوى قضائية مطولة ومكلفة.
بنفس القدر من السهولة، يجري التلاعب بالقوانين التي تخول للمواطن العادي حق الشكوى ضد التقارير الصحفية، فقد جرت العادة أن يجد المسؤولون الحكوميون "مواطنين عاديين" ليرفعوا شكاوى ضد المؤسسات الإعلامية بالنيابة عنهم.
وقد وعد رئيس الإكوادور الحالي، لينين مورينو، بتخفيف القيود التي تفرضها الدولة على وسائل الإعلام. وفي اجتماع عُقد مؤخراً مع لجنة حماية الصحفيين، قال وزير الاتصال الإكوادوري أندريس ميكيلينا إن الحكومة تخطط لإصلاح قانون الاتصال هذا العام. لكن شيئا لم يتغير حتى الآن في بنية ولغة القوانين، حسبما ذكر الصحفيون الذين التقيناهم.
وبصفة عامة، تستولي النخبة في الغالب على إعلام أميركا اللاتينية، حيث يسيطر عليه الملاك الأثرياء الذين تعبر طريقة نقل الأخبار عن مصالحهم. ولهذا السبب تعهد كثير من السياسيين اليساريين الذين وصلوا إلى السلطة في العقدين الأخيرين بأن يجعلوا الإعلام أكثر تمثيلا للجماعات التي لا صوت لها والجماعات المهمشة.
في الأرجنتين مثلا، حُظرت أشكال معينة من الملكية المشتركة. وفي دول أخرى، مُنحت المجموعات الأصلية غير الممثلة بشكل كاف تراخيص باستخدام كاميرات وإذاعة الأخبار. وفي بعض الحالات، قطعت الحكومات البرامج أثناء بثها على المحطات التلفزيونية الخاصة لإصدار بيانات سياسية. ووصل الأمر في عهد الرئيس كوريا إلى تولي الحكومة الإدارة التحريرية لأقدم صحيفة بالبلاد، وهي "إل تيليغرافو".
إن ما بدأ في الإكوادور كتحرك نحو تنويع وسائل الإعلام قبل عشر سنوات انتهى بالقضاء على جانب كبير من قدرة أبنائها على إعداد التقارير الاستقصائية والنقدية، وهذا لا يبشر بخير عندما يتعلق الأمر بمستقبل الدولة، إذ تعتبر الصحافة الشرسة القائمة على الحقائق نوعا من أنواع الصالح العام. كما أن الإعلام منوط به، كونه السلطة الرابعة، محاسبة الحكومات والمؤسسات بكشف الفساد، ومظاهر تدهور البيئة، وكل إخلال آخر بثقة العامة. أما في ظل الوضع الحالي في الإكوادور، فقد بات لزاماً على الصحفيين أن يخشوا العواقب المترتبة على قيامهم بعملهم.
مثلها كمثل دول كثيرة في أميركا اللاتينية، تهيمن على الإكوادور حالة من الاستقطاب العميق. فما يزال هناك مؤيدون للرئيس السابق كوريا من اليساريين، الذين يشيرون إلى إنجازات حكومته المذهلة في خفض معدلات الفقر وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم. كما يرون أن الفساد خلال رئاسة كوريا لم يكن أسوأ مما كان عليه في عهود الحكومات السابقة، بل ويشيدون بجهود الحكومة للجم الإعلام، الذي يرونه غير أمين ويمثل اليمين ومصالح الشركات.
ثمة درس للولايات المتحدة والدول الأخرى التي يتنامى فيها اتجاه تخوين الإعلام. فمنذ الكشف عن الدور الكبير الذي لعبه فيسبوك وتويتر في نشر معلومات مضللة وغرس بذور الريبة والتوتر العرقي خلال الانتخابات التي شهدتها الولايات المتحدة في العام 2016، تطالب جوقة متزايدة من المتشدقين بضوابط تنظيمية أكثر حزما وصرامة. ولكن، ربما يصعب تنفيذ مثل هذه الضوابط التنظيمية بصورة عادلة، كما قد تترتب عليها تبعات غير مرغوبة.
لقد تعلمت الإكوادور الدرس بالطريقة الصعبة والمكلفة. فإذا كانت محاربة التضليل تعني فقدان الصحافة العميقة الواقعية والقضاء على إعلام يمكن أن يقوم بدور الرقيب، فإن الثمن حينئذ يكون باهظا للغاية. آمل أن تكون الدول الديمقراطية في أنحاء العالم قد وعت هذا الدرس جيدا، وليس الإكوادور وحدها.
 
*مديرة برنامج الإعلام والاتصالات في كلية الشؤون الدولية والعامة بجامعة كولومبيا.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات