عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-May-2018

تعميم الشعر الرديء *زليخة ابو ريشة

 الغد-لعلّ هذا الفيديو أتاني مائة مرة وأكثر، عبر الماسينجر والواتسأب، فيديو "الشاعر" التونسيّ ذي الجدايل في حضرة الشاعر والإعلامي زاهي وهبي (وهذا ما يثيرُ دهشتي)، وهو يعلك كلاماً تافهاً على أنه شعر، محورُه شتمُ أمة العرب وبيانُ تخاذلها وضعفها، أقرب ما تكون لغتُه الرثّةُ إلى توليفات بائع خضار يروّجُ لبضاعته، أو تلميذ صف خامس يريد أن يبهرَ معلّمه بامتلاكه موهبةَ "السجع"! وغالباً يأتي الفيديو مع تقديم أن هذه القصيدة من روائع الشعر العربي، ويرجى عدم التأخر عن ترويجها!! وطبعاً يكون امرؤ القيس وليلى الأخيلية والخنساء وأبو تمام والمتنبي وسجين المحبسيْن وأحمد شوقي وبشارة الخوري وبدوي الجبل وعمر أبوريشة ونازك الملائكة وفدوى طوقان ومحمود درويش، وناهيك عن لورد بايرون وتشيللي ومن قبلهم صافو وإميلي برونتي وأنا أخماتوفا وإميلي ديكينسون ومرغريت ووكر وغيرهم وغيرهن... يكونون في كواليس المشهد في حالة هستيرية من التدافع لمراقبة ميلاد هذا الشاعر الفذ.

هذه الصورة الكوميدية تتناسب طرداً مع إعلاء شأن نصوصٍ تافهةٍ على أنها "من عيون الشعر العربي"، مع إلحاح بضرورة تداولها، مما يعني لديَّ أن الذائقة الفنيّة والشعريّة واللغوية في وضع الحضيض؛ فلا أذكر في حياتي كلّها، وقد تجاوزت الـ75، أن سمعتُ أو قرأتُ لأحدٍ يتغنى بنصٍّ معطوبٍ على أنه "شعر رائع"، إلا في السنوات الأخيرة؛ حيثُ يتداول القوم، ومن أناسٍ متعلمين وأصحاب شهادات، فيديوهات وبوسترات تحمل نصوصاً لا خاويةً فحسب، بل تهدر القيمَ الجماليةَ، وتهشّمُ اللغةَ، وتعبثُ بالصور الشعريّة، وتملأ الأذن بالضجيجِ والكلام التافه، كالذي شهدتُه في السنوات  الأخيرة. فما الذي تحملُه هذه النصوص؟
إنه الغضب من الظلم، والنقمة على الاستبداد، والشعور بالخيبة من الانحطاط العربي. ومع أنَّها أسبابٌ كافيةٌ لتفجير الشعر والفنون كافّةً، إلا أنها ليست مبرّراً لتمرير الرداءة باسم الفنّ والشعر؛ فقديماً عرف النقاد وقراء الشعر أن جلالَ الموضوع (كموضوع فلسطين مثلاً) لا يعني بالضرورة جودةَ النصّ، وأنَّ النصَّ الجيّد ليس بموضوعه، أو بشحنات المشاعر التي فيه، ما لم تكن هناك لغةٌ وأخيلةٌ وحنكةٌ في السيطرةِ على الموضوع والمشاعر واللغة، لا العكس، وإلا فإنَّ أيَّ منفعلٍ بقضيةٍ، مهما علت في سلّم الأهميّة الإنسانية والوطنيّة، يحقُّ له أن يخبّصَ ويجترَّ ويؤذي ويهينَ الشعرَ وتاريخَه واللغةَ وأهلَها!
وإني لأرى أن انتشار هذا اللون من التعبير الضعيف الرثّ، ليس سوى صورةٍ من صور رداءة التعليم، ومُنتَجٍ هزيلٍ من منتجات الأميّة المغلّفة ببريقِ شهادةٍ أو موقعٍ متقدّمٍ في ماكينة التربية والتعليم أو ماكينة الإعلام!
دعونا لا نفقد الأمل!
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات