عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    09-Aug-2018

فيلم «فرانسيس ها» للأمريكي نوا باوباك… رحلة فتاة صوب النضج وفهم الذات

 «القدس العربي» من نسرين سيد أحمد: في فيلمه «فرانسيس ها» (2012)، المعروض حاليا في لندن، ضمن أسبوع عن الأفلام التي تتناول الهوية والمرأة، يقدم المخرج الأمريكي نوا باوموباك قصة فتاة نقع في حبها جميعا، رغم إخفاقاتها، ورغم جنونها ورغم فرارها من النضج الذي لا محالة منه. على الرغم من أن الفيلم، الذي تبلغ مدته ساعة ونصف الساعة تقريبا (86 دقيقة بالضبط)، مصور باللونين الأبيض والأسود، إلا أن شخصيته المحورية، فرانسيس، ليست شخصية أحادية اللون، بل تعج بالحياة والألوان والضحك والطموح وكل صخب الشباب. 

فرانسيس (غريتا غرويغ) في أداء متميز، هي امرأة في أواخر العشرينيات، ذات ابتسامة تأسر القلب وروح طيبة مرحة توقعنا في غرامها. تعيش فرانسيس في نيويورك وتحيط عالمها بأصدقاء ومعارف من الموهوبين والمثقفين، الذين يمنحون عالمها البسيط الكثير من الإحساس بالإنجاز والتحقق، على الرغم من شعورها الداخلي بأنها لم تحقق من النجاح إلا القليل، وإن مواهبها المتعددة، خاصة في مجال الرقص وتصميم الرقصات، غير مستغلة. قد يعتريها إحساس بخيبة الأمل، ولكنها سرعان ما ترسم على وجهها ابتسامتها الساحرة لتخفي بها الحزن والارتباك.
فرانسيس ذات حيوية وموهبة حقا، خاصة في تصميم الرقصات، ولكنها أيضا مليئة بالأحلام والخيال، ولا تمسك جيدا بتلابيب الواقع، خاصة في ما يتعلق بتوقعاتها للمستقبل، وبما قد يمنحه العالم لها. موهوبة هي، ولكنها لم تحقق من النجاح الكثير، وتسعى في رحلتها لفهم إخفاقاتها وتحاول التعامل معها. 
«فرانسيس ها» فيلم مليء بالبهجة، وشخصية فرانسيس شخصية محببة للغاية، رغم عيوبها، ويرجع السر في ذلك بصورة كبيرة إلى غريتا غرويغ، التي تؤدي دور فرانسيس بسحر طاغ وبإحساس بالغ من الصدق والود، فنشعر كما لو أن فرانسيس صديقتنا التي نجاذبها أطراف الحديث. رحلة فرانسيس في الفيلم هي رحلة لاكتشاف ذاتها ولترتيب أولوياتها، ولفهم ذاتها. «فرانسيس ها» يتعامل مع تلك الفترة الحرجة في حياتنا التي ندرك فيها أن علينا أن نتخلى عن حياة الشباب اللاهية المليئة بالأحلام لندخل عالم النضج والمسؤولية. من منا يريد أن يدرك أن كل الأحلام العريضة التي رسمها لمستقبله في شبابه لن تتحقق على أرض الواقع؟ يستقي باوباك بعض تفاصيل شخصية فرانسيس من شخصية بطلته غريتا غرويغ، التي شاركته في كتابة سيناريو الفيلم. كما هو الحال مع غرويغ، جاءت فرانسيس من ساكرامنتو في كاليفورنيا لتدرس وتعيش في بروكلين. هي في السابعة والعشرين وتعمل راقصة متدربة في فرقة للباليه والرقص الحديث في نيويورك. تحلم يوما في الانضام للراقصات الرئيسيات للفرقة.
بعد انتهاء دراستها الجامعية، انتقلت لتشارك صوفي (ميكي سمنر)، أعز صديقاتها السكن، ولتشاركها في كل شيء، من الأحلام والطموحات إلى مشاريع قصص الحب المخفقة. تريد فرانسيس صداقة قوية وثيقة، تصبح فيه صوفي جزءا لا يتجزأ من حياتها. نراهما في مشهد مكثف يتجاذبان الحديث ويشاهدان التلفزيون ويتشاركان في الطعام والسجائر ويغفيان على سرير واحد ويتحدثان عن الحياة والمستقبل. تسعد فرانسيس بصداقتها الوثيقة بصوفي وتقول لها مبتهجة «إننا شخص واحد».
عندما يطلب صديق فرانسيس منها الانتقال إلى السكن معه، ترفض حتى لا تترك صوفي. ولكنها تفاجأ بأن صوفي عند انتهاء مدة تعاقد إيجار السكن، ترفض تجديده، وتقول بعفوية شديدة إنها ستنتقل للسكن مع صديقة أخرى في منطقة تفضلها عن الحي الذي يسكنان فيه. يعد الأمر على قسوته مرحلة من مراحل نضج فرانسيس، الذي تسعى لإرجائه. فما أقسى من اكتشاف أن الصديق المقرب للغاية الذي تفضل الإقامة معه على سواه لا يحبك بالدرجة نفسها، ولا يكن لك القدر نفسه من المعزة. إثر ذلك تتعاقب المحن الصغيرة على فرانسيس، ولكنها تقبلها دوما بروحها الطيبة، وتحاول مواجهتها أحيانا والفرار منها أحيانا. ينفد ما لديها من مال قليل، تفقد عملها في فرقة الرقص، وتنتقل بين العديد من المساكن. تجد فرانسيس نفسها تواجه أزمة الخروج من سنين اللهو والمرح في بدايات العشرين إلى سنوات أكثر نضجا وتعقلا في أواخرها. يتعين عليـــها أن تنحي جانبا سنوات الطيش لتبحث عن صورة أكثر تعقلا ومسؤولية لنفسها. ويعني ذلك البحث عن حلول لمشاكلها العملية والمالية.
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات