عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    06-Jul-2018

مهرجان الشعر العربي في جرش 2018.. أين الخيمة الحمراء؟

 الغد-د. محمد عبدالله القواسمة

ضمن فعاليات مهرجان جرش 2018 أُعلن عن مهرجان الشعر العربي، الذي سيفتتح في 24 تموز القادم على المسرح الشمالي في جرش. ثم تتوزع فعالياته على مراكز ومؤسسات ثقافية في كثير من مدن المملكة: عمان، وإربد، والزرقاء، والكرك، والسلط. ويشترك في المهرجان شعراء عرب من تونس، ولبنان، ومصر، والعراق، والمغرب، واليمن، وفلسطين فضلًا عن الشعراء الأردنيين.
لا شك في أن إقامة هذا المهرجان للشعر العربي تُبين لنا أن الشعر في عالمنا العربي بخير، ولمّا يزل يحظى بالأهمية والاهتمام على الأقل في الأردن من خلال هذا الكم الهائل من الشعراء المشاركين في مهرجان جرش، ومن خلال تكاثر الأمسيات الشعرية وتوزيعها على المدن الأردنية. كما تعكس إقامة المهرجان اهتمام القائمين عليه بالارتقاء بالذائقة الجمعية، ونشر الثقافة، وتعزيز القيم الجمالية والفنية في المجتمع الأردني كله لا في مجتمع العاصمة فحسب.
لكن مما يلاحظ على هذا المهرجان، وهذا هو السبب الرئيس لكتابة هذا المقال، اقتصار فعالياته على الشعر. إن هذا المهرجان ينقصه ببساطة الفعاليات النقدية التي تتمثل في جلسات نقدية يتم فيها مناقشة ما يُلقى في المهرجان من قصائد. لقد رمزنا إليها في العنوان بالخيمة الحمراء، في إشارة إلى ما كان يحدث عند العرب في العصر الجاهلي قبل 1500 سنة وأكثر. 
فقد كانت تقام في جزيرة العرب أسواق أدبية في مواسم الحج، مثل: سوق عكاظ الذي كان يُقام قرب الطائف، وسوق ذو المجاز قرب عرفة، وسوق مجنة قرب مكة. وكان سوق عكاظ من أهم هذه الأسواق التي يعرض فيها الشعراء ما يبدعون من شعر. وكان النابغة الذبياني من أشهر رواد هذه السوق بل كان الناقد الرئيسي فيها. وهو الشاعر الذي خبر الشعر، وبرز فيه، فهو صاحب المعلقة المشهورة التي مطلعها: 
يا دارَ ميةَ بالعلياءِ، فالسندِ
أقوتُ وطالَ عليها سالفُ الأبدِ
ويُروى بأن النابغة كان يَنصب له خيمة حمراء من جلد بسوق عكاظ، فيأتي الشعراء يعرضون عليه بضاعتهم. من هؤلاء الشعراء الأعشى ميمون بن قيس، الذي أنشد قصيدة مطلعها:
ما بكاءُ الكبيرِ بالأطلالِ
وسؤالي وما ترُدُّ سؤالي 
ثم ينشد بعده حسَّان بن ثابت قصيدة يقول فيها:
لنا الجفَنات الغرُّ يلمعن في الضُّحى
واسيافُنا يقطرن من نجدةٍ دما
ثم تنشد الخَنْساء قصيدتَها:
قذًى بعينِك أم بالعينِ عوَّارُ
أمْ ذرَّفَتْ أنْ خَلَتْ مِن أهلِها الدارُ 
ثم يصدر الناقد النابغة حكمه: لولا أن أبا بصيرٍ أنشدني قبلكِ، لقلتُ: إنكِ أشعرُ الجنِّ والإنس، يحتج حسان: لأنا أشعرُ منك ومِن أبيك ومِن جدك، فيقول له النابغة: إنك لشاعرٌ، لولا أنك قلَّلتَ الجفَنات فقلَّلتَ العدد، ولو قلتَ: الجِفان، كان أكثر... ثم في النهاية يقول له: يا بني إنك لا تحسن أن تقولَ:
فإنَّك كالليلِ الذي هو مُدْركي
وإنْ خِلْتَ أنَّ المنتأى عنك واسعُ
هكذا كان أجدادنا يحتفون بالنقد، ويرون ضرورة ان يرافق ما يقولون من شعر، والأجدر بنا أن نقتدي بما كان هؤلاء الأجداد يفعلون، فنجعل للنقد مساحة في مهرجان جرش الشعري. إن خلو فعاليات المهرجان من الجلسات النقدية، وعدم خضوع الشعر إلى التحكيم النقدي يترك للشعراء بأن يتكاثروا تكاثرًا غير طبيعي؛ لعدم وجود من يغربلهم، ويبين مواطن الخطأ والصواب في أشعارهم، كما أن خلو المهرجان من الجلسات النقدية يحرم المتلقين من نقاد يتوسطون بينهم وبين ما يقال من شعر، فيحببونهم بالشعر، ويرتقون بحسهم الجمالي؛ فمن الضرورة أن يرافق النقد الشعر في مهرجان جرش؛ فهو على الأقل يخلق القلق لدى الشعراء لكي يجوّدوا شعرهم؛ فلا وجود لشعر راق دون قلق الإبداع، ذلك القلق حارس النوعية الذي مبعثه النقد، والذي عرفه الشعراء العرب القدماء في أسواقهم الأدبية
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات