عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-May-2018

سمير الشوا في كتاب «غزة إلى أين؟»… عن الإنجازات والآمال والأحلام المجهضة

 القدس العربي-إبراهيم درويش

 تعيش غزة المحاصرة فورانا وطنيا ومسيرات للعودة، حيث يطالب أبناء وأحفاد النكبة عام 1948 بالعودة إلى مدنهم وقراهم التي دمرتها العصابات الصهيونية وشردوا منها من أجل إقامة الوطن القومي لليهود. هذه المدينة الآن، التي يقترب عدد سكانها من المليوني نسمة، ويعيشون في مساحة صغيرة تعتبر الأكثر كثافة في العالم، تحكى قصتها أو قصصها بأكثر من صورة وطريقة. ومن بين عدة مؤلفات صدرت هذه الأيام، يأتي كتاب سمير الشوا «غزة إلى أين». وهو رحلة لأحد أبناء غزة ــ رحلة عودة ــ يستكشف من خلالها ما كان وما يحدث. يستعيد الرجل ماضيه، فيقدم نشاطاته وشهادته عن الأحداث منذ أوسلو وحتى اليوم، عبر أسلوب «بوست كارت»، وفيه يتحدث عن علاقته بالأرض والناس وذاكرته وهو صغير، عندما استقبلت غزة المدينة الحالمة على البحر المتوسط عشرات الألوف من اللاجئين الفلسطينيين، وكيف عاشت عائلات منهم كضيوف على عائلته لسنوات.
 
العودة
 
يكتب الشوا عن آماله وأحلامه بالعودة من لندن والإقامة في غزة، وكيف أن صديقه الشاعر العراقي بلند الحيدري حذره قائلا، إن اتفاق أوسلو لا يزال هشا وطلب منه تذكر بيت شعر للشاعر المتنبي «ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوا ما من مصادقته بد». وكانت العودة غريبة بالنسبة له فمعظم إخوانه وأشقائه وأقاربه يعيشون في الخارج، ومن بقي في غزة لم يرهم منذ زمن طويل. ولكنه عاد واستقبله ابن عمه عون الشوا، رئيس البلدية وزوجته راوية الشوا الناشطة المعروفة، لحين إصلاح بيت والده في حي الرمال. ويتذكر أول مفاجأة له في غزة وهي أن سائق السيارة التي ركبها للمشاركة في مناسبة كان استاذه الذي علمه الإنكليزية، في إشارة لتغير حياة الجيل القديم الذي يكافح من أجل لقمة العيش لعائلته شأن بقية الغزيين الذين يعانون.
 
عرفات وتوجيهاته الغامضة
 
تبدو استعادات الشوا الأولى مليئة بالتفاؤل، وحول بناء الدولة وعودة بناتها من الخارج بخبراتهم ورساميلهم. وكان هذا في زمن الأمل وغزة ياسر عرفات، الذي زاره في مكتبه وقدم له مجموعة من إصدارات داره، ولم يبد الزعيم التاريخي اهتماما بقدر ما كان راغبا بمعرفة ما يحمل الناشر والمهندس بالمهنة من مشاريع، فاقترح إنشاء مطبعة حكومية تتولى طبع الوثائق الحكومية، فوافق عرفات حالا وكتب ورقة لوزير الإسكان زكريا الأغا يطلب تخصيص قطعة أرض لبناء المطبعة، ولكنه اكتشف أن توجيهات عرفات لوزرائه كان يكتنفها الغموض، أي لا تُحمل في الكثير من الأحيان على محمل الجد والعمل. أهم ما يكتب الشوا عنه هو الجهود لبناء محطات توليد كهرباء والمداولات التي جرت بين السلطة الوطنية والشركات العالمية، التي قدّمت عطاءات مختلفة – من كندا والسويد وفرنسا وإيطاليا وأمريكا، بالإضافة لإسرائيل، والمعوقات التي وضعتها الأخيرة أمام إنشاء محطات طاقة مستقلة، وكيف استهدف الطيران الإسرائيلي المشروع الطامح لحرمان القطاع من الطاقة الكهربائية بشكل حوله إلى أكبر سجن مفتوح.
 
الأيام الستة وقلب الصحراء
 
وعندما حصلت حرب الأيام الستة، التي جعلت كل فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي، كان الكاتب في قلب الصحراء الليبية، حيث حقل النفط الذي تملكه شركة أوكسيندتال الأمريكية، والصدمة التي حصلت بعد ذلك ومحاولة الشبان التطوع للحرب التي انتهت في فترة قصيرة. لم يترك الشوا ليبيا إلا نهاية عام 1976، حين تحولت للجماهيرية وحكم الشعب الذي ابتدعه معمر القذافي بشكل ساءت فيه الأحوال وقررالسفر إلى لندن مع شريكه الليبي عباس بو نخيلة وتأسيس شركة هندسية تواصل التعاون مع شركات النفط الليبية.
 
الصحافة والنشر
 
ومن خلال شركته الهندسية التي كانت تحتل طابقين في شارع ريجنت أقام علاقات مع الصحافة والنشر. ففي هذه الفترة بدأت الصحافة العربية تصدر طبعات دولية، فقرر الشوا إنشاء دار (الهاني) التي يقول إنها كانت أول دار نشر فلسطينية في لندن عام 1988. ويكتب عن علاقاته مع المثقفين الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وإداورد سعيد، بالإضافة لعلاقته مع الشاعر نزار قباني، حيث كانت كريمته هدباء تزور الدار بشكل منتظم لتزويدها بدواوين والدها الشعرية، لبيعها للمدارس البريطانية. ويضمّن الكاتب في سيرته أجوبة نزار قباني بخط يده لجومانا أبو غزالة التي كانت تعد دراسة عن الشعر العربي، واعتذر الشاعر عن مقابلتها بسبب حالته الصحية. ويخص الكاتب هنا ناصر الدين النشاشيبي بالحديث عن صداقة امتدت من 1990 حتى وفاته في القدس عام 2013. وقدّم له في أول زيارة كتابين «المرأة تحب الكلام» و»آخر العمالقة جاء من القدس» عن حياة موسى العلمي. ولا ينسى الكاتب بالتذكير ببخل النشاشيبي الذي كان لا يدفع فواتير المطاعم، ومع ذلك قدم له نصيحة مهمة في عالم النشر. فقد اشتكى الشوا من ضعف النصوص التي يقدمها له بعض المؤلفين للنشر، وبعضهم من أصدقائه الذين يشعر بالحرج من ردها إليهم، فقال النشاشيبي «لا تقرأ النصوص، أنشر وتوكل، إن جمهور القراء يتذوقون كتابات لا تروق لك أو لي.. جميع المشاهير كانوا مغمورين قبل نجاحهم». ويشير إلى مشاكل الطباعة والنشر وكيف أنه قرر ترجمة كتاب إدوارد شيفردنازه آخر وزير خارجية في الاتحاد السوفييتي «المستقبل للحرية»، وخطط لدعوته إلى حفل توقيع الكتاب في لندن، وعندما انتهى من الطباعة اتصل بمكتب شيفردنازه في وقت تعرضه لمحاولة اغتيال. ولعل مشاكل النشر، بدون مراعاة حقوق الناشر أو المؤلف، هي ما دفعته للتوقف عن نشر الكتب المترجمة، فكتاب شيفردنازه نشرته صحيفة تدعى «صوت الكويت» بدون إذن. كما خاضت دار الهاني معركة قانونية بعد قيام «أخبار اليوم» الأسبوعية المصرية بنشر ترجمتها لكتاب عن الأميرة ديانا حصلت الدار على حقوق ترجمته ونشره.
 
المعلم سعيد
 
ويخصص الكاتب صفحات للحديث عن «المعلم سعيد» خوري رجل الأعمال الفلسطيني ودوره في إنشاء محطة كهرباء غزة، وهي قصة يقدم الكاتب تفاصيلها وما لاقاه المؤسسون من عقبات وإفلاس شركة «إنرون» التي تعهدت بتولي المشروع. ومن لطائف ما يذكره عن المعلم سعيد رفضه عــند وصوله لأول مــــرة إلى فلسطين ورفضه تناول الماء المعلب في إسرائيل. وكيف قيل له: «يا معلم سعيد، إذا بترفض كل شيء عليه علامة إسرائيلية ستموت من الجوع والعطش خلال زيارتك إلى هنا» فقد كان رجل الأعمال سعيد «ابن بلد» لم يتلوث، رغم نجاحاته التجارية بداء المدن، وفيا لأصدقائه وأبناء شعبه.
 
انتفاضة الأقصى
 
تغير الطموح بعد انتفاضة الأقصى حيث وضع شارون في زيارته الاستفزازية الإنجازات على المحك. وفي غزة انتشر الفلتان الأمني وعمليات التصفيات مثل مقتل مدير التلفزيون الفلسطيني المقرب من عرفات هشام مكي، وموسى عرفات، رئيس جهاز الاستخبارات الذي كان له أعداء كثر. وهناك مجموعة «محمود نشبت» التي اختطفت قائد عام جهاز الشرطة الفلسطينية اللواء غازي الجبالي. ويسرد في سياق هذا تداعيات قرار شارون الانسحاب الأحادي من غزة عام 2005 وما تبع ذلك من حصار وتضييق على سكان القطاع. ولم يلبث أن وجد الفلسطينيون أنفسهم أمام باب مغلق وتوقف عن المفاوضات، سواء في عهد إيهود أولمرت أو نتنياهو.
 
صعود حماس
 
يذكر الكاتب هنا صورة الأوضاع بعد صعود حركة حماس، حيث يعتقد أن عودة الشيخ أحمد ياسين إلى غزة عام 1997 كانت نقطة مهمة في علاقة حركة حماس مع السلطة. ويشير إلى سيطرة حماس على القطاع عام 2007 ويحمل هنا مسؤولية الأحداث محمد دحلان ومسؤولية ضياع الأمن، كما أنه لا يعفي حركة حماس من المسؤولية. فقد كان من المنتظر بعد فوزها الحاسم بانتخابات عام 2006 ان تشكل حكومة تكنوقراط، لكنها لم تفعل وشعرت بأن العالم سيتصرف معها مثل تركيا وقطر وروسيا. ولا ينسى الكاتب في حديثه عن الظروف التي قادت للصراع المسلح بين حركة فتح وحماس إلى مسؤولية قيادة السلطة التي كانت تسيطر عليها حركة فتح والتنافس بين الوافدين والمحليين والتفكير السلبي الذي طغى على الجميع، حيث حاول كل طرف تدمير الطرف الآخر. ويتحدث عن ازدهار تجارة الأنفاق الذي تساءل عن سبب ظهورها تحت الأرض لتعويض النقص الحاد في المواد والبضائع في القطاع، وكان الأحرى بتعاون مصري- فلسطيني وتنظيمها عبر معبر رفح. وفي هذا السياق يخصص الكاتب محورا للحديث عن الغاز الفلسطيني الذي اكتشف على ساحل بحر غزة، وكان سيحرر القطاع من اعتماده على إسرائيل أو دول الجوار، لو تم استثماره، لكنه ظل في قاع البحر. وفي المقابل بدأت مصر تستورد الغاز من إسرائيل بعدما كان تصدره لها. 
وكأي كتاب يجمع بين السيرة واستعراض الواقع. فهو شهادة عن الطموح الفلسطيني والإنجاز، وقدرة غزة على النجاة. ويختتم رحلته بعرض مثير للأسى عن علاقة الفلسطينيين بالعرب فلم يعد الفلسطينيون بعدما شاهدوا من تخلي النظام العربي عنهم، يبحثون عمن يواسيهم أو يحمل همومهم أو يحل مشاكلهم «لنا الله».
 
٭ كاتب فلسطيني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات