عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Apr-2018

دروب الآلام والخيبات في رواية «البلم» للسوري محمد الدعفيس

 القدس العربي-موسى إبراهيم أبو رياش

 لا تنبع قيمة الوطن من المكان، بل من الشعب الذي يعيش فيه، وما يربط بين أفراده من علاقات، وفق دستور وقوانين وأنظمة، تقوم على تنفيذها سلطة مؤتمنة، وأي خلل في هذه المكونات يخدش الوطن والمواطن، ويخضع العلاقة بينهما لمعادلات وحسابات مغايرة، وربما قطيعة مؤقتة أو دائمة. والمرء يتحمل ويصبر من أجل وطنه، وقد يتجرع المرار، ولا يتركه إلا مضطرا بسبب عدو محتل غاصب، أو نظام مستبد ظالم، أو فقر وحرمان. وعندما يتحول الوطن إلى جحيم، وموت مرتقب بين لحظة وأخرى، يصبح الفرار منه ضرورة حياتية. ولكن مهما بلغ المرء خارج وطنه من مكانة وتقدير واحترام وحرية، فسيبقى يشعر بكسر داخله، مسكونا بالغربة والحرمان، فلا مكان أدفأ من حضن الوطن، ولا سماء تظلل حقيقة إلا سماء الوطن!
الاحتراب الداخلي في سوريا، تحول إلى حرب بالوكالة، صراع قوى دولية، لكل منها أجندتها ومصالحها وحساباتها، اتخذت من الساحة السورية ميدانا لها، والشعب السوري هو الضحية، والمنتصر في النهاية هو العدو، والخاسر الأكبر هو الوطن!
ترسم رواية «البلم، منشورات ذات السلاسل، 2018» لمحمد تركي الدعفيس أحد دروب الآلام والشوك للمهاجرين السوريين، عبر تركيا إلى اليونان على أمل إكمال الطريق إلى السويد أو ألمانيا أو غيرهما. وجاءت الرواية مغمسة بالخوف والألم والقهر والمرارة والخيبة وانهيار الأحلام. رواية نجحت في رسم لوحة حزينة مؤلمة لمجموعة من المهاجرين، تحطمت قواربها في كل ميناء، وتحول انتظارها المؤقت في اليونان إلى إقامة طويلة لا أفق منتظر لانتهائها. رواية ترصد جانبا من الحكاية، مؤلما لأصحابه، ومخزيا للعالم الذي يرى ويسمع ويصم أذنيه، متهربا من مسؤولياته، ومتخليا عن إنسانيته «عالم كاذب استدرجنا بدعايته وأبواقه ومبادئه البراقة، وحين غاصت أقدامنا في وحوله تنكر لنا، وانقلب علينا».
الدول تحركها المصالح، لا وجود لمبدأ أو خلق أو دين، وإن وجدت فهي ستار للخداع واستثمار أمثل للفرص، وتعاملها مع المهاجرين مصلحي وعلى المكشوف »نحن مجرد أوراق يلعبون بها حين يريدون… جدوانا بالنسبة لهم تنبع من قدرتهم على الاستفادة منا»، فهناك دول تستقبل المهاجرين، وتسمح لهم بالمغادرة أو تمنعهم لمصلحتها، مثل تركيا التي »تتفاوض لتصبح عضوا في الاتحاد الأوروبي.. هذه الرغبة تراودها منذ سنوات.. وأخيرا بدأت تفاوض الاتحاد لتضمن لمواطنيها ميزة دخول دوله دون تأشيرات.. لكن التفاوض عادة لا يكون بمجرد الإقناع والحجج المنطقية.. غالبا ما يجتمع معه الضغط أيضا.. ونحن ورقة الضغط… الأمر ببساطة يشبه صنبور الماء.. تركيا تمتلك إمكانية فتح الصنبور أو إغلاقه، ونحن تماما كالماء لا نمتلك من أمرنا إلا التدفق إذا فُتح أو الاحتباس إذا أُغلق.. إنها تفاوض الأوروبيين لتحقيق مصالحها، إن قبلوا وحققوا لها ما تطلب أغلقت الصنبور واحتجزتنا جميعا خلفه، وإن لم يوافقوها فتحته وتركتنا نتدفق».
 
استغلال المهاجرين
 
وفي المقابل ثمة دول تتمسك بالمهاجرين وتجبرهم على البقاء أيضا لمصلحتها، فاليونان مثلا »بلد فقير، وغير قادر على تأمين المتطلبات في ظل أزمته الاقتصادية الخانقة، وكلما زاد عدد اللاجئين الذين تبقيهم الحكومة داخل حدود البلد تزداد قدرتها على التسول من الأمم المتحدة والدول الأوروبية باسمهم.. هذه خطة قد تسهم في إنعاش الاقتصاد قليلا، ولذا يعملون عليها، وأنتم وقودها»، وجميع هذه الدول، لا تعير المهاجرين أي اهتمام أو تقدير إلا بما يجلب النفع لها، فالمهاجر عبارة عن سلعة تقايضها الدول من أجل مصالحها دون أي اعتبار لإنسانيتهم وكرامتهم.
تروي رواية «البلم» حكاية عينة من المهاجرين الذين باعوا كل ما يملكون بثمن بخس؛ ليدفعوه إلى المهربين وعمالهم ومكاتبهم وسماسرة التهريب ونقاط التفتيش وتجار الحروب؛ بحثا عن عيش كريم منتظر.
خرجوا من سوريا تهريبا في مغامرة مملوءة بالخوف والآلام، وحطوا رحالهم في إزمير في حالة مزرية من الفوضى وتكدس المهاجرين انتظارا لتهريبهم إلى إحدى الجزر اليونانية. وبعد عدة محاولات، وحجز، والتنقل من مهرب إلى مهرب ركبوا «بلما» قديما صغيرا على غير ما اتفقوا عليه، مع سائق دون خبرة سابقة، يسوقهم إليه أحد عمال المهرب الذي يعاملهم بجلافة، فقد استلموا نقودهم، وليذهب المهاجرون إلى الجحيم «لم يكن هناك وقت حتى للسؤال إلى أين نمضي، فمنذ أن تتفق مع المهرب تسلم قيادك له، تصبح مثل كرة تركلها أقدامه حيث تشاء.. لا وقت للسؤال، ولا حتى للفهم.. تتحول إلى مجرد فرد في قطيع يُساق حيث يشاء مهربه». وبعد رحلة وسط الموج وأنين البلم بأثقاله وتعرضه للتمزق وتدفق المياه داخله وجهل السائق، وتدخل الراوي همام لإنقاذ الموقف، يرافق كل ذلك خوف ورعب وموت يلوح في الأفق، وصلوا إلى شاطئ جزيرة يونانية بعد انفجار البلم على صخور الشاطئ، وسقوط الركاب بعضهم فوق بعض.
 
حياة برسم الأمل
 
ومن الجزيرة اليونانية، بدأت رحلة ثانية من العذاب وهدر الإنسانية »فقد كنا في صميم موسم خيبات الأمل المتوالية منذ غادرنا حدود الوطن محملين بأحلام وردية ظننا معها أننا سنمشي لاحقا على بُسط من سندس، وسنتكئ على مفارش من حرير، لكن صراخ العسكري، وهو الوجه الأول الذي قابلناه منذ عبرنا إلى الضفة الثانية من العالم، أوحى إلينا أن تلك الأحلام قد لا تكون أكثر من أضغاث موجعة». ومن مكان إلى مكان ومن تفتيش إلى تفتيش ومن عبارة إلى سفينة إلى حافلات، حطوا رحالهم في مخيم بعيد عن أثينا، في مبنى قديم خارج الخدمة، كان فيما مضى مستشفى للمرضى النفسانيين، كمحطة لرحيلهم إلى دول أخرى، ولكن فوجئوا بأن جدرانا عازلة أقيمت بين اليونان وجاراتها، يحول بينهم وبين وجهتهم، فانكفأوا على أنفسهم، يقتاتون على أحلامهم، انتظارا لقرارات الدول المستضيفة للاجئين التي أشهرت في وجوههم الأعذار والمبررات الواهية التي تتنــافى مع تصريحاتها السابقة واستعدادها لاستقبال المهاجرين »اليوم تتخلى أوروبا عن كل شعاراتها الرنانة وتحجزنا خلف أسوار حديدية كما تُحجز الحيوانات، لكنها لم تنتـــبه إلى أن هذه الأخيرة تُحجز في حدائق الفرجة، بينما نُحجز نحن في العراء! ؟».
في المخيم يعيشون في ظروف قاسية، حيث وُضعت كل أسرتين أو ثلاث في غرفة لا تتجاوز مساحتها خمسة عشر مترا مربعا، وخدمات سيئة، وإدارة يونانية عرفية. تظاهروا واعتصموا واحتجوا وكتبوا وتحدثوا للوفود الزائرة دون جدوى، فقد هربوا من الموت إلى الموت!.
الظروف القاسية وفقدان الأمل وموت الأحلام محكات للبشر، وغالبا ما تؤدي إلى تغيرات لم تكن في الحسبان »ليس هناك أشد وطأة من انكسار الأمل، فهو يغرقك في الحزن إلى حد الاعتياد، ويغلق الأبواب في وجهك، ويطفئ كل الشموع الموقدة في طريقك ويحولها إلى ظلام تتيه فيه الخطوات وتضيع معه البوصلة».
ياسر الذي كان مصدر المرح والضحك، تحول إلى شاب كئيب صامت يلوك ألمه وحيدا »كان المكان يتحول إلى غول يلتهم ضحكاتنا وطموحاتنا، ويقتلنا بكل الهدوء المتاح واحدا إثر الآخر، يتصيّد أجملنا بلا استعجال، وينتقي بكل العناية أولئك الأقدر على نثر التفاؤل في دروب الآخرين، كأنه يتعمد إطفاء البقية الباقية من جذوات الأمل في نفوسنا».
أما نجاح التي أوشكت أن تنفق آخر نقودها، فقد فكرت بامتهان الدعارة لولا أن أنقذها همام في أول طريقها، ووفر لها عملا كريما. وسعيد قرر أن يعود وأسرته أدراجهم إلى سوريا، مما أثار الاستغراب »رحت أتساءل: كيف يمكن لمن عبر برزخ الموت أن يقرر بملء إرادته العودة إلى نقطة البداية؟ وأتصور حجم الإحباط الذي ناله حتى عزم على العودة إلى وطن يفر ناسه من الموت فيه»، أما همام فقد طلق الكامب وأقام في أثينا حيث امتهن رسم الوجوه وكشف أسرارها.
اختتمت الرواية بالوعود المجترة للدول المستضيفة، التي لم يعد يصدقها أحد، وبقاء الحال على ما هو عليه، اللهم إلا مزيدا من المرارة وقلة الحيلة ويباس الأمل »هل عبرنا برزخ الموت لنعاني ولادة متعسرة، ونقف في عنق الرحم، فلا نحن غادرناه لنبصر النور، ولا نحن بقينا مطمئنين فيه؟!
بدا الأمر كأننا مجرد أوراق غادرت أغصانها وسلمت مصائرها للريح تلهو بها كيف تشاء، وتودعها في رحلة أخيرة تنقلها إلى البعيد».
في داخل الرواية روايات وحكايات، فلكل حكايته، فمنهم من يروي ومنهم من يكتم؛ روى همام لنجاح قصة حبه لحياة التي أصبحت خطيبة لأخية الأكبر، فخذل حبه وهرب. 
وروت نجاح لهمام قصة يتمها وتحكم زوجة خالها بحياتها وتزويجها مبكرا لجندي فقدته بعد شهرين، ثم خطبتها لشاب في السويد. وروى ياسر مغامراته في أثناء دراسته الجامعية التي أضحكت الحضور وبثت فيهم بعضا من حياة افتقدوها منذ زمن طويل. وفي مونولوج استذكرت سميحة معاناة الناس وفقرهم من خلال ما رواه أبو سليمان صاحب البقالة، واسترجعت رحلة العذاب والخوف من سوريا حتى وصلت إلى إزمير.
تعجز الكلمات عن نقل حقيقة معاناة المهاجرين وآلامهم ومشاعر القهر والإحباط واليأس، ولكن الدعفيس نجح بوضعنا في صورة هذه المعاناة ورحلة العذاب، بلغة شاعرية، وصور موحية مؤثرة، فحولنا من مراقبين إلى مشاركين نتألم لألمهم ونحزن لمصابهم، ونشاركهم الخوف والترقب!
 
٭ كاتب أردني
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات