عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    19-May-2017

ينافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان في دورته السبعين: «بلا حب»

...للروسي زفياغينتسيف: فيلم لا يهادن ويرسم حياة تخلو من الحب
 
«القدس العربي» ـ نسرين علام: في فيلمه «بلا حب»، الذي ينافس على السعفة الذهبية في مهرجان كان في دورته السبعين، يقدم المخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف عالما يكتنفه الغموض والحزن، عالم يفتقر من يأهلونه إلى الحب ويعيشون في خواء روحي وألم نفسي.
يخلق زفياغينيتسف ذلك القلق الوجودي الذي يفيض به الفيلم والأجواء القاتمة التي تسيطر عليه، في قصة تبدو على السطح، كما لو كانت قصة زواج يتداعى، ولكننا نحسب أن الزواج المهترئ الذي يصوره الفيلم يقدم صورة لروسيا المعاصرة، التي يعيش أبناؤها في تمزق وحيرة وأجواء ينعدم فيها الحب، كتلك الأجواء التي تعيش فيها
الأسرة الصغيرة المهشمة، التي يتمحور حولها الفيلم، والتي تبدو كما لو كانت صورة مصغرة للمجتمع الروسي والقوى التي تتنازعه.
يرسم الفيلم صورة زواج في نزعه الأخير. بوريس (أليكساي روزين) رجل أربعيني يعمل في مجال المبيعات في شركة في موسكو. يقتسم بوريس مسكنه الأنيق مع زوجته ذات الجمال الأخاذ زينيا (ماريانا سبيفاك) التي يوشك أن ينفصل عنها. الأجواء المنزلية خانقة، تكاد تنفجر غضبا وشجارا وبغضا. وجد كل من الزوجين شريكا آخر،
ويبدو أن كلا منها يعيش النشوة الأولى لبدايات قصة افتتان جسدي جديدة، تلك النشوة التي انتهت من حياتهما منذ أجل طويل. حسم الزوجان الأمر، فالطلاق مقبل لا محالة، ولكن يبقى من يذكرهما دوما بذلك الزواج: إبنهما الصبي أليوشا (ماتفي نوفيكوف) الذي يبدو كما لو كان عبئا يثقل كاهلهما ويودان التخلص منه.
كل منها يحاول أن يبعد عن نفسه مسؤولية حضانة الطفل ورعايته، ولا يأبه أي منهما إلى ذلك المسكين الذي ينسحق، جراء علمه بأنه غير مرغوب فيه. يبدو أليوشا شاحبا كشبح، منعزلا في عالم تعمه الحياة الافتراضة والإنترنت، ويبكي في صمت ليلا دموع من يعلم أنه غير محبوب من ذويه. لا يعلم أليوشا الصغير إنه يمثل لأمه كل ما تكره، فقد أصبحت حبلى فيه وهي غير راغبة في الحمل، وكان حمله هو السبب في زواجها الذي لم ترغبه. يختفي أليوشا إثر شجار حاد بين أبويه، يحاول كل منها فيه التخلص من رعايته بعد الطلاق. ولعل زفياغينيتسيف يخلق في هذا الفيلم مشهدا من أشد المشاهد التي شاهدناها في السنوات الأخيرة إيلاما. يكاد قلبنا ينفطر حزنا وتعاطفا ونحن نرى أليوشا وقد التجأ إلى عتمة دورة المياه في البيت ليقف لصق الحائط يتشنج جسده الصغير ليبكي دموعا لا يشعر بها أحد ولا يتعاطف معها أحد، يبكي أسرة بلا حب، وحياة لا تعني شيئا لمن جلبوه إليها. نفرغ من مشاهدة الفيلم ويبقى ذلك المشهد يسكننا ولا يبرحنا.
يبدو لنا كما لو أن الفيلم يتغلغل أسفل الطبقة البراقة لأسطورة الطبقة المتوسطة الناجحة في روسيا، ينفذ إلى أعماقها ليكشف الكثير من العطب والخلل والافتقار إلى الدفء والتعاطف. يرسم زفياغينيتسف عالما يعاني من الخواء العاطفي وتبدو الطبقة المتوسطة التي يرسمها كما لو كانت تغرق أحزانها في الخمر وفي الكثير من الجنس المفتقر للحب الحقيقي. ويعري زفياغينتسيف الزيف الذي ينخر في المجتمع، ونفاقه وقواعده التي تجبر الفرد على العيش في حياة بلا حب، ويرسم لنا ذلك الفساد الذي ينخر في المجتمع. يقدم رؤية كاشفة تنأي بنفسها عن الوعظ والخطابة، رؤية تنسجها تفاصيل دقيقة، ولكنها كاشفة للغاية. يضطر بوريس لإبقاء انفصاله عن زينيا سرا حتى لا يفقد وظيفته، فرئيس الشركة يصر على أن يكون جميع موظفيه من المتزوجين وأصحاب الأسر «السعيدة»، لأن ذلك يقدم صورة صحية براقة للشركة، دون الأخذ في الاعتبار ما يشعر به الموظفون حقا. وفي مشهد آخر نشهد رجلا للشرطة يتملص من مسؤولية البحث عن أليوشا المفقود، ويرسل الأب والأم لجمعية أهلية للمساعدة في البحث عن الصبي. وفي مشهد آخر نلمح امرأة جميلة في مطعم أنيق تتود إلى رجل ثري وتعطيه رقم هاتفها، ثم تعود لتجلس بصحبة الرجل الذي اصطحبها للعشاء. فساد مؤسساتي وتفسخ أسري، وعيش بلا حب ولا روابط أسرية قوية، هذا هو المجتمع كما يرسمه زفياغينتسيف. يصور «بلا حب» عالما يحاول فيه البشر تعويض الخواء الروحي والنفسي والعوز إلى الحب بنهم لا يشبع للحصول على الماديات، ولعل الشقة الأنيقة التي يمتلكها والدا أليوشا، والتي تحوي أثاثا أنيقا لا يدفئ البرود العاطفي بين جدرانها، خير مثال على ذلك. نجد في الفيلم دوما من يتحدث عن سيارة جديدة اشتراها، أو علاقة جديدة تشتعل بالجنس، ولكنه جنس بلا حب، هناك دوما الحاجة إلى شراء الأحدث، واقتناء صور الرفاهية، والتقاط صور تبدو سعيدة للغاية لتنشر على شبكات التواصل الاجتماعي، ولكن كل هذا الا يكفي لسد الفجوة العميقة التي خلقها الافتقار إلى الحب.
في «بلا حب» أنجز زفياغينتسيف فيلما لا يهادن ولا يساوم، فيلما لا يحاول أن يخلق أجواء استمالة الجمهور أو اللعب على عواطفه، ففي فيلم اختفى فيه طفل لا حيلة له، نتوقع جميعـــــا النهاية السعيدة التي تتمثل في تعلم الأبوين أـن خلافاتهــما أدت إلى فرار الصبي، فيقررا البدء من جديد ويتكــــلل ذلك بعودة الصبي. ولكن زفياغينتســــيف لا يقدم لنا نهايات معسولة أو أكاذيب. يعمق غياب الصبي الخلاف بين الأبوين، ويفضــــح الكثـــير من الفساد في المجتمع.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات