عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Jan-2018

لوحات بلا ألوان.. أسعار الخامات تنهك فناني مصر

 

عمان -الغد- تخرّج محمد طمان من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة قبل عشرين عاماً، مهووسا برؤى فنية أراد إيصالها للناس بلوحاته، بما يُريهم الرسومات حية في أعينهم، لذا شرع في خطة استغرقت خمس سنوات لتصنيع مواده الخام اللازمة للرسم المجسم في ورشة صغيرة بركن شقته.
مضت الحياة به كما يطمح أي فنان ابتغى التميز فلاقاه: لوحاته تباع في معارض محلية وعالمية، ونجمه يسطع تماماً كالعديد من الفنانين المميزين في مصر، إلى أن أقدمت الحكومة على تحرير سعر صرف الجنيه قبل عام فتدهورت الأوضاع الاقتصادية عموماً، وبالجملة أحوال الفنانين التشكيليين، فالتهبت أسعار المواد الخام ومستلزمات الفن التشكيلي، وشُلّت الحياة الفنية التشكيلية عموماً.
لكن الفنان طمان، بحسب (الجزيرة. نت)، واصل إبداعه بلا قيود مادية وذلك بفضل المواد الخام المصنعة بيديه. وفي مرسمه الذي يفوح بعبق الزيوت والألوان، يشهق طمان باستمتاع وهو يغمض عينيه كأنما يملأ رئتيه بمزيد من الهواء يحييه مجدداً.  يهلّ أحد رواد المرسم ويتحسس بأنامله إحدى لوحاته، مدفوعاً بما أثار لديه من دهشة، فأراد أن يستيقن مما دار برأسه، ليجد فعلا أن ما لمسته يداه يؤكد ما رأته عيناه، فالبروز الخفيف في الوجه التاريخي يوحي بأنه منحوت لا مرسوم.
هذه البروز "نتاج خامات اخترعتها، هناك نظائر لها فرنسية وصينية، ولكنها بأسعار جهنمية" يقول طمان. ويضيف بنبرة بسيطة ساخرة "حين عكفت على صنعها، كنت مثار سخرية الآخرين من الفنانين".
وتابع أن معظم الساخرين الآن لا يجدون الخامات لتوقف استيرادها، أو لارتفاع أثمان المستورد منها، "بينما أنا الآن كما ترى، أعمل".
يرفض طمان أن يبيع سر اختراعه لشركات تجارية رغم ما أنفقه عليه من جهد ومال، ويرى أن "ذلك الاختراع -مع لمساتي الفنية الخاصة- هو مكمن تفرد أعمالي".
وتتفاقم أزمة الفنانين المصريين في ظل حكومة لا تضع الفن ضمن اهتماماتها، كما يقول فنانون مصريون طلبوا عدم ذكر أسمائهم تفاديا لمزيد من المتاعب من قبل وزارة الثقافة التي لا ترحب بالشكوى من سوء الأوضاع، على حد قولهم. والحكومة -بحسب هؤلاء الفنانين- لا تيسر ما يلزم الإبداع، وحتى لو تمكن الفنان من شراء مستلزماته بأسعار جنونية، فلن يستطيع تسويق أعماله بمفرده دون تسهيلات من الحكومة، كما أن عوائد أعماله لن تغطي تكاليفها.
وفي جولة بمكتبتين لبيع مستلزمات التلوين في القاهرة، هما مكتبة سمير وعلي، ومكتبة ألوان، تبين ارتفاع أسعار علبة الألوان الصينية الصنع من عشرين جنيهاً إلى مئتين (نحو 11 دولارا)، وهي "خامات لا تقاوم تقلبات وجه الزمن على اللوحات"، بحسب نصيحة البائعين. أما الألوان الفرنسية فهي تباع بالأنبوب (يعادل حجم إصبع) وثمنها مئة جنيه.
وإزاء هذه المعوقات، من المؤكد أن روح الفنان الوثابة للإبداع لم تعجز عن ابتكار حل، فهناك على الطرف الآخر فنانون حاولوا التعاطي مع الأزمة بشكل مختلف، مثل الفنانة نهى إبراهيم التي لجأت إلى الرسم الرقمي بعدما اشترت حاسوبا متطورا من عوائد بيع لوحاتها. لكن ما يؤرق نهى هو تقادم الأجهزة الحاسوبية.
فعاماً بعد عام، يصير الجهاز الحديث غير مواكب لمتطلبات الرسم المتطورة، وسعر الحاسوب الحديث المطلوب لإتمام أعمال فنية جيدة يصل إلى 18 ألف جنيه (نحو ألف دولار)، أما لو تطلب الأمر إنجاز لوحات رسوم متحركة، فالمسألة تقفز إلى ضعف المبلغ "ليصبح الفنان المصري بلا حيلة".
تحن نهى إلى الفرشاة والألوان الحية، والجلوس في أماكن مفتوحة لترسم بأدوات بسيطة، وتعليم الرسم للأطفال في الحدائق العامة، لكن "سعار الأسعار وصل حتى لأبسط الأدوات" على حد وصفها للأزمة.
وتحكي نهى معاناتها التي بدأت قبل عام مع ارتفاع الأسعار، بداية من أسعار أقلام الرصاص، وأقلام التحبير، وأدوات الحفر، وخامات الزنك والخشب، فضلا عن الموزاييك والزجاج وأدوات التقطيع، وكذلك الفرشات والأقلام والورق والألوان الباستيل والجواش والزيت.
الأمر كذلك ينسحب على طلاب كليات الفنون الجميلة، حيث لا تتوافر في معاملهم بالكليات المواد اللازمة لمشاريع تخرجهم، "فيضطرون لتدبيرها من نفقاتهم القليلة، مع ارتفاع أسعارها فوق طاقات معظمهم" بحسب أحمد كمال، طالب الفنون التشكيلية.
ويؤكد أحمد أن تكلفة الدراسة لطالب الغرافيك تصل عدة آلاف من الجنيهات فى السنة الواحدة بسبب الخامات فقط، بخلاف مصروفات الدراسة الأخرى التي يتحملها طلاب الكليات العملية الأخرى.
وبحسبة بسيطة لكل خامة مستخدمة، وعدد المشروعات المطلوبة فى السنة، بالإضافة إلى عدد المواد في كل قسم، "يمكن تخيل المبالغ الضخمة المطلوبة من طالب متوسط الحال مثلي يضطر لبيع لوحاته على الإنترنت للجمهور، ليساعد في تدبير النفقات الكبرى لدراسته".
يقول أحمد إنه اتجه إلى موقع متجر أمازون الافتراضي العالمي للبحث عن هذه المستلزمات، فوجد أن أسعارها تقل كثيراً عما هو متوافر بالمكتبات المصرية، ليتساءل "أين دور الحكومة في مواجهة هذا السعار التجاري؟ وإلى متى؟".
إلى متى؟ سؤال الطلاب والفنانين المنفيين عن فرشاتهم ولوحاتهم، الذي ستجيب عليه الأسواق لا المراسم، ربما يوماً ما.
 
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات