عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    15-May-2017

رواية «سكان جزيرة القرش» للمصري حمدي النورج : مصائر تنتظر أصحابها وأساطير لا تنتهي

«القدس العربي» محمد عبد الرحيم: كتب الكثيرون روايات تدور أحداثها في الريف المصري، على الرغم من تباين هذه الأعمال، سواء من راوٍ يعلم طبيعة الحياة والشخوص التي يروي حكاياتها، وآخر يدّعي المعرفة، فتصبح شخصياته من الفلاحين والفلاحات وكأنهم من خريجي هارفارد أو السوربون، وأخير يتلبسه النضال، وهو الذي لم يُغادر المدينة قط، فتصبح القرية وأهلها مداراً لمناقشات فكرية تليق بمقر حزب عتيق.
واليوم لم تعد القرى كما كانت في تلك النصوص أو أفلام الأبيض والأسود، اليوم تماهت الكثير من الحدود ــ قرى الشمال المصري بشكل خاص ــ فكان لابد من اختلاق حكاية والاستماتة في جعلها أسطورة. هكذا تبدو رواية «سكان جزيرة القرش» لمؤلفها حمدي النورج، الذي حاول أن يختلق حكاياته ويكلل شخصياته بتاج الأساطير، وفي أسلوب سردي يقترب من حكّائيي القرى، حيث تظهر الشخصيات وتتوارى، فيُكمل بعضها بعضا وتُصاغ غرائبيتها من إمكانية تأويل أفعالها، والمصائر التي تنتظر أصحابها وهم عنها غافلون.
 
من تل الشياطين إلى مقام الأولياء
 
على حدود القرية يقع ما يطلقون عليه «تل العلو» يحمل الجميع عنه ذكريات مرعبة، وللمفارقة فهذه الذكريات تم تواترها بالحكي، فأصبحت في منزلة اليقين من نفوس أهل المكان، فهناك تظهر الشياطين وأفعال السحر، وما شابه من مناخ الخرافات، الذي لا يستطيع الوعي القروي أو الشرقي بوجه عام الابتعاد عنه، فتُنسج الحكايات عن الكنز والآمال المتعلقة به، بل السعي للبحث عنه. وكذا تبدو السرايا الهائلة التي تعود إلى زمن بائد، الهانم الطيبة والبيك الذي كان، والذي قدّم ولديه قرباناً لهزيمة 1967، وانتهى به الأمر أقرب إلى الصوفي المثقف، منه إلى المجذوب، حالة الانجذاب هذه تتمثل في صورة مقابلة لشيخ الخفر في القرية، الذي عندما تقوده قدماه لزيارة السيدة زينب ومقامها الطاهر، يلوذ به ولا يعود مع امرأته، ويصبح من خادمي السيدة المباركة، وقد فطن لعدم جدوى خدمة الحكومة. ويبدو سعي الشخصيات بين التل الملعون والمقام الطاهر هو خط سير الجميع، كل حسب رحلته، ومعراج روحه الذي حاول أن يصعده.. نقود، نساء، سرقة، وقتل، كلها دروب الله التي لا يحدها عقل ولا منطق، فقط بصيرة وتسليم بقدر مسطور، ومنه تتولد الأساطير وتدور الحكايات التي لا تنتهي.
 
الشخصيات
 
يحاول المؤلف/الراوي أن يخطو بشخصياته ــ رغم نمطية بعضها ــ خطوات لمغايرة السائد، فلا توجد شخصية إلا وطالها مس أسطوري، يبدو حرص المؤلف تماماً على تجسيدها من خلاله، محاولاً خلق منطق روائي خاص بها ونفسياتها، فهناك على سبيل المثال.. الخفير الموصوم بفعلة أحد معتوهي القرية ــ الشخصية النمطية في عالم الفلاحين، خفيف العقل ومنتقد السلطة ــ فأصبح لا ينزل عن حماره وكاد أن يفقد وظيفته، بعدما فقد هيبته كرجل أمن، كذلك علاقة مثلية متوهمة طالت رجلا حتى قبره، وامرأة مات والدها وهي لم تزل طفلة تمسك بيده، لتسيل دماؤه وتلون ملابسها الطفولية، فتصبح قاتلة للإنكليز ضمن المقاومة الشعبية في السويس، وتأتي القرية لتشعلها بفتنتها، وكل عام في ليلة رؤيتها لدماء أبيها، تهبط النهر عارية تحت البرق والأمطار، وأخرى تتباكى تاريخها وتاريخ عائلتها، وهي جالسة فوق كتف عشيقها الواقف بالساعات يستمع إلى نهنهاتها في يأس، وكلب ضخم يطارد الغرباء، ويعرف لحظة موته فيموت بعيداً عن الجميع. وهكذا العديد من شخصيات وكائنات تنسج تفاصيل الحياة في تواطؤ دائم.
 
الزمن والتاريخ النضالي
 
نستشعر الزمن الروائي من خلال رحيل وعودة الشخصيات عن القرية، إضافة إلى تمريره من خلال الحكي أو تعليق الراوي على الأحداث، وكلها حوادث تلقي بظلالها على تكوين الشخصيات وأفعالها، كاستشهاد ابني الأسرة الإقطاعية في هزيمة يونيو/حزيران 1967، حيث تؤول ثروتهم إما لسارق مغتصب، أو رجل فيه شيء من القصور العقلي، إضافة إلى أحداث المقاومة في السويس، إشارة إلى مدن القناة، والمغترب الآتي من جنوب البلاد/الصعيد، ولا يعرف عنه أحد شيئا. هذه الأزمنة التي تتداخل ويتباين معها المكان وحكاياته، كلها تصبح ضمن نسيج حكايات القرية، التي إن رحّبت بالغرباء تظل تتحاكى بالأصول مهما طال أصحابها من فقر وجوع. هذه الأزمنة المرتبطة دوماً بالمآسي والكوارث في حياة المصريين، فلا فارق ما بين إنكليز وصهاينة وزعيم موتور، ولكن المزيد من التشوهات الإنسانية والحكايات المستمرة عن مخلوقات يتم تبجيلها رغم حقيقة خياناتها، فالجميع يلوكون الحكايات وكأنها تميمتهم ضد الموت. من ناحية أخرى تصبح الخلفية السياسية وأساطيرها من الزعماء الوهميين أشبه بالآلهة الضالة التي لا نسمع لهم ركزا، يتماسون وشياطين التل، وإن كان الأمل ينعقد على مساعدة ساكني التل، إلا أنه مفقود في ظل ساكني القصر الرئاسي. فالنضال هنا يصبح هو تاريخ الشخصيات العادية، وكيفية تحايلها على العيش وإنتاج صيغة للحياة، والتأرجح ما بين الخير والشر، ولحظات الاختيار وتبعاتها، هؤلاء هم مَن يستحقون البطولة وأن يُسطر تاريخهم قبل نسيانه. اللافت هنا يكمن في كيفية نشأة التقديس لفكرة أو شخص، الأمر محض مصادفات، ويأتي في الغالب من خيال خرف، ولكن التواتر هو ما يخلق هذه الحالة، ويجعلها باقية ومسيطرة وقابلة للتصديق، ولنا الحق في التأويل أكثر للعديد من الأحداث والتواريخ والنصوص المختلفة، ولا يستوي المقام إلا لتحقيق مآرب أخرى، وما على المؤمنين سوى الانتظار.
 
سلطة الراوي
 
وبما أننا في مقام أشبه بمقام الحكايات الشعبية، فالراوي يسرد ويعلق على الحدث، ويستشهد بأبيات الشعر القديم، ورغم محاولات الانفلات من السلطة والتأريخ لمخلوقات عادية، إلا أنه دون وعي مارس سلطته على النص، وكاد أن يُخرس الشخصيات لحساب تأويله وحرصه على خلق الأساطير، أداته في ذلك اللغة المتلونة، التي تنحاز دوماً للغة المراقب الساخر مما يحدث، والمنتقم من شخصية لحساب أخرى، والمستعرض لأحوال عباد الله، هنا يظهر صوت المؤلف أكثر، لتبدو حكمته أشبه بنغمة غريبة على إيقاع النص، كذلك الاستغراق بعض الشيء في الوصف، رغم البناء السردي للعمل ككل، والقائم على المقاطع القصيرة المعنونة.
 
الرواية: «سكان جزيرة القرش»
المؤلف: حمدي النورج
الناشر: بتانة للنشر 2016.
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات