عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Apr-2018

انبعاث القاعدة

 الغد-بروس هوفمان - (مجلس العلاقات الخارجية) 6/3/2018

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
في حين استحوذت "الدولة الإسلامية" المعلنة ذاتياً على عناوين الأخبار وشغلت ذهن مسؤولي الأمن القومي على مدى السنوات الأربع الماضية، كان تنظيم القاعدة يبني نفسه بهدوء. وكان إعلانه الصيف الماضي عن انضمام منظمة تابعة جديدة -مكرسة لتحرير كشمير- إلى جانب استعادة وجوده في أفغانستان وتقوية نفوذه في سورية واليمن والصومال، بمثابة تأكيد يبرز المرونة والحيوية المستمرة للتنظيم الذي يشكل العدو الإرهابي الأبرز للولايات المتحدة.
على الرغم من أن عملية إعادة بناء تنظيم القاعدة سبقت الربيع العربي في العام 2011، فإن الاضطرابات التي أعقبته ساعدت الحركة على إحياء نفسها. وفي ذلك الوقت، نشأ تفاؤل جامح بين النشطاء الحقوقيين المحليين والإقليميين والحكومات الغربية، والذي اعتقد بأن مزيجاً من الاحتجاجات الشعبية والعصيان المدني ووسائل الإعلام الاجتماعية سوف تجعل الإرهاب مجرد مفارقة تاريخية في غير زمانها وغير ذات صلة. وقيل إن التوق إلى الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي تغلب بطريقة حاسمة على القمع والعنف. ومع ذلك، وحيث رأى المتفائلون تغييراً إيجابياً لا رجعة عنه، اكتشف تنظيم القاعدة فرصاً جديدة مغرية.
وأسهمت عمليات القتل المتعاقبة في العامين 2011 و2012 لكل من زعيم التنظيم، أسامة بن لادن؛ وأنور العولقي، كبير دعاة الحركة؛ وأبو يحيى الليبي، الرجل الثاني على رأس قيادتها، في إضفاء ثقل جديد على توقعات المتفائلين بأن تنظيم القاعدة أصبح قوة مستنفدة. ومع ذلك، بالنظر إلى ذلك الآن، يبدو أن القاعدة كان من بين القوى الإقليمية التي استفادت أكثر ما يكون من الاضطرابات التي أنتجها الربيع العربي. وبعد سبع سنوات من بدء الربيع، خرج أيمن الظواهري كقائد قوي، ذي رؤية استراتيجية قام بتطبيقها بطريقة منهجية. وأصبحت القوى الموالية لتنظيم القاعدة وفروعه الآن تُعد بعشرات الآلاف، مع قدرة على إقلاق الاستقرار المحلي والإقليمي، بالإضافة إلى القدرة على شن الهجمات ضد أعدائها المعلَنين في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا وجنوب شرق آسيا وأوروبا وروسيا. وفي الحقيقة، نسج التنظيم، من شمال غرب أفرقيا إلى جنوب آسيا، حركة عالمية بأكثر من دزينتين من الفروع. وفي سورية وحدها، لدى تنظيم القاعدة اليوم ما يصل إلى 20.000 رجل تحت السلاح، وربما لديه 4.000 آخرون في اليمن ونحو 7.000 في الصومال.
الكاسب الكبير من الربيع العربي
عمل تحرير الرئيس محمد مرسي الآلاف من مقاتلي القاعدة المجربين من السجون المصرية في العامين 2012 و2013 على تقوية الحركة في لحظة حرجة، عندما ساد عدم الاستقرار وأصبح بوسع حفنة من الرجال المتمرسين جيداً في الإرهاب والتخريب إغراق بلد أو منطقة في الفوضى. وسواء كان ذلك في ليبيا، أو تركيا، أو سورية أو اليمن، كان وصول هؤلاء مُلهِماً عندما يتعلق الأمر بتعزيز مصالح تنظيم القاعدة أو تعظيم نفوذه. كما أعطى الانقلاب العسكري الذي أطاح بمرسي صلاحية لتحذيرات الظواهري المتكررة بعدم تصديق الوعود الغربية، سواء فيما يتعلق بثمار الديمقراطية أو بقداسة الانتخابات الحرة والنزيهة.
كانت سورية هي المكان حيث أثبت تدخل القاعدة أنه الأكثر إثماراً. وكان أحد أول أعمال الظواهري الرسمية بعد خلافة بن لادن كأمير للمجموعة هو توجيه الأمر لمقاتل سوري مخضرم مشارك في التمرد العراقي، يدعى أبو محمد الجولاني، بالعودة إلى الوطن لتأسيس فرع القاعدة الذي سيصبح في النهاية جبهة النصرة.
أدت رسائل تنظيم القاعدة الطائفية بشكل صارخ على وسائل التواصل الاجتماعية إلى زيادة حدة الخلافات التاريخية بين السنة والشيعة، ومنحت الحركة المدخل المطلوب إلى السياسة السورية الداخلية، الذي احتاجته لتعزيز وجودها في ذلك البلد. وكانت أداة القاعدة المختارة هي "جبهة النصرة" التي جاءت نتاجاً لمبادرة مشتركة مع فرع تنظيم القاعدة في العراق، الذي كان قد غيّر اسمه إلى "الدولة الإسلامية في العراق". ولكن، في حين نمت جبهة النصرة في القوة والتأثير، نشب نزاع بين القاعدة في العراق والقاعدة المركزي حول السيطرة على المجموعة، وفي استيلاء حاسم على السلطة، أعلن أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق، اندماجاً بين مجموعتي جبهة النصرة والقاعدة في العراق في منظمة جديدة تدعى "الدولة الإسلامية في العراق وسورية" (داعش). ورفض الجولاني الامتثال للاندماج الثنائي واستنجد بالظواهري. وتعمق الشجار، وبعد انهيار محاولات الظواهري للتوسط، تم طرد "داعش" من شبكة القاعدة.
على الرغم من أن "داعش" -الذي سمى نفسه منذ ذلك الحين "الدولة الإسلامية"- استأثر باهتمام العالم منذ ذلك الحين، فقد اشتغل تنظيم القاعدة في إعادة بناء نفسه وتعزيز فروعه المختلفة بهدوء. وطبق القاعدة بشكل منهجي استراتيجية طموحة تهدف إلى حماية قيادة العليا المتبقية وتعزيز نفوذه سراً حيث يوجد للحركة حضورٌ يعتد به. ووفق هذه الاستراتيجية، تم توزيع قادة الحركة في سورية، وإيران وتركيا، وليبا واليمن، مع بقاء نواة صلبة صغيرة فقط من بقايا كبار القادة في أفغانستان وباكستان. وساعد التقدم الذي تم إحرازه في مجال أدوات التواصل الرقمية التجارية، إلى جانب الكشف العلني المتتابع عن ماهية قدرات الولايات المتحدة وأجهزة الاستخبارات الحليفة في مجال التنصت والتعقب، ساعد في تمكين كبار قادة القاعدة وقاعدته العسكريين الميدانيين على إدامة الاتصال من خلال تقنية التشفير الآمنة الطرفية.
أهمية سورية
يُبرز عدد كبار القادة الذين تم إرسالهم إلى سورية على مدى السنوات الست الماضية الأولوية العليا التي تسندها الحركة إلى ذلك البلد. ومن بين هؤلاء القادة كان محسن الفضلي، الرفيق الحميم لابن لادن، والذي قاد -حتى وفاته في ضربة جوية أميركية في العام 2015- الذراع النخبوية العملياتية المتقدمة للتنظيم في ذلك البلد، والمعروف باسم "مجموعة خراسان". كما أنه اضطلع بعمل المبعوث المحلي للظواهري، المكلف بمحاولة ردم الشق بين القاعدة و"داعش". وتم إرسال حيدر كيركان، وهو تركي الجنسية وناشط كبير منذ وقت طويل، والذي كان بن لادن بنفسه قد أرسله إلى تركيا في العام 2010 لوضع الأسس لتوسيع الحركة في منطقة بلاد الشام، قبل أن يتيح الربيع العربي تلك الفرصة بالتحديد. كما كان كيركان مسؤولاً أيضاً عن تسهيل حركة أفراد كبار آخرين في القاعدة من باكستان إلى سورية، لتمكينهم من الهرب من حملة الغارات المتصاعدة بالطائرات المسيرة التي أطلقها الرئيس باراك أوباما. وقُتل كيركان في العام 2016 في غارة قصف أميركية.
ثم آذن الخريف الماضي بوصول سيف العدل، الذي يقال إنه أكثر قادة الحركة صلابة بفضل خبرته في المعارك. والعدل قائد كتيبة سابق في الجيش المصري، والذي يشمل تاريخه الإرهابي الذي يعود وراء إلى السبعينيات مؤامرات اغتيال ضد الرئيس المصري أنور السادات، وتفجيرات العام 1998 للسفارات الأميركية في كينيا وتنزانيا، وحملات القاعدة الإرهابية بعد 11/9 في السعودية وجنوب آسيا. كما عمل أيضاً مرشداً لوريث بن لادن المفترض، ابنه حمزة، بعد أن سعى العدل والغلام إلى الملاذ في إيران بعد بدء العمليات العسكرية للولايات المتحدة والتحالف في أفغانستان في أواخر العام 2001. ويشكل ظهور بن لادن الأصغر في سورية هذا الصيف الماضي دليلاً جديداً على تركيز الحركة على بلد أصبح الميدان الأكثر شعبية على الإطلاق لشن حرب مقدسة منذ الجهاد الأفغاني الأساسي في الثمانينيات.
في واقع الأمر، فإن وجود القاعدة في سورية هو أكثر إماتة بكثير من وجود "داعش". والآن، تشكل "هيئة تحرير الشام"، الاسم الأخير الذي تبناه فرع القاعدة المحلي، أكبر مجموعة من الثوار في البلد، بعد أن بسطت سيطرتها في العام الماضي على محافظة إدلب بجوار الحدود السورية التركية. وجاء ذلك تتويجاً لعملية بدأها القاعدة قبل أكثر من ثلاث سنوات للقضاء على الجيش السوري الحر أو أي جماعة أخرى تتحدى طموحات التنظيم الإقليمية.
ملء الفراغ الذي تركه "داعش"
لم يعد "داعش" ينافس تنظيم القاعدة حين يتعلق الأمر بالنفوذ، والوصول، أو القوة البشرية، أو التماسك. وما يزال "داعش" حالياً أقوى من منافسه في بعدين فحسب: قوة ماركته؛ وقدرته المفترضة على شن هجمات إرهابية مشهدية في أوروبا. لكن هذه الميزة الأخيرة هي نتاج لقرار الظواهري الاستراتيجي بحظر العمليات الخارجية في الغرب، حتى يستطيع القاعدة استكمال إعادة بناء نفسه من دون تدخل. وتُقدم حفنة الاستثناءات القليلة لهذه السياسة -مثل هجمات صحيفة شارلي إبدو في العام 2015 في باريس وتفجير مترو سانت بطرسبورغ في روسيا في العام 2017- دليلاً دامغاً على أن قدرات شن العمليات الخارجية لتنظيم القاعدة يمكن أن يعاد بناؤها بسهولة. وكانت قدرة فرع التنظيم المتمركز في اليمن، "القاعدة في شبه الجزيرة العربية"، على ارتكاب أعمال الإرهاب الدولي –خاصة استهداف الطيران التجاري- موضوعاً لقصة منبئة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً.
جاء نجاح تنظيم القاعدة في إعادة إحياء شبكته العالمية نتيجة لثلاث خطوات استراتيجية اتخذها الظواهري: كانت الأولى هي اعتناق نهج تقوية ولامركزة الفروع الخارجية، الأمر الذي سهل بقاء الحركة على قيد الحياة. وعلى مدى السنوات، تم دمج قادة ونواب فروع القاعدة القصية في عمليات الحركة التداولية والتشاورية. واليوم، أصبحت حركة القاعدة "محلية -عالمية" حقاً، بعد أن ضمت المظالم ومواطن الشكوى المحلية في رواية عالمية تشكل الأساس لاستراتيجية كبيرة جامعة.
كانت الخطوة الرئيسية الثانية التي اتخذها الظواهري هي الأمر الذي أصدره في العام 2013 بتجنب العمليات التي تخلف خسائر جماعية، خاصة تلك التي قد تقتل مدنيين مسلمين. وبذلك تمكن القاعدة من تقديم ناشطيه من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية، وفيما ينطوي على مفارقة، على أنهم "متطرفون معتدلون"، مستساغون ظاهرياً أكثر من "داعش".
يعكس هذا التطور قرار الظواهري الاستراتيجي الثالث: جعل "داعش" هو الذي يتلقى كل الضربات من التحالف الذي اجتمع ضده، في حين يقوم القاعدة بإعادة بناء قدرته العسكرية من دون أن يُلحَظ. وسوف يُحسن أي شخص يميل إلى أن ينخدع بهذه الحيلة صنعاً إذا استمع إلى اعتراف ثيو بادنوس (بيتر ثيو كورتيس)، الصحفي الأميركي الذي قضى سنتين في سورية رهينة عند جبهة النصرة. وقد روى باندوس في العام 2014 كيف أن كبار قادة المجموعة "لم يكونوا يوجهون الدعوة للغربيين للقدوم والجهاد في سورية لأنهم يحتاجون إلى مزيد من الجنود المشاة -لم يفعلوا- وإنما لأنهم يريدون أن يعلِّموا الناشطين الغربيين كيفية أخذ الصراع إلى كل حيٍّ ومحطة مترو هناك في الوطن".
وهكذا، ثمة تماثل بين تصوير مدير المخابرات الوطنية الأميركية لتهديد القاعدة اليوم على أنه مقصور بشكل أساسي على فروعه، وبين ما تدعى "الحرب الزائفة" في أوروبا الغربية بين أيلول (سبتمبر) 1939 وأيار (مايو) 1940، عندما حدثت تهدئة غريبة في القتال الجدِّي في أعقاب غزو ألمانيا لبولندا وإعلان بريطانيا وفرنسا الحرب على ألمانيا. وفي ذلك الحين، زار رئيس الوزراء، نيفيل شامبرلين، القوات البريطانية المحتشدة على طول الحدود الفرنسية-البلجيكية في عيد الميلاد. وسأل الجنرال بيرنارد لاو مونتغمري، الذي كان قائد وحدة مشاة تدافع عن الجبهة: "لا أعتقد أن لدى الألمان أي نية لمهاجمتنا، أتظن ذلك؟" وأجاب مونتغمري -بطريقة موارِبة- أن الألمان سوف يهاجمون عندما يناسبهم ذلك. وهي نقطة جديرة بإبقائها في الذهن بينما يعمل تنظيم القاعدة بلا كلل على إعادة بناء وحشد قواته لمواصلة حربه ضد الولايات المتحدة، التي كان قد أعلنها قبل اثنتين وعشرين سنة.
 
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Al-Qaeda’s Resurrection
 
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات