عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    23-Apr-2018

الحياة حينما تأسرنا بمتناقضاتها

 

ربى الرياحي
 
الغد- لم نعتد بعد على توقع ما لا نريد توقعه، ولم نستطع أيضا تفسير حالة التناقض تلك وإصرارها على اجتياح دواخلنا بدون مقدمات تذكر. ما يستوقفنا حقيقة في غمرة انشغالنا بالحياة، هو ذلك الاستفسار غير المفهوم حينما نحاول الإصغاء لهواجس عابرة اخترقت حدودنا الآمنة ورغبتنا في مواصلة السير نحو الأمام.
كل ذلك يدفعنا بالتأكيد إلى التفكير مليا في سر انجذابنا للحياة، وما إذا كان هناك ما يكفي لنعيش من أجله، وهل الحياة التي هي عبارة عن إحساس نقترفه تستحق منا أن ندافع عن وجودنا فيها ونتمسك بها ونمارسها مستمتعين بالحب والسعادة والأمل؟
لا أحد منا ينكر أن ثمة وجها آخر للحياة التي تبكينا وتقسو علينا وترغمنا أحيانا على اليأس والتراجع والجمود، لكننا أيضا نفهم بدون كثير من المبررات، أن واقعنا تجتمع فيه سلسلة طويلة من التناقضات التي تشعرنا بأننا ربما عاجزون عن تحديد ما نريد والشروع تدريجيا في تغيير أنفسنا، لنتمكن من مجاراة الحياة بما ينسجم وتطلعاتنا.
نحن ولأننا نرفض أن نقف على جانب الطريق غير مكترثين بالحياة، نختار أن يكون حضورنا لافتا ذا أهمية. لذا نتجاهل تلك الفكرة التي تؤيد قرار الانسحاب والتخلي عن ضجيج التحدي والمواجهة وإثبات ما يحاول الآخرون التشكيك فيه أو حتى مهاجمته.
مع إقناعنا المستمر بأن الحياة لا يمكن الاعتماد عليها دائما لأنها باختصار قد تسير بنا إلى حيث نشتهي ونتمنى، وتحقق لنا رغباتنا وتمنحنا كل ما نريد، ولكنها في لحظة فوضوية مجنونة قد تسرق منا كل ذلك، وتدعنا نتحسر على أجمل ما كان بين أيدينا وسط كل تلك الغرابة والعبثية غير المختلقة.
رغبتنا في فهم حقيقة الحياة، وكيف بإمكانها أن تكون قريبة منا في متناولنا، وفي الوقت نفسه بعيدة لدرجة أننا لا نستطيع الوصول إليها، تجعلنا نرتكن لمصادفاتها المتعاقبة والمتلاحقة التي قد يكون بعضها موجعا وبعضها الآخر قد يغمرنا بسعادة تملأ قلوبنا حبا ودفئا، كما أنها أيضا قد تفتح أمامنا كل الأبواب التي لطالما اعتقدنا أنها ستظل مغلقة للأبد. نفورنا من الحياة يأتي حينما نعجز عن صناعتها كما نشتهيها أن تكون، نفقد إحساسنا بها بمجرد أن يتسلل إلينا الضجر أو ربما القلق.
ما يدهشنا هو تناقضها المحير الذي يفرض علينا أن نتأنى في تقييمها، وتحديدا عندما تقرر أن تبدأ من حيث تنتهي أو أوشكت على الانتهاء، ولكن الأغرب من ذلك هو أنها قد تنتهي أيضا عند كثيرين من حيث تبدأ. 
وفي جميع الحالات، الكل يبحث عن مبرر ما يدفعه للإقبال على الحياة أكثر ومعرفتها جيدا، ليكون على الأقل بمقدوره خلق عالمه الذي يعيش فيه متصالحا مع ذاته ورغباته وأفكاره وتمنياته وحتى مع آلامه وخيباته وانكساراته. 
إن قدرتنا على التعامل مع منزلقات الحياة التي قد تعترضنا هنا وهناك، تتطلب منا أولا أن نعرف أننا نمتلك القرار الذي يمكننا من أن نكون أحرارا ذاتيا، ومن ثم يصبح من السهل علينا أن نغوص في قلب الواقع، محددين ماذا نريد منه بالضبط، معتمدين في ذلك على تجاربنا وتأملاتنا وتساؤلاتنا حتى لا نبدو متأخرين عن الحياة عن فهمها وإدراكها في الوقت المناسب، وربما متأخرين عن معرفة تفاصيلها وإيجاد مفرداتها كما يجب.
قرارنا بارتياد الحياة يأتي من ممارستنا لها بحب وإرادة باعتبارنا جديرين بصياغتها تماما كما نتمناها أن تكون هي ذاتها، الحياة الحاضرة دائما في أعماقنا تلهمنا المغامرة والشغف والفرح والتألق، مؤكدين بذلك واقعية وجودنا والتفاعل مع المجريات بثقة.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات