عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Aug-2016

الأنثروبولوجيا الجديدة حول فلسطين في بدايات القرن العشرين

...أحوال الزواج في قرية «أرطاس»
 
القدس العربي-محمد تركي الربيعو:قدمت إلى فلسطين في منتصف العشرينيات من القرن الماضي، باحثة أنثروبولوجية هي هيلما غرانكفست (1890-1972). يومها، كان هدف قدومها استكمال بعض الأبحاث التي كانت تعنى بشكل أساسي بمسألة البحث عن نساء الأزمنة التوراتية في المجتمع الفلسطيني المعاصر، حيث اتضح لها أثناء عملها على تاريخ المرأة في العهد القديم التوراتي أنه لا يمكن الحصول على نتائج مرضية عن هؤلاء النساء، إذا ما اقتصر البحث على المناهج التوراتية في تناول الأرض المقدسة.
ولذلك بات يحدو الباحثة الأمل أن تتيح لها مراقبة الحياة والأحوال في الأراضي المقدسة المزيد من الفهم للمشكلات المتعلقة بالنساء، وبالتالي تقديم تصور آخر عنهن. وقد اختارت الباحثة يومها قرية «أرطاس» الواقعة إلى الجنوب من بيت لحم كعينة عن المجتمع الفلسطيني لتعميق دراساتها، بيد أنه وبعد فترة وجيزة من المقام في القرية، عزمت الباحثة على تغيير خطة عملها ومنهجها بالكامل. فبدأت تنأى بنفسها تدريجياً عن المناهج والرؤية التوراتية، كما أخذت تفند المبادئ الأساسية للاستشراق، من دون أن تنسلخ عن هذا المنهج انسلاخاً تاماً. وخلافا لزملائها، لم تعد تضفي منظوراً توراتياً على المجتمع الفلسطيني لمحاولة العثور على آثار للحياة في العهد القديم، كما أنها أخذت تبدي تأثراً كبيراً بملاحظات ومنهجية كل من الأنثروبولوجي البريطاني ادوارد ويسترماك (1862-1939)، والأنثروبولوجي البولندي برونسلاف مالينوفسكي. إذ يشير صاحب موسوعة «تاريخ الزواج»، إدوار ويسترمارك، في موضوع المنهج، إلى ملاحظة مفادها «أنه من المآخذ الشائعة على المنهج المقارن أن ينزع الظاهرة الثقافية من الكيان الكل التي هي جزء منه، وبذلك يصورها من منظور خاطئ»، ورغم أن ويسترمارك يرى الصوابية في الكثير من هذه الملاحظات والكثير من المغالاة أيضاً إلا أنه يؤيد فكرة الحاجة إلى دراسات أحادية لفئة محددة من الظواهر أو المؤسسات الاجتماعية، ضمن مجموعة معينة من القبائل التي تجمعها أواصر قربى، لا لشيء، إلا لأن الظواهر الاجتماعية ليست ظواهر معزولة، وإنما هي شديدة التأثر بالأحوال المحلية والبيئة المادية، والظروف المعيشية للناس تحت الدراسة، وعاداتهم، وخصائصهم الذهنية. ويكون أخذ هذه العوامل مجتمعة في الحسبان أيسر إذا ما اقتصرت دراسة أحوال الزواج في قرية على قوم أو مجموعة عرقية واحدة، عوضاً عن سعي الدراسة إلى الإحاطة بمؤسسة اجتماعية ما موجودة على امتداد العالم غير المتحضر كله.
ولعل ملاحظات ويسترمارك السابقة عبرت عنها غرانكفست في سياق دراستها لأحوال الزواج في قرية أرطاس عبر قولها «إذا ما رغب عالم الأنثروبولوجيا الميداني في إنجاز عمل مستفيض وموثوق، فمن الحكمة أن يحصر اهتمامه في منطقة محددة يمكنه أن يتطلع إلى الإحاطة بجميع جوانبها، ومن الممتع جداً أن نرى كيف ينعكس كل شيء في عالم مصغر، يمكن للمرء فيه أن يلاحظ كل التفاصيل الصغيرة، فلا يفقد الباحث توازنه وصلته بالواقع من خلال الأفكار التجريدية والتعميمات».
وتوضيحاً للرؤية المنهجية السابقة تقول الباحثة «إن الأدبيات المتوافرة عن فلسطين لا ترقى إلى المستوى المطلوب، فلدى قراءة عمل ككتاب جيمس فريزر «الفلكور في العهد القديم» حيث يتوقع القارئ تماماً أن يورد المؤلف شواهد من الأراضي المقدسة، إلا أن ما يلفت الانتباه أن الكاتب جمع مادة غزيرة من أدبيات العالم بكل عناية وإحاطة، لكنه لم يورد من فلسطين إلا النزر اليسير، ما يدل على شح الدراسات الأنثربولوجية عن هذه البلاد».
ولعل هذا الشح في الدراسات الأنثروبولوجية لا يعزى بحسب الباحثة إلى قلة الشواهد أو المادة، وإنما يعود في جانب كبير منه إلى أن هذه المادة لم تجمع وتدون حتى الآن، والسبب في ذلك أن جامعيها لم يتجنبوا خطرين: أولهما ذلك الذي يخص «الأراضي المقدسة» دون غيرها والذي تسميه بـ«الخطر التوراتي». فهؤلاء انجروا من دون تمحيص إلى القول بأن العادات والتقاليد والنظرة إلى الحياة الموجودة اليوم في فلسطين، تماثل تلك الواردة في الكتاب المقدس، ولا سيما في العهد القديم. ففي كثير من الأحيان، يجد المرء نفسه مفتوناً بفكرة بناء جسر بين الماضي والحاضر من خلال دمج الشواهد الحديثة بالمشاهد التوراتية، ولا مفر من الاعتراف بأن هذا التوافق بين القديم والحديث موجود، فالأرض والطبيعة تحققان ذلك، ولكن ينبغي للمرء أن يتذكر دائماً أن التراث مدار البحث هو تراث العرب المسلمين وليس تراث اليهود وهذه فترة زمنية لا يمكن تفنيدها بمجرد الاستناد إلى كتاب الشرق الذي لا يتغير.
أما الخطر الآخر الذي يتعرض له البحث في الفلكور الفلسطيني، فيتمثل – بحسب الباحثة – في التعميمات التي تطغى على وصف العادات والتقاليد، بما لا يتفق مع الفروق الكبيرة المتعلقة بالبلدان والناس التي يشار إليها على الدوام. إذ كان الكتّاب الأوائل قد جمعوا المعلومات من هنا وهناك، ثم لم يتورعوا عن تقديمها على أنها فلسطينية على وجه العموم. وبالطبع لا بد من وجود تشابه عظيم بل تطابق لكثير من العادات والتقاليد ووجهات النظر بين المناطق الفلسطينية المختلفة، ولكن ما دامت المقولة التي تتردد عن الاختلافات الكبيرة في العادات والتقاليد ووجهات النظر بين الناس في أماكن مختلفة من فلسطين تتضمن شيئاً عن الصحة، فيجب أن تكون البيانات أكثر عمقاً وتفصيلاً.
 
الزواج في قرية أرطاس:
 
بالعودة إلى متن الأطروحة التي قدمتها الباحثة والتي نشرت مؤخراً عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، نجد أن الباحثة تقدم دراسة لجميع وقائع الزواج في قرية أرطاس على مدى مئة عام خلت، أي من أربعة إلى خمسة أجيال. إذ بدأت بأكبر رجل يذكره الناس في كل عشيرة، ثم انتقلت إلى أولاده وأحفاده وأحفاد أولاده… وهكذا حتى وصلت إلى الوقت الحاضر. وفي كل حالة طرحت الأسئلة التالية: ما اسم الزوج؟ هل ما زال على قيد الحياة؟ هل هو متزوج من واحدة أم متعدد الزوجات؟ هل هناك صلة قربى بين الرجل وزوجته؟ وإذا كان كذلك فما هي (هل هم أبناء خالات؟ أم أبناء أعمام؟…إلخ ) وإذا لم تكن الزوجة من أقارب الزوج، فهل هي من القرية نفسها؟ وإذا كانت كذلك، فمن أي عشيرة في القرية هي؟ وإذا كانت كذلك، ماذا قدم مقابل العروس؟ وإذا كان للعروس مهر فما هو؟ وإذا كانت بدلاً، فمن أي نوع؟ بمن استبدل الرجل عروسه (باخته، بابنته، بابنة عمه …الخ)؟ وهل كان هناك أولاد من هذا الزواج؟ كم من الأولاد؟ وكم من البنات؟ وما اسماؤهم؟ هل انتهى الزواج بالطلاق؟ وإذا كان كذلك، فما السبب؟ هل انتهى الزواج بموت الرجل أو المرأة؟ هل تزوج من بقي منهما على قيد الحياة مرة أخرى؟ وإذا كان كذلك، فما الدافع؟ وما نوع الزواج الجديد (هل هو زواج الأرملة من أخ المتوفى، أو زواج الأرمل من أخت المتوفاة ..؟ هل ثمة ما يستحق الملاحظة أو التدوين عن أولئك الناس مدار البحث في ضوء هذه النقاط المختلفة، أو بأي صورة أخرى؟ وقد أدرجت الباحثة الإجابات عن هذه الأسئلة جميعاً في أعمدة، لتشكل قوائم عائلية تحتوي جميع المعلومات المتعلقة بعقود الزواج في القرية خلال فترة مئة عام. دخل مئة وتسعة وتسعون رجلاً في ما مجموعه مئتان وأربعة وستون عقد قران في هذه الفترة. وباستخدام هذه الوسيلة حصلت على مجموعة كاملة من الوقائع المتعلقة بالأفراد وبمصائرهم.
فنجد مثلاً في موضوع اختيار العروس، وصفا للقواعد والضوابط التي وضعها المجتمع لاختيار الزوج، ومما تذكره الأنثربولوجية هنا أن هناك أشكالا كثيرة للزواج وليس غريباً أن نجد أمثالاً كثيرةً تعبر عن الخبرات المتراكمة بهذا الصدد، بعضها له دلالات إيجابية ولبعضها الآخر دلالات سلبية، مثل (صحن المشمش لا تكمش دور على اللوزية) أو (كل الحليب أبيض، الدور على الأصل). نرى هنا كيف تؤكد هذه الأمثال ضرورة أخذ الجذور والأصل في الحسبان، بل يشمل النظر في كثير من الأحيان، الأصول المشتركة للفتاة والشاب.
أما عن انتقاء العروس، فقد تبين للباحثة من خلال دراستها أنها غالباً ما تنتقى من إحدى ثلاث مجموعات، إما من عشيرة (حمولة) العريس نفسها (زواج عشيرة أو زواج حمولة)، ويفضل أن تكون ابنة العم، ويشكل زواج «ابناء العم» فئة خاصة ضمن مجموعة زواج العشيرة. وقد يقع الاختيار على عروس من عشيرة ثانية، ولكن من القرية نفسها (زواج القرية)، أو ينتقي الشاب فتاة من مكان آخر ( زواج من غريبة أو أجنبية). وأهم هذه المجموعات عند الفلاحين هي المجموعة الأولى، ولا سيما زواج ابناء العم، ومع أن الرجل لا يجبر على الزواج من ابنة عمه، لكن بالنسبة لهم فإن ابنة عمه هي في العادة خير زوجة يمكن أن يتمناها فـ (بنت العم حمالة الجفا، أما الغريبة بدها تدليل). وليست ابنة العم هي الزوجة الأفضل لحسن مسلكها وحسب، وإنما هي بشكل عام العروس الأجدى اقتصادياً كذلك، لأن ابن العم ينبغي أن يحصل عليها بمهر أقل من أي رجل آخر. ومن الطبيعي أن ينجم عن هذا تضارب في المصالح بين العريس وابي العريس، إن لم تكن وشائج القربى متينة جداً وحية في قلوبهم. وإذا لم يتسنَ للرجل الزواج من ابنة عمه (بنت العم) لسبب أو لآخر، فعلى العريس الذي تزوج ابنة العم أن يقدم تعويضاً ما وهو ما يشير بوضوح إلى أحقية الرجل القانونية بابنة عمه، كما يحق له أن يأخذها حتى إن كانت على ظهر جمل العرس. وليس هذا كلاماً نظرياً وحسب، فعندما يطالب الرجل بابنة عمه، على الآخرين أن ينسحبوا. ومن الطريف أن الأقارب ليس لهم الحق نفسه، فأولاد الأقارب (أولاد العم وأولاد الخال) ليسوا سواء في المنزلة، وترى هيلما غرانكفست أن سبب المكانة القوية التي يتمتع بها ابن العم يمكن تفسيره من أكثر من جانب، لكن يبقى أهمها العامل المتعلق بمسألة الإرث. فالزواج من ابن العم يفضل على الزواج من غيره، منعاً لحيازة الغريب لأملاك العائلة وميراثها. فمع أنه من النادر أن يموت رجل من دون أن يخلف اولاداً، فإن ذلك يبقى محتملاً، مما يجعل الناس يحبذون زواج أولاد العم. فلا ينبغي لغريب أن يدخل في العشيرة، بما في ذلك ابن الخال إذا كان من عشيرة أخرى، إلا إذا كان والد الفتاة قد تزوج من عشيرته نفسها. ويدل الواقع أن ابن الخال يكون في كثير من الأحيان، من عشيرة أخرى أو من مكان آخر. ويسري الأمر نفسه على ابن العمة بالنسبة إلى الفتاة .من هنا يتضح أن الموقف القوي لابن العم، مقابل الأقارب الآخرين، يستند إلى أنه هو وحده الذي يكون دائماً ابناً للعشيرة، وتكون مصلحته الخاصة جزءاً من مصلحة العائلة والعشيرة، فيما ينتمي الأقارب الآخرون إلى مجموعة غريبة لها مصالح خارجية. وتكون العائلة الكبيرة، المكونة من عدد من الأسر على أهبة الاستعداد دائماً للنهوض بواجبها عند حدوث الملمات.

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات