عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    13-Mar-2017

يعرض على المسرح القومي في القاهرة: العرض المسرحي «المحاكمة» صراع بين العقل والنص المقدس

«القدس العربي» محمد عبد الرحيم: عن النص المسرحي «ميراث الريح» للأمريكيين جيروم لورانس وروبرت لي، المكتوب في عام 1950، ونُشر في عام 1955 نظراً لمناخ المكارثية الذي كان يضرب الولايات المتحدة وقتها. والنص المسرحي بدوره مُستمد في الأساس من واقعة حقيقية حدثت للأمريكي جون توماس سكوبس، المدرس الذي قرأ على تلاميذه جزءاً من كتاب «أصل الأنواع» لتشارلز داروين.
كان ذلك في عام 1925، فتمت محاكمته وأصبحت قريته مسرحاً لهذه المحاكمة التي استمرت أحد عشر يوما، وعُرفت باسم «محاكمة القرد»، نسبة إلى نظرية النشوء والارتقاء، التي قال بها داروين في كتابه. ويبدو أن المناخات المتشابهة هي التي توحي بكتابة مثل هذه الأعمال، أو التفكير في إعدادها للعرض المسرحي، فما حدث في خمسينيات القرن الفائت في أمريكا، أصبح يحدث في مصر الآن. فكل عقل لا يتفق حرفياً مع مؤلفات حازت بالمصادفة صفة القداسة يتم تكفيره. فجاء عرض «المحاكمة» الذي أعده وأخرجه طارق الدويري، ويعرض الآن على المسرح القومي في القاهرة. العرض أداء: أشرف عبد الغفور، سامي عبد الحليم، عماد الراهب، حمادة شوشة، سلمى الديب، سامح فكري، عبد العزيز محمد، زين نصار، عادل خلف، وفاء عبده، عاصم سامي وهند حسام. ديكور محمد جابر، ملابس لنا علي، إضاءة أبو بكر الشريف، موسيقى تامر كروان.
 
الصراع وتوابعه
 
يبدو أن مناخ العصور الوسطى في فترات الضعف والانحلال الفكري هو المسيطر دوما على الجميع، وما حالات الوعي إلا استثناءات أو ومضات في تاريخ الشعوب، خاصة شعوبنا وما تحمله من إرث ثقيل يتمثل عدوّه الأول في (العقل) وإمكاناته. هنا تصبح النصوص المقدسة وتفسيراتها الحرفية نهجاً مُسلطاً على الجميع اتباعه دون الفكاك منه، أما الخروج عن هذا الإطار المرسوم والمحكوم بدقة، فالهلاك مصير صاحبه. ومن غاليليو وحتى شخصية المدرس في العرض، وصولاً إلى ما نحياه اليوم من حبس وتنكيل بكل رأي، يحاول أن يختلف مع هذا الإرث، أو بمعنى أدق يحاول أن يفكر، فقائمة التهم جاهزة. وما بين عبارة «ما ورثته عن أبي هو خير لي وكفاية» وعبارة «حقك في أن تكون على خطأ»، يدور الصراع الذي لن ينتهي.
 
رجل الدولة ورجل القانون
 
وكل من المقولتين تتمثلهما على الترتيب شخصية (رجل الدولة) المفوّه، والمرشح الانتخابي للرئاسة لأكثر من مرّة، الذي يحاول الوصول إلى السلطة، و(رجل القانون) المعروف بين الجميع باسم (الشيطان)، وهو ما يحاول بثه في عقول الجموع كل من رجل الدولة ورجل الدين المتحالف معه ومحافظ المدينة، وما شابه من كل أفراد السلطة الحاكمة، فالرجل لا يؤمن إلا بالعقل وإعماله في كافة شؤون الحياة، وأن النص المقدس يحمل تعاليم عامة، وعلى العقل التحاور معه دوماً، فهل كان اختراع القطار على سبيل المثال منصوص عليه في الكتب المقدسة؟ وبالتالي فهل يصبح وجوده خيراً أم شر؟ وهكذا تتوالى الحوارات ما بين رجل يدافع عن حق شخص في التفكير، وآخر يرى في هذا التفكير لعنة وجريمة تستوجب العقاب، فالجاني من وجهة نظره يعبث بالأصول، ويعمل على انهيار المجتمع والدولة. الأمر مرهون بالسلطة التي يستمدون منها وجودهم، من خلال الصراع من فوق المنابر العامة، دون تفرقة ما بين سرادق انتخابي ومنبر مبنى حمل مصادفة صفة القداسة.
 
تجهيل الجموع
 
وبالطبع لا يعمل هؤلاء بمفردهم، فلا بد من استخدام الجموع من الشعب، والعمل دوماً على تجهيلهم وجعلهم يكفرون بالعقل وقدراته ــ هم بالأساس لا يفقهون شيئاً في النصوص المقدسة ــ حتى يصبحوا طوع مدّعي التقديس، الذين بدورهم يحملون صفة القداسة، وحتى لا تمس هذه الشخصيات فالارتكان والاستشهاد دوماً بهذا النص الموسوم بالتقديس. هنا يصبح الخروج على أقوالهم وأفعالهم جريمة، وحتى لا يواجهون ذلك لتنكشف تفاهتهم، يُصدّرون الجموع لتمارس انتقامها من أي خارج على ما تربّت وعاشت عليه من أفكار وأقوال مُنتحلة ــ غير موثوق بها ــ ولكنها فقط استمدت شكلها المقدس من التواتر، وبالتالي أصبحت إرثاً من الصعب التخلص منه أو حتى زحزحته قليلا لصالح أفكار ومعتقدات مختلفة، فسِمة الاختلاف لا يُعترف بها على الإطلاق، طالما أن هذه السلطة أو تلك تستمد وجودها وكيفية سيطرتها على الجميع من خلال هذه الكلمات المسطورة منذ قرون بين دفتي كتاب أصبح مقدساً، وهو الذي من قبل لم يَكُ شيئا.
 
العرض المسرحي
 
حاول مخرج العرض قدر استطاعته إيجاد معادلات بصرية وحركية تعبّر عن النص وتوحي به قدر الإمكان. فالنص حواري وجدلي بالأساس. فكان عليه أن يختصر الكثير وأن يعيد رسم ودمج بعض الشخصيات. ومن خلال شخصيتي المحامي ورجل الدولة تدور الحكاية أو الصراع الفكري بين الكائن وما يجب أن يكون، بين الإرث ومحاولة التفكير. ليرتدي المحامي على سبيل المثال ملابس سوداء، فهو في نظر الجميع شيطان يكفر بالكتب المقدسة، بينما خطيب الأمة المفوّه يرتدي الملابس البيضاء، فصورته في أعين الجماهير كهذه. لكن هناك بعض الغموض في الأحداث والشخصيات، فالمأساة الحقيقية تكمن في الفتاة وهي ابنة الكاهن وحبيبة المتهم، المؤمن ولو بقدر ما بأفكار (داروين)، بدت مأساتها في العرض وكأنها تتمثل فقط في شهادتها بالحق أمام المحكمة، في قولها الحقيقة حول أفكار فتاها، إلا أن مأساتها الأكبر تكمن في تجسيد هذا الصراع، بديلاً عن الحوارات الطويلة بين رجل الدولة ورجل القانون. فمحور العمل الفني هنا تم نسيانه لصالح المقولات والحوارات الخطابية، والعبارات التي من الممكن أن تشد تصفيق الجمهور. أما الفتى فهو بدوره كائن يقف وراء قفص، صوته ضعيف وتعبيراته محدودة ــ وفق النص الذي تم إعداده ــ فالمخرج بدوره دار في فلك السلطة ومارسها لأقصى حد، واهتم بالمقولات والعبارات الكبرى، التي لها مردودها بين الناس الآن ــ فكل يوم يُسجن أحد لأنه اختلف مع مقولات السلطة التي فقط تستغلها ولا تؤمن بها بالأساس ــ لتصبح من قبيل .. (بُص .. إحنا بنقول كلام مهم).
 
التشكيل البصري
 
من خلال ديكور يحوّل المكان إلى ساحة صراع، وبين أقفاص حديدية وأسلاك، وسلم يصعد إلى السماء وألوان يغلب عليها الطابع الرمادي الذي تشتهر به السجون، اللون مقبض ويدل على التفكير الأحادي والقسوة، إضافة إلى إضاءة حاولت جاهدة التعبير عن هذه الأجواء المقبضة، الخفوت والقتامة، بالتباين مع مشهد المحاكمة الأخير/الجلسة الأخيرة بين الرجلين، التي أصبحت كمباريات الملاكمة، حيث الأضواء المزعجة المُسلطة على الخصمين، خاصة رجل الدولة، والمحامي يدور حوله ويُجهده بالأسئلة التي تقضي عليه في النهاية.
 
التقنية المسرحية
 
عمل المخرج على كسر حالة الإيهام، وجعل من المسرح وجمهوره ساحة كبيرة لجلسة المحاكمة، كوجود المحلفين بين الجمهور، ونزول الشخصيات إلى الصالة، والتجول بينهم وكأنهم يسيرون في شوارع وطرقات المدينة، ومنهم قارع الطبول، العازف، البائعة، فتاة الليل ــ التي ستصبح بالمصادفة مذيعة في إحدى الفضائيات ــ وبائع الكتب المقدسة، القرداتي الذي يتصدر (قرده) الأحداث، بما أن القضية تثار بسبب داروين. وكذلك توزيع بعض الأوراق على الجمهور، وكأنهم يتشاركون مع المحلفين حول المتهم، هل هو مذنب أم لا؟ إضافة إلى المزج بين الفصحى والعامية.
من ناحية أخرى جاء استخدام الشاشة الخلفية لعرض بعض اللقطات المصورة، التي لم تضف إلا بعض التشوّش إلى العرض ــ رغم جماليات الصورة الكلية لهذه المشاهد وتنفيذها بحرفية ــ إلا أن التساؤل يدور عن فائدتها الدرامية في العرض، فتوظيفها هنا لم يكن على مستوى تنفيذها، وكأنها لوحات منفصلة عن الموضوع، لم تضف إليه، إضافة إلى تكرارها وقطعها للسرد أكثر من مرّة بلا سبب.
 
الإيقاع
 
والحديث عن الإيقاع هو التجسيد المباشر للخلل الأساسي، ما بين النص المسرحي وكيفــــية إعداده، ماذا أخذ المخرج والمعد من النــــص، وماذا ترك منه، وكيف عالج الموضوع من البداية، لذلك نرى العرض مضطرب الإيقاع، وكأنه لوحات لها جمالياتها، لكنها لا تتوافق مع بعضها، ولولا أداء الممثلين والراقصين لكان الأمر أسوأ بكثير.
 

 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات