عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Sep-2018

العالَم الذي نعيش فيه (5) عالَم مُحتَرّ: لماذا التغير المناخي أكثر أهمية من أي شيء آخر

 الغد-جوشوا بوسبي – (فورين أفيرز) عدد تموز (يوليو)/ آب (أغسطس) 2018

 
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
 
يعيش عالَمنا مع حالة من الأزمة الدائمة. فالنظام الدولي الليبرالي محاصر من الداخل والخارج. والديمقراطية في تراجع. ويفشل انتعاش اقتصادي باهت في زيادة دخول معظم الناس في الغرب بقدر يُعتد به. وتهدد صينٌ صاعدة هيمنة الولايات المتحدة، وتزيد التوترات الدولية العائدة إلى الصعود بنشوب حرب كارثية.
مع ذلك، هناك تهديد واحد يحتمل أن يُعرِّف -مثله مثل كل من هذه العناصر- هذا العصر: التغير المناخي. سوف يستدعي الإخلال بمناخ الأرض في نهاية المطاف قدراً أكبر من الانتباه والموارد، وسيكون له تأثير أكبر على الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية من أي قوة أخرى مرئية في عالَم اليوم. ولن يعود تغير المناخ تهديداً بعيداً وسيصبح واحداً تفرض تأثيراته القيام بعمل فوري.
أصبح تركيز ثاني أكسيد الكربون -الغاز الرئيسي الذي ينبعث من الدفيئات- في الغلاف الجوي يتجاوز الآن 410 أجزاء لكل مليون، وهو أعلى مستوى له في 800.000 عام. وأصبح متوسط درجات الحرارة السطحية العالمية أعلى بـ1.2 درجة مئوية مما كان عليه قبل الثورة الصناعية. والإجماع العلمي المتفق عليه هو أن الحد الأقصى لارتفاع درجات الحرارة الذي يمكن أن يمر من دون إحداث تغير خطير في المناخ هو درجتان مئويتان. وما يزال لدى البشرية نحو عشرين عاماً قبل أن تصبح إمكانية الوقوف قبل اجتياز تلك العتبة مستحيلاً بشكل أساسي، لكن معظم التوقعات المعقولة تظهر أن العالَم سوف يعبرها.
يبقى ارتفاع درجات الحرارة شأناً عشوائياً إلى حد كبير؛ ليس هناك أي ضمان للآثار الدقيقة التي يمكن أن تنجم عن أي تغير في درجات الحرارة. لكن هناك فرقاً هائلاً بين درجتين من الاحترار ودرجتين ونصف، أو ثلاث أو أربع درجات. وسوف يقود الفشل في كبح جماح الانبعاثات العالمية إلى مفاجآت غير سارة. وبينما ترتفع درجات الحرارة، سوف يشهد توزيع الظواهر المناخية تحوُّلاً: الفيضانات التي اعتادت أن تحدث مرة كل 100 عام سوف تحدث كل 50 أو كل 20 عاماً. وسوف تصبح المخاطر التي تأتي في أعقابها أكثر تطرفاً، جاعلة من الأحداث الغريبة، مثل هطول 50 بوصة من الأمطار خلال 24 ساعة، كما حدث في هاواي في وقت سابق من هذا العام، أكثر وشيوعاً.
الذي يجعل التغير المناخي أكثر إثارة للرعب بما لا يقاس هو آثاره على الجغرافيا السياسية. سوف تؤذن أنماط الطقس الجديدة بحدوث الاضطرابات الاجتماعية والاقتصادية. وسوف تؤدي البحار المرتفعة، والأراضي الزراعية الميتة، والعواصف والفيضانات التي تزداد قوة باطراد، إلى جعل بعض البلدان غير صالحة للسكن. وسوف تختبر هذه التغيرات النظام الدولي بطرق جديدة وغير متوقعة.
تتطلب التهديدات العالمية التاريخية الدعوة إلى مستويات تاريخية من التعاون العالمي. وفي حال تمكنت البشرية من مواجهة هذه المشكلة بنجاح، فإن ذلك سيحدث لأن القادة سيكونون قد حقنوا النظام العالمي بحسّ بالهدف المشترك، وأدركوا التحديات الهائلة التي ينطوي عليها توزيع السلطة. وسيتعين على الصين والولايات المتحدة أن تعملا معاً بشكل وثيق، وسيكون على كافة اللاعبين الآخرين، مثل الحكومات دون الوطنية، والشركات والمؤسسات الخاصة، والمنظمات غير الحكومية، أن تؤدي جميعاً أدوارها.
مسألة درجة
تشرع آثار التغير المناخي في الكشف عن نفسها بوضوح. فمن بين أسخَن 17 عاماً تم تسجيلها، كانت 16 منها في الفترة منذ العام 2001. وفي الشتاء الأخير، قفزت درجات الحرارة في بعض أجزاء القطب الشمالي صاعدة 25 درجة مئوية فوق المعدل الطبيعي. ويعني التغير المناخي أكثر بكثير من مجرد كوكب يسخُن. ويدخل العالم فترة أطلقت عليها عالمة المناخ، كاثرين هايهو، اسم "الإجهاد العالمي". وتزحف الأنماط المناخية الغريبة على كل مكان. وقد ربط العلماء بعضها بالتغير المناخي؛ وبالنسبة لأخريات، لم يتضح بعد ما إذا كانت ثمة صلة لها بالمناخ.
الفصول تتغير. وتحدث نوبات الجفاف عندما ينبغي أن يتوقع خبراء الأرصاد -طبيعياً- هطول المطر. وتزيد ندرة الأمطار من مخاطر نشوب حرائق الغابات، مثل تلك التي حدثت في كاليفورنيا العام الماضي. وعندما يسقط المطر، أيضاً، فإن ذلك يحدث في كثير من الأحيان كله دفعة واحدة، كما حدث في هيوستن خلال الإعصار هارفي. ومع ارتفاع مستويات البحر وازدياد قوة العواصف، فإن ما كانت ذات مرة أحداث مدّ مرتفع فحسب سوف تغرِق الآن البنية التحتية الساحلية، كما حدث مسبقاً في ميامي في السنوات الأخيرة، وعلى نحو يستدعي تركيب أنظمة لضخ مياه العواصف بكلفة مئات الملايين من الدولارات.
بحلول منتصف القرن، يحتمل كثيراً أن تكون المحيطات قد ارتفعت بما يكفي لأن تدمر المياه المالحة الأراضي الزراعية وتلوث مياه الشرب في كثير من الدول الجُزُرية المنخفضة، مما يجعلها غير صالحة للسكن قبل وقت طويل من غمرها بالمياه فعلياً. وما تزال الأدلة على آثار التغير المناخي على الأعاصير المدارية والعواصف أكثر اختلاطاً، لكنها تقترح أنه على الرغم من احتمال انخفاض عدد مثل هذه العواصف، فإن التي ستحدث فعلاً ستكون أسوأ على الأغلب.
سوف تُحدِث هذه التطورات تغيرات جذرية في السياسة العالمية. ثمة العديد من الدول الكبيرة، بما فيها الصين والولايات المتحدة، التي تضم أعداداً كبيرة من السكان ولديها بنية تحتية قيِّمة، والتي ستكون مكشوفة أمام التغير المناخي. وسوف تجد حكوماتها نفسها وهي تقوم بتحويل الموارد العسكرية لتنفيذ عمليات الإنقاذ وإعاة بناء البلدات والمدن المدمَّرة. وسوف يشغَل ذلك أعداداً كبيرة من الجنود والمعدات العسكرية عن الاستعداد للصراعات مع المنافسين والخصوم الخارجيين.
في العام 2017، عندما ضربت ثلاث عواصف كبيرة الولايات المتحدة بتعاقب سريع، اضطرت سلطات الكوارث المدنية إلى الاستعانة بدعم الجيش للحيلولة دون وقوع خسائر فادحة في الأرواح. وتمت تعبئة عشرات الآلاف من أفراد الحرس الوطني لإنقاذ الناس، وتقديم إمدادات الإغاثة، واستعادة الخدمات الرئاسية وحكم القانون. وتسببت العاصفة الثالثة، الإعصار ماريا، بنحو 1.000 وفاة وتركت كل جزيرة بورتوريكو بلا طاقة كهربائية. واستغرق الأمر أشهراً حتى تتمكن الحكومة من استعادة التيار الكهربائي إلى الـ3.5 ملايين أميركي الذين يعيشون هناك. وما يزال بعضهم بلا كهرباء حتى الآن. وفي أعقاب العاصفة، غادر أكثر من 100.000 بورتوريكي إلى الولايات المتحدة القارية. وبلغت الكلفة الإجمالية التي تحملتها الولايات المتحدة نتيجة لهذه العواصف وغيرها من أوضاع الطوارئ المتصلة بالطقس في العام 2017 نحو 300 مليار دولار.
ولدى الصين مجموعتها الخاصة من المشاكل. ففي ساحلها الجنوبي، هناك العديد من المدن الكبيرة، مثل غوانزهاو وشنغهاي، التي تبقى عرضة للفيضانات. وفي الشمال، في قلب البلد الصناعي، أصبحت مناطق واسعة كاملة تنفد من المياه، مما يؤثر على 500 مليون نسمة. وعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، اختفى نحو 28.000 من أنهار الصين. ولن يكون حل هذه المشاكل رخيصاً؛ فقد كلف مشروع واحد طموح للبنية التحتية، يهدف إلى نقل المياه من الجنوب إلى الشمال، الحكومة الصينية مسبقاً ما لا يقل عن 48 مليار دولار. ولم يكتمل هذا المشروع بعد، لكن الصين تزعم أنه حسَّن الأمن المائي لبكين وأفاد 50 مليون شخص. وللتعامل مع الفيضانات في مناطق مثل شنغهاي، عكفت الصين على مبادرة "المدن الإسفنجية" لتعزيز آليات التصريف الطبيعي للمياه. ومنذ العام 2015، استثمرت الصين نحو 12 مليار دولار في هذا الجهد، وسوف تصل الفاتورة في نهاية المطاف إلى مئات المليارات من الدولارات.
مع ذلك، تبقى الصين والولايات المتحدة غنيتين بما يكفي بحيث من المرجح أن تكونا قادرتين على تحمل هذه الكلف. لكن آثار التغير المناخي في البلدان الأفقر ستخلق مشاكل عالمية. في كل عام، تجلب الأمطار الموسمية الفيضانات إلى نهر السِّند في باكستان. لكن الفيضان اتخذ في العام 2010 أبعاداً ملحمية، حين شرد نحو 20 مليون شخص وقتل نحو 2.000 آخرين. وقدمت الولايات المتحدة 390 مليون دولار من التمويل للإغاثة الفورية، وقدم الجيش الأميركي نحو 20 مليون رطل من الإمدادات. وفي العام 2013، تم نشر أكثر من 13.000 جندي أميركي للمساعدة في أعمال الإغاثة بعد أن ضرب الإعصار هايان الفلبين.
تُحدث العواصف المفردة ضرراً هائلاً، والتي عادة ما تتعافى بعهدا المجتمعات وتعود إلى سابق عهدها. لكن التغير المناخي سوف يُحدِث مشكلات أكثر ديمومة. وتشكل مستويات البحر المرتفعة، ونوبات العواصف التي تُفاقِمها، وتطفل المياه المالحة، تهديدات وجودية لبعض البلدان الجُزُرية. في العام 2017، بعد أن ضرب الإعصار إيرما جزيرة باربودا، تعين إجلاء كامل سكان الجزيرة الكاريبية -نحو 1.800 شخص. وعمدت كيراباس، وهي مجموعة من جزر الباسيفيكي التي يرتفع معظمها بضعة أمتار فقط عن مستوى سطح البحر، إلى شراء أرض من فيجي المجاورة كملاذ أخير في وجه ارتفاع منسوب مياه البحر.
وحتى بينما تُغرق المياه بعض البلدان، فإن أخريات تعاني من الافتقار إليها. وفي السنوات الأخيرة، وضعت نوبات الجفاف في كل من القرن الأفريقي وبلدان جنوب القارة ملايين الناس تحت خطر العطش أو المجاعة. وفي العام 2011، شهدت الصومال، التي مزقتها مسبقاً عقود من الحرب، موجة جفاف ومجاعة لاحقة تسببت في وفاة نحو 260.000 إنسان. وفي وقت سابق من هذا العام، تمكنت كيب تاون في جنوب أفريقيا، المدينة التي تضم نحو أربعة ملايين نسمة، من مواجهة النفاد من المياه فقط من خلال تدابير بطولية للترشيد. وسوف يؤدي تغير المناخ الناجم عن درجات الحرارة المرتفعة وتغير أنماط الهطول المطري، إلى تلقي بعض المناطق هطولات مطرية غير كافية وغير منتظمة، مما يفضي إلى فشل الحصاد وعدم كفاية المياه لتلبية الحاجات البشرية.
منذ العام 1945، وعلى الرغم من انقسام بعض الدول أو فشلها، فإن القليل منها اختفت من الوجود. أما في القرن المقبل، فربما يجعل التغير المناخي من موت الدول ظاهرة مألوفة عندما يجعل تطفل المياه المالحة وهبوب العواصف عدداً من البلدان الجُزُرية غير صالحة للسكن. وعلى الرغم من أن معظم الجزر المهددة بالتغير المناخي تؤوي أعداداً صغيرة من السكان، فإن الاضطراب لن يتم احتواؤه. وحتى في البلدان الأخرى، سوف يؤدي تراجع الإنتاجية الزراعية والمخاطر المناخية الأخرى إلى إجبار الناس على الانتقال من الريف إلى المدن، أو حتى عبر الحدود. وسوف تنجم حاجة إلى إعادة توطين عشرات الآلاف من الناس. وعندئذٍ، ماذا عن أولئك الذين يعبرون الحدود؟ هل سيبقون بشكل دائم، وهل سيصبحون مواطنين في الدول التي تستقبلهم؟ هل ستنال الحكومات التي تحوز على مناطق داخل بلدان أخرى حق السيادة على تلك الأرض؟ في الآونة لاأخيرة، اتخذت نيوزيلندا خطوات تجريبية بمنح فئة جديدة من تأشيرات الدخول لأعداد صغيرة من لاجئي المناخ القادمين من دول جزر الباسيفيكي، لكن هناك غياباً لأي قواعد دولية تعالج أوضاع أولئك الذين يجبرهم التغير المناخي على مغادرة ديارهم. وسوف يزداد إلحاح هذه الأسئلة فحسب في السنوات القادمة.
بالإضافة إلى خلق أزمات جديدة، سوف تؤدي العوامل المناخية إلى تفاقم الأزمات القائمة. وقد فر نحو 800.000 من مجموعة أقلية الروهينجا في ميانمار إلى بنغلادش، مدفوعين بحملة تطهير عرقي. وتقع الكثير من مخيمات اللاجئين التي يسكنونها الآن في مناطق معرضة للفيضانات البرقية السريعة خلال فترة الأمطار الموسمية. وحتى تصبح الأمور أسوأ، كانت الكثير من الأراضي التي تحيط بمخيماتهم قد جُرِّدت من غطائها من الغابات، وهو ما يترك الخيام والأكواخ عرضة للانجراف. ومع أن العالم أصبح أفضل كثيراً في منع خسارة الأرواح نتيجة حالات الطوارئ المناخية، فإن التغير المناخي سوف يختبر أنظمة الاستجابة الإنسانية والكوارثية، والتي تعاني مسبقاً من الضغوط الشديدة بسبب الصراعات التي لا يبدو أن لها نهاية في الصومال، وجنوب السودان، وسورية واليمن.
حروب المناخ
سوف يجعل التغير المناخي التوترات الدولية أكثر حدة أيضاً. وقد حذرت التحليلات بشكل دوري من حروب المياه الوشيكة، لكن الدول تمكنت -حتى الآن- من حل معظم النزاعات سلمياً. وعلى سبيل المثال، تستمد كل من الهند وباكستان قدراً كبيراً من المياه من نهر السند، الذي يمر عبر منطقة متنازع عليها. ولكن، على الرغم من أن البلدين خاضا عدة حروب مع بعضهما بعضا، فإنه لم يسبق لهما وأن تصادمتا مطلقاً بسبب تقاسم المياه، بفضل "معاهدة مياه السند" للعام 1960، التي توفر لهما آلية لإدارة النهر معاً. ومع ذلك، أدى ارتفاع الطلب وتزايد ندرة المياه إلى إثارة التوترات حول السِّند. وقد اعترضت باكستان على جهود الهند لبناء سدود في أعالي النهر، وفي العام 2016، علَّق رئيس الوزراء الهندي، نانديرا مودي، مؤقتاً مشاركة الهند في الاجتماعات المشتركة لإدارة النهر. وسوف يكون التعاون السلمي بين الدول أكثر صعوبة في المستقبل.
بل إن الشراكات بين بلدان أخرى تتقاسم أحواض الأنهار تصبح أكثر هشاشة. وتتعاون بلدان شرق-آسيوية عدة بشأن نهر ميكونغ من خلال لجنة نهر ميكونغ، لكن الصين، الكبرى بين الدول الست التي يتدفق عبرها النهر وحيث ينبع النهر أساساً، ليست عضواً في اللجنة. وقد بنت الحكومة الصينية والبلدان الأخرى في أعالي النهر سدوداً على ميكونغ، والتي تهدد بحرمان مجتمعات صيد الأسماك والزراعة في فيتنام والدول الأخرى أسفل النهر من سبل عيشها. وقد أصبحت المنافسة على تدفق النهر أسوأ فحسب بينما تصبح نوبات الجفاف في المنطقة أكثر تكراراً.
وثمة ديناميات مشابهة قيد العرض حول نهر النيل. وتقوم إثيوبيا ببناء جسر هائل على النهر من أجل الري وتوليد الطاقة، وهي خطوة ستقلل من تدفق النهر إلى مصر والسودان. وحتى الآن، تمتعت مصر بحقوق غير متناسبة في النيل (كإرث من الحقبة الاستعمارية)، لكن ذلك يوشك أن ينتهي، مما يتطلب خوض مفاوضات حساسة على تقاسم المياه وعلى سرعة إثيوبيا في ملء الخزان خلف السد.
مع أن العنف لن يكون حتمياً، فإن التوترات بسبب المياه في داخل وبين الدول سوف تخلق نقاط اشتعال جديدة في المناطق حيث الموارد الأخرى نادرة وحيث الحواجز المؤسسية ضعيفة أو غائبة.
ربما يتبين أن الطرق التي تستجيب بها الدول لتأثيرات التغير المناخي في بعض الأحيان ستكون أكثر أهمية من الآثار نفسها. ففي العام 2010، على سبيل المثال، وبعد أن دمر الجفاف نحو خُمس محصول القمح في روسيا، حظرت الحكومة الروسية صادرات الحبوب. وقد تسببت تلك الخطوة -إلى جانب تراجع الإنتاج في الأرجنتين وأستراليا اللتين تأثرتا هما أيضاً بالجفاف- في ارتفاع أسعار الحبوب العالمية. وساعدت تلك الارتفاعات في الأسعار على زعزعة استقرار بعض البلدان الهشة مسبقاً. وفي مصر، على سبيل المثال، بلغ التضخم السنوي في أسعار السلع الغذائية 19 في المائة في أوائل العام 2011، وهو ما غذى الاحتجاجات التي أدت إلى الإطاحة بالرئيس حسني مبارك.
كما أدت استجابات الدول لظواهر مناخية أيضاً إلى زيادة التوترات. فقد فتح ذوبان جليد البحر في القطب الشمالي طرقاً جديدة للشحن وحقولاً لاستكشاف النفط والغاز، مما قاد كندا، وروسيا، والولايات المتحدة ودولاً أخرى في القطب الشمالي إلى التشاجر حول حقوق السيطرة على هذه الموارد الجديدة. 
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يؤدي الاندفاع إلى تخفيض انبعاثات الكربون، ولو أنه موضع ترحيب، إلى زيادة حدة المنافسة بين الدول. فبينما يتنامى الطلب على الطاقة النظيفة، سوف تتنازع الدول بسبب التعريفات الجمركية والإعانات بينما تحاول كل منها تعزيز موقعها في الاقتصاد الأخضر الجديد. وقد تسببت إعانات الصين الجسورة التي تقدمها إلى قطاع صناعة الطاقة الشمسية لديها في ردة فعل من صانعي الألواح الشمسية في البلدان الأخرى، مع فرض الولايات المتحدة تعريفات جديدة في العام 2017، وحيث تدرس الهند القيام بشيء مشابه.
بينما تتزايد حدة المخاوف المناخية، سوف تصبح المناقشات بين الدول أكثر حدة وأكثر ظهوراً. وبما أن تصنيع البطاريات التي تستخدم في السيارات الكهربائية يحتاج إلى المعادن الثمينة، مثل الكوبالت والليثيوم والنيكل، التي توجد إلى حد كبير في أماكن مثقلة بالصراعات مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، فإن صعود المركبات التي تعمل بالبطاريات يمكن أن يسبب تدافعاً خطيراً جديداً على الموارد. وعلى الرغم من أن المصنعين سيبتكرون لتقليل اعتمادهم على هذه المعادن، فإن مثل هذا الضغط سوف يصبح أكثر شيوعاً بينما يحرز الانتقال إلى الطاقة النظيفة التقدم. وسوف تقاوم الدول التي تعتمد بكثافة على الوقود الأحفوري، على سبيل المثال، الضغوط التي تمارس عليها لإبقائه في الأرض.
هناك العديد من السياسات التي تنطوي على إمكانية إثارة النزاع، والتي قد تطبقها الحكومات في سياق الاستجابة لتغير الظروف المناخية. هناك حظر صادرات الموارد الجديدة النادرة، وحيازة أراضٍ في الخارج، والتخويل باستخدام أنواع الوقود الحيوي، وسن القوانين للحفاظ على الغابات، وألف خيار آخر، والتي ستعمل جميعاً على إنتاج كاسبين وخاسرين وإشعال التوترات المحلية والدولية. ومع تزايد المخاوف من حدوث تغير مناخي متطرف، سوف تخضع الحكومات باطراد إلى إغواء اتخاذ خطوات جذرية أحادية الجانب، مثل الهندسة الجيولوجية، وهو ما قد يتبين أنه مزعزع للاستقرار بشكل كبير.
مسألة مشتعلة
ليست هذه السيناريوهات المرعبة حتمية، لكن الكثير سيعتمد على ما إذا وكيف ستعمل البلدان معاً للحد من انبعاثات الكربون ودرء أسوأ آثار التغير المناخي.
في العام الماضي، عندما أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، نيته سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، ردت العديد من الدول الأخرى، بما فيها الصين، وفرنسا، وألمانيا، والهند، والمملكة المتحدة، بمضاعفة دعمها للاتفاق. واستضاف الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مؤتمراً دولياً حول التغير المناخي في كانون الأول (ديسمبر) الماضي، بل وأنشأ صندوقاً لاجتذاب العلماء البارزين في مجال المناخ، خاصة من الولايات المتحدة، إلى فرنسا.
سوف يبقى التغير المناخي قضية بارزة بالنسبة للسياسيين في معظم البلدان، بينما يتوقع الناس في كل أنحاء العالم إجراءات يتخذها قادتهم. وحتى الولايات المتحدة ما تزال موجودة رسمياً في اتفاق باريس؛ وسوف يصبح انسحابها ساري المفعول فقط في اليوم الذي يلي الانتخابات الرئاسية المقبلة، في العام 2020. وفي حالة عدم إعادة انتخاب ترامب، فإن الرئيس القادم يمكن أن يعود مباشرة إلى المعاهدة.
بالإضافة إلى ذلك، وحتى لو ابتعدت الحكومة الأميركية الاتحادية عن القيادة المناخية الدولية وشرعت في التراجع عن سياسات المناخ المحلية في عهد أوباما، فقد ظل حكام الولايات في أميركا، وعمداء المدن ورؤساء البلديات والرؤساء التنفيذيون متلزمين بالعمل المناخي. وفي العام الماضي، شكل عمدة نيويورك السابق، مايكل بلومبيرغ، مبادرة "نحن ما نزال في الائتلاف"، والتي تضم الآن نحو 2.700 قائد من كل أنحاء البلد، والذين تعهدوا باتخاذ إجراءات بشأن التغير المناخي، والتي ستفي -في حال تطبيقها- بنحو 60 في المائة من هدف الولايات الأصلي المتعلق بخفض الانبعاثات بموجب اتفاق باريس.
ويضم الائتلاف حاكم كاليفورنيا، جيري براون، الذي تتباهى ولايته بأنها خامس أكبر اقتصاد في العالم. وفي أيلول (سبتمبر)، ولمنح زخم للعمل قبل مفاوضات المناخ في الشتاء القادم في بولندا، من المقرر أن يستضيف براون قمة العمل المناخي العالمي في سان فرانسيسكو. وسوف يكون ذلك مشهداً رائعاً: حاكم على رأس عمله يطبق دبلوماسيته العالمية باستقلال عن الحكومة الفيدرالية. ولا تنتهي مساهمة كاليفورنيا عند هذا الحد، إذ تشكل شركات التقنية الرائدة المتمركزة في كاليفورنيا، مثل "غوغل، جزءاً من الائتلاف. وقد وضعت أهدافاً داخلية طموحة للطاقة المتجددة، والتي تغطي عملياتها بالكامل. وبالنظر إلى حجمها الهائل وسلاسل توريدها العالمية، فإن لدى هذه الشركات إمكانيات هائلة للتأثير.
حتى بينما استثمر القادة الوقت والجهد في عقد الاتفاقيات بين الدول، فقد بنوا عمليات أقل استعراضية، وإنما ليس أقل أهمية، لتشجيع العمل من أجل المناخ. ولأن تغير المناخ يشمل مجموعة من المشاكل في النقل، والطاقة، والإنشاءات، والزراعة والقطاعات الأخرى، فإن التجريب يتيج مجالات متنوعة لمعالجة المشكلات المختلفة في الوقت نفسه -التداعيات الأمنية في مجلس الأمن التابع للأمن المتحدة؛ دعم الوقود الأحفوري في مجموعة العشرين، الغازات قصيرة العمر مثل مركبات الهيدروفلوروكربون من خلال "تروتوكول مونتريال"، وإزالة الغابات من خلال جهود مثل "إعلان نيويورك للغابات"، على سبيل المثال. وربما تكون هذه المجموعة من الجهود أكثر فوضوية بالقياس إلى مركزة كل شيء من خلال اتفاق عالمي واحد، لكن تجنب نقطة فشل واحدة وجعل مجموعات واتفاقيات مختلفة تتعامل مع المشكلات التي هي أكثر أهلية لإصلاحها ربما تؤدي إلى نتائج أكثر ديمومة.
لطالما ثبت أن البشر قادرون على التكيف بشكل كبير، لكن الآثار الجماعية للتغير المناخي على المدن، وإنتاج الغذاء، وإمدادات المياه تشكل تحدياً هائلاً لكوكب الأرض. وسوف تكون الصين والولايات المتحدة بالتي الأهمية في الاستجابة العالمية؛ فهاتان الدولتان مسؤولتان معاً عن أكثر من 40 في المائة من الانبعاثات العالمية؛ وتسهم الصين وحدها بنحو 28 في المائة منها.
في الفترة التي سبقت مفاوضات باريس، استثمر الرئيس الأميركي باراك أوباما رأس مال سياسي هائل في سبيل التوصل إلى تفاهم ثنائي مع الصين. ويقوم ارتداد ترامب عن العمل المناخي بزيادة الضغط على الصين لكي تتعامل مع كل من انبعاثاتها في الوطن، والنظر في الآثار البيئية لأفعالها في الخارج من خلال "مبادرة الحزام والطريق" و"البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية".
معم أن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة توترت مؤخراً، فإن البلدين يحتاجان إلى العمل معاً، لأن العالم سيتضرر من خصومة شاملة بينهما. وسيكون عليهما بناء نظام يسمح بتجزيء القضايا، والذي يمكن أن تتنافسا فيه على الأمن الإقليمي في آسيا، على سبيل المثال، لكنهما تتعاونان مع ذلك في القضايا التي ترتبط فيها مصائرهما، مثل التغير المناخي والأوبئة.
ستكون الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي إقرار نظام يعترف بتوزيع القوة. وبنفس المقدار، يبدو هذا التوزيع للقوة جارياً مسبقاً، حيث تتخلى الولايات المتحدة عن السيطرة المهيمِنة في عالم يصبح متعدد الأقطاب باطراد، والذي يُتوقع فيه المزيد من الصين الصاعدة. لكن العملية يجب أن تقطع شوطاً أبعد بكثير. سوف تحتاج الحكومات إلى التنسيق مع الوحدات دون الوطنية، ومع الشركات والمؤسسات الخاصة، والمنظمات غير الحكومية، والأشخاص فائقي الثراء. وحول التغير المناخي والعديد من المشكلات الأخرى، يكون هؤلاء الفاعلون أكثر قدرة بكثير من الحكومات على تغيير الأشياء على المستوى المحلي. ولن يكون خلق نظام مناسب مهمة سهلة. لكن المزيج الناشئ من الاتفاقيات الدولية والشبكات والمنظمات والناس الذين كرسوا أنفسهم لحل مشكلات محددة، سيوفر أفضل فرصة لتجنب حدوث تغير كارثي للمناخ.
 
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Warming World: Why Climate Change Matters More Than Anything Else
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات