عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    02-Jan-2018

المنسي في الغناء العربي - عبد الحي حلمي .. رائد الإرتجال في الغناء العربي

 

الراي - أبواب - زياد عساف - من طبيعة الانسان، نسيان اغلب ما يمر على حياته من مثيرات وحواس، ربما كانت تدغدغ مشاعره وابداعاته او شكلت شخصيته العاطفية او الانسانية والحضارية.
..والغناء العربى الحديث والقديم، تكون من استعراض وأداء ألحان مختلفة ومقامات موسيقية تنوعت عبر شخصيات الغناء العربي ورموزه في مجالات الغناء والتلحين والتوزيع والموشحات ومختلف الاشكال الموسيقية الشرقية والعربية الاسلامية.
ان البحث في المنسي من تراث الاغنية العربي ، هو نبش في القوالب الغنائية القديمة، التي باتت مع جهود مبدعيها منسية الى حد ما.
الباحث والكاتب «زياد عساف» ظل يقلب ما نسي من الرموز والاغاني والحكايات وخص «ابواب - الرأي» بثمرات جهودة التي تنشرها منجمة كل ثلاثاء في هذا المكان من الملحق حيث سيتم طباعته على اجزاء في القاهرة.
لقد ارتقى الغناء العربي مع ظهور الحركة القومية العربية فى مواجهة الثقافة التركية السائدة على يد الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب وعبده الحامولى ومحمد عثمان، عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وطروب وفيروز وام كلثوم كما لحن وابدع جماليات حياتنا وفنوننا امثال: سلامة حجازى وابراهيم القبانى وداود حسنى وأبو العلا محمد وسيد الصفتي محمدالقصبجى وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمود صبح ومحمد عبد الوهاب، ورياض البندك وجميل العاص ومحمد القبنجي وغيرهم كثر.
شعور بالدهشة و الخيبة معاً كان يرتسم على محيا الجمهور الذي اعتاد المجيء للإستماع اليه ، فكثيراً ما كان يفاجئهم بالإنسحاب من الحفل لمجرد أنه لم يرتح لأحد الوجوه في الصالة ، و يمضي مسرعا لمكان اخر ليغني لعامة الناس في مقهى عام او على شاطئ النيل للتنوع في أعماله، قابلها على الجانب الاّخر انتكاسات عديدة ، فالخسارة لم تنحصر بالجمهور الذي اعتاد دفع ثمن التذكرة بشق الأنفس حتى يستعيد حالة التوازن النفسي ، هذه “ المزاجية “ كانت المحور الرئيسي الذي شكَّل شخصية عبد الحي حلمي ، وبقدر ما حفزته ولم يكمل حفلاته بطبيعة الحال نظراً لمزاجه المتقلب ، انما انعكست على عطائه الفني بعد أن انغمس في ملذات الحياة وتعاطي كافة انواع المكيفات التي جعلته يفقد حياته مبكراً وفي عز تألقه الفني ، ومع ذلك ورغم السنوات المحدودة التي أمضاها في حقل الغناء ، الا انه صاحب فضل كبير باستعادة وتسجيل التراث الغنائي لمن سبقوه من رواد النغم في القرن التاسع عشر ليتأثر بمنجزه هذا معظم من جاء بعده من اساطين غناء القرن العشرين .
حديقة الأزبكية
كحال العديد من ابناء جيله يصعب تحديد تاريخ ميلاده الا ان معظم المصادر تشير انه مواليد 1857 في مدينة بني سويف في صعيد مصر ، لم يحظ بتعليم كاف الا ان نشأته الدينية وتعلمه تجويد القران شكل منطلقاً حقيقياً لإبداعه وتنوعه في كل الوان الغناء .
انتقاله للعيش في الإسكندرية منحه الفرصة التي يتمناها الكثيرون عندما ساقه القدر ليلتحق بصالون اسماعيل باشا حافظ من أعيان الإسكندرية والمهتمين بالموسيقى والغناء ، هناك التقى بعبده الحامولي و بدأ يستمع ويحفظ أغانيه ، بالإضافة لاستعادة أعمال غنائية لرواد القرن التاسع عشر امثال عبد الرحيم المسلوب و محمد عثمان وداود حسني ليصبح بعد ذلك صاحب الفضل بالحفاظ على اعمالهم التي وصلتنا بالطريقة الأصيلة التي قدموها ، ويجدر بالذكر أن علاقته بعبده الحامولي لم تتوقف على الإستماع و الحفظ إذ الحقه الحامولي ليكون أحد المذهبجية بفرقته ، ما أهلِّه لتعلم قواعد و أصول الغناء بإتقان وحصوله على إجازة نقيب الموسيقيين باعتماده مطرباً ، حتى وصل للغاية التي يتمناها اي فنان بعد ان استقل كمطرب متخصص له فرقة تضم أشهر العزفين أمثال سامي الشوا و محمد العقاد وابراهيم سهلون .
الباحثون الذين تطرقوا لمسيرة عبد الحي حلمي لا يغفلون ماقدمه من إضافات و انجازات في مجال الموسيقى ، أهمها انه لم يحصر حفلاته بالصالونات الخاصة بأصحاب الجاه والنفوذ ، وإنما يعتبر من أوائل المطربين الذين بادروا بإقامة حفلات في الأماكن العامة مثل المقاهي و الكازينوهات ليرتادها عامة الناس و بمقابل مالي ، ولم تعد هذه الحفلات حكراً على الطبقات الثرية ، ومن أشهر الأماكن التي غنى بها حلمي حديقة الأزبكية التي افتتحت رسمياً عام 1872.
“روائع الألحان ..”
يحسب لعبد الحي حلمي انه اول مطرب يسجل اعماله على اسطوانات ما ساهم في الحفاظ على روائع الألحان من كنوز التراث الغنائي لمن سبقه من كبار المطربين كما أسلفنا ، وبذكاء مدروس وظَّف حلمي موهبة ابن شقيقته المطرب صالح عبد الحي بعد ان اعتاد الأخير ان يرافقه في كل حفلاته و أوكل للعازفين و المطربين بمهمة تدريبه ليخلفه في هذا المجال فيما بعد ، ولم يخلف صالح عبد الحي أمنية خاله وحفظ كل اعماله وتابع المسيرة بعد وفاته واوصل هذا الأرث للأجيال التالية بطبيعة الحال ، أعاد عبد الحي تسجيل معظم أعماله في أكثر من مرة وفي أكثر من شركة إسطوانات وان كان هذا يعتبر خطوة ايجابية للتوثيق الا ان الدافع لذلك للحصول على المال لسداد اليون المتراكمة عليه وتغطية مصاريفه نظراً لإغداقه في أجواء اللهو والعبث، وهذا لا ينفي أنه و بالفترة التي تألق بها خلق حالة من التنافس بين المطربين واعتبر لقوة و جمال صوته المنافس الأول ليوسف المنيلاوي ، ثم ماليث أن تربع على عرش الغناء بعد وفاة المنزلاوي عام 1911 ، لكن هذه الزعامة الفنية لم تطل اذ توفي عبد الحي حلمي بعده بسنة واحدة 1912، كما حافظ عبد الحي حلمي على روائع الأغاني لكل من سبقوه ، حري بنا ان نرد بعض الجميل لهذا الفنان وندوِّن ما غناه واستعاده بصوته لهؤلاء و غيرهم ، والمعلوم ان معظم ما غناه حلمي كان لغيره ومن النادر ان تغنى بلحن خاص به .
بصوته المتمكن و الواثق لم يكن يجد صعوبة في غناء القصائد ، ومن التسجيلات التي تحوي اهم القصائد المغناة بصوته و علىالمواقع الألكترونية : أراك عصي الدمع ، وقف الهوى ، لم يطل ليلي ، ألا في سبيل االله ، عجبت لسعي الدهر ، أسرت فؤاد المستهام عزيزة ، ته دلالاً ، لم يكل ليلي و لكن لم أنم ، شعرها الليل جال فوق نهار ، عمري عليك تشوقاً قضيته ، الى محياك البدر يعتذر .
 
النسبة الأكبر من تسجيلات عبد الحي حلمي كانت باستعادته للأدوار الغنائية لمطربين كُثُر ومنها : الواي الواي ، يا حلو يا مسليني ، في مجلس الأنس ، أصل الغرام نظرة ،طال الجفا في محبوبي ، يا حنينة ، الحلو لما انعطف ، من حبك اولى بحبك ، قدك المياس ، قدك امير الأغصان ، جمال خدك يتعاجب بخاله ، نور العيون شرف و بان ، يا حظ الحياة ، مليك الحسن في دولة جماله ، اعشق الخالص لحبك ، البلبل جاني و قاللي ، سلمت روحك ، على روحي انا جاني ، لبستم زهر الكتان ، ياللي اوصافك مليحة ، يا لوعتي يا نصيبي ، يحاول عزولي ، لا يا عين يا حليوة ، جددي يا نفس حظك ، لسان الدمع ، يا روح النفوس ، يا قلبي اترك المحبة ، جميل زمانك ، ما احب غيرك ، ناحت فأجبتها ، الحسن انا عشقته ، الحب صبحني عدم ، عهد الأخوة نحفظه ، قل رأيت ايه في دلالك حتى ارتضيته ، يا قلبي اترك المحبة ، جاني الجميل ، افراح وصالك ، من يوم عرفت الحب ، غرامك علمني النوح ، ماني يمه ، هات ايها الساقي ، حلالي بلالي ، لا تحسبوا ان البعاد ، يا بدر تم الجميل ، طول يا ليل محبوبي وفا ، مالك بتبكي و ايش رماك ، ياللي ملامح جمالك ، القلب داب ، لم يطل ليلي ، حبك يا سلام ، تيهك علي ، دواعي الحب ، شرب الراح ، قد ما احبك زعلان منك ، من يوم ما عرفتك ، يا رشيق القد ، صبحت في حبك اشتكي ، يا لوعتي يا نصيبي ، االله يصون دولة حسنك ، مليكي انا عبدك ، أهين النفس ، كان مالي بحبك واعشق الصابر لحبك و اترك المشغول بغيرك ، ومن الطقاطيق والأغاني الخفيفة : يا مسلمين يا اهل االله ، ايدي ايمين يا ايدي ، يا اللي اوصافك مليحة ، يابنت يا بيضا ،قمرة يا قمرة و ياللي اوصافك مليحة .
“ مواويل .. “
مع موجة الغناء السائدة غاب الموال الذي كان له مريدوه و رواده وفي مقدمتهم عبد الحي حلمي والذي توجد له مجموعة كبيرة منها وأغلبها يمتاز بتسجيل واضح مثل : قاضي الغرام ، يا حادي العيس ، قم في دجى الليل ، سامي الجفون ، يادي الجمال و الدلال ، موارد الصبر ، كادني الهوى ، يا ما انت واحشني ، ما تحسبوا ان البعاد ، الفجر لاح ، اهل السماح الملاح دول فين اراضيهم ، ان غبت تعتب ، ياناس رايت عاشق ، اصل اشتباكي مع المحبوب نظرة ، فيك ناس ياليل ، شفتك عشقتك ، محبكم داب و يا مفرد الغيث ، يا ناس انا رايق عاشق ، بحر الصبابة بنار الشوق عديته ، صبح الصباح ، الليل اهو طال و عرف الجرح معاده
“ تمرد .. “
علت صيحات و تأوهات الجمهور عندما ارتجلت ام كلثوم في إحدى حفلاتها وغيرت في كلمة واحدة بأغنية أنت عمري من “ هات عنيك تسرح في دنيتهم عنيا “ الى “ فين عنيك .. “ ، هذا الموقف يعتبر نموذجاً بسيطاً قياساً بالعديد من الألحان التي ارتجل بها الكثيرمن المطربين لدرجة تغيير معظم اللحن أحياناً ، الارتجال ببساطة هو الأداء العفوي والتلقائي للأغنية مع التمرد على القوالب اللحنية ،ولن نذهب بعيداً فعبد الحي حلمي يعتبر رائد الإرتجال في الغناء العربي ، وله فلسفته الخاصة بذلك وهي أن الإرتجال في الغناء هو الأصل ،و عليه فهو غير مقيد بالإلتزام الحرفي للحن و تعليمات الملحن ،وشكَّل حالة من التمرد جدير بالتوقف عندها فيما يتعلق بمسيرة الغناء العربي ، اعتمد في هذا التوجه على جمال و مقومات صوته وتجاوب الجمهور معه وتشجيعه على ذلك ، ووصل به الأمر بتركيزه على مقطع واحد من الأغنية و تناسيه لباقي اللحن ، وهذا بطبيعة الحال عرضه لانتقادات لاذعة من قبل الموسيقيين الذين اعتادوا الإحتفاظ بالقالب التقليدي المتوارث في الغناء وتجنب هذا الأسلوب لدرجة الخوف عند بعضهم من خوض مثل هذه المغامرة .
غناء أوبرالي
يكمن السر في تميُّز عبد الحي حلمي بفن الإرتجال وكما ذكرنا انه تعلم في صباه تجويد و ترتيل القراّن والذي مكنه كما غيره من التعمق في المقامات الموسيقية العديده والخبرة المكتسبة في ترابط الجمل اللحنية و الإنتقال من مقام الى آخر بكل سلاسة ، ونلاحظ ان من تميزوا بفن الإرتجال أغلبهم من المطربين الذين تعلموا ترتيل و تجويد القران في بداية حياتهم أمثال سيد درويش و زكريا احمد و عبد الوهاب و ام كلثوم وسيد مكاوي و الشيخ امام وغيرهم ، والمصدر الاّخر الذي أكسب بعض المطربين الخبرة و الدراية بفن الإرتجال المامهم أيضاً بالغناء الأوبرالي فمن خلاله يرتجل المغنون وكنوع من التمرين في اظهار مهاراتهم الصوتية والإنتقال ضمن مقامات عديدة ، ومن هنا نستطيع التوصل الى أن من اسباب تميز فيروز في الغناء انها جمعت بين الغناء الأوبرالي و الموسيقى الكنسية وتعلمها تجويد القران على يد الأخوين فليفل ، وسبقها الى ذلك سيد درويش الذي التحق بالأزهر في البدايات وتعلم التجويد، وفي الوقت نفسه مواظبته على مشاهدة العديد من الاوبريتات الإيطالية التي كانت تعرض في الإسكندرية ، ونستعيد تجربة المطربة شهرزاد والتي بدأت حياتها بتعلم الغناء الأوبرالي وافادتها هذه الخبرة في العديد من أغنياتها ومن الأمثلة على ذلك عندما غنت “
عسل و سكر “ من الحان بليغ حمدي ، ورغم ان كلمات الأغنية عادية ، إلا أنها أخذت تنتقل بغنائها من مقام لاّخر وبأداء رائع لدرجة ان هذه الأغنية من اروع اعمالها .
بالرغم من ان الإرتجال أضاف الكثير للغناء العربي ، الا ان العديد من الإرتجالات لم يتم تدوينها في وقتها و خسرنا هذا المنبع الثري والذي يعتبر مرجعا غنياً و هاماً للمطربين و الباحثين و الهواة وطلبة المعاهد و الكليات الموسيقية .
زجل
الغناء الشعبي يعتبر من أكثر الوان الغناء التي يكون بها الإرتجال سيد الموقف ، كذلك الأمر في اغاني الزجل الشعبي والذي ازدهر في لبنان وسوريا و فلسطين كون هذا اللون يعتمد على التنافس و الهجاء بالغناء بين مطربين اثنين كل واحد يسانده فريق يردد معه بهدف مؤازرته و دعمه ، ورغم ان حلمي اعتاد ان يرتجل في كل الوان الغناء مثل القصيدة و الدور و الطقطوقة و الموشح ، الا أنه صال و جال في غناء الموال ووجد فرصة لاستعراض قدراته بالصوت والأداء والتحكم في الجمل اللحنية والتعبير بالأداء عن مضمون الكلام الذي يغنيه .
لم يتوقف الإرتجال في الموال عند عبد الحي حلمي ، وعاش المستمعون العرب أجواء الموال و ارتجالاته مع اساتذة هذا الفن امثال محمد طه ومحمد العزبي و محمد عبد المطلب و محمد رشدي وبدرية السيد ، ولأن فن المونولوج أساسه الإرتجال بطبيعة الحال ، ابدع الفنان شكوكو في هذا المجال لدرجة انه ارتجل في التعديل على موال شفيق جلال الشهير ومن كلماته : يا خسارة الحر لما تغيره الأيام ..
يصفر لونه ويبقى عبره للأيام “ ، وبخفة دم شكوكو التي عرف بها ارتجل و وغنى على وزن هذا الموال وهو يرثي حال العازب :
“ يا خسارة العزب لما تبهدله الأيام
يبص لجزمته يلاقي كعبها قدام
والجاكيته بحمالات و البنطلون باكمام
وان بص للمرايه يلاقي نفسه مدام “ .
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات