عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    11-Jan-2018

طريف الخالدي يكتب مذكراته الأدبية في «أنا والكتب»

 الحياة-خالد غزال 

تختلف مذكرات الكاتب والمؤرخ الفلسطيني طريف الخالدي وعنوانها «أنا والكتب» (منشورات الجمل) عن المذكرات المعهودة والمتداولة. يجول الكتاب في عالم المؤلفات والكتب التي قرأها الخالدي منذ أن كان صغيراً في فلسطين، ليستكملها بعد التهجير من فلسطين. تقدم هذه المذكرات سياحة في عدد كبير من الكتب، التي أثرت مسيرته الفكرية والأكاديمية على السواء. وعلى رغم بلوغ الكاتب الثمانين من عمره، لا تزال هواية القراءة هي المتعة الأولى وخلاصه من علاقات اجتماعية لا يرغب في أن تسيطر على حياته. لعلّ البيئة المنزلية التي تربى الخالدي فيها كان لها الأثر الأكبر في انغماسه في عالم المطالعة، حيث وجد نفسه بين أبوين مثقفين شجعاه ووجهاه نحو القراءة.
 
ككل مبتدىء في القراءة، من الطبيعي أن يتوجه اهتمامه نحو القصص. بدأت أولى جولاته مع قصص الأطفال للكاتب المصري كامل الكيلاني، ثم تطورت قراءته ليلتهم روايات جرجي زيدان. بعده، كان ولعه بروايات أرسين لوبين البوليسية، لكنه يصف هذا الانتقال من زيدان إلى لوبين بالتدهور في مستوى القراءة. أما التحول الذي يراه الخالدي فكان اهتمامه بالتاريخ الذي أصبح مهنةً يعتاش منها. لكنه يقول إن التاريخ لم يمنعه من الولع بالشعر العربي لدى أبي تمام وأبي النواس والحُطيئة.
 
في ذهابه إلى إنكلترا للدراسة، أتيحت له دراسة اللغتين اللاتينية واليونانية اللتين فتحتا له الآفاق للتعرف على الحضارة الأوروبية من جهة والحضارة العربية الإسلامية من جهة أخرى. اندمج في هذه المرحلة في قراءة المسرحيات اليونانية وكتب أرسطو وأفلاطون. لكنه يرى سلبية في تلك المرحلة تتصل بابتعاده عن اللغة العربية حتى فقدان الكتابة بها، لمصلحة اللغة الإنكليزية التي كتب بها كل مؤلفاته. وفي إنكلترا، أصبح التاريخ والفلسفة يمثلان الاهتمام الأساسي لدى الخالدي، فقرأ كتاب بينيدتو كروتشه «التاريخ كقصة حرية»، ويقول عن الكتاب: أن «ما رسخ في الذهن هو شعاره الشهير أن كل تاريخ هو تاريخ معاصر، وأن وعي المؤرخ هو الذي يصنع التاريخ». لكنه اهتم بكتاب المؤرخ الهــــولندي بيتر خيل وكتابه «نابليون: مع وضد». وقد تـــــوصل فيه المؤرخ إلى نتيجة مفادها أن التاريخ جـــدال لا نهاية له، وأن أجيال المؤرخين المتعاقبة تجد فيه ما يلائم أهواءها، وأن الوصول إلى ما قد نسميه الحقيقة في التاريخ أمر يلامس الاستحالة».
 
في بيروت، حيث التحق بالجامعة الأميركية للتدريس، انجذب إلى كتاب برتراند راسل «تاريخ الفلسفة الغربية» الذي يغطي مرحلة طويلة تبدأ من أفلاطون إلى برغسون في الزمن الحديث. واهتم الكاتب بأفلاطون وأرسطو، فلم تقنعه مثلاً حجج أفلاطون حول ضرورة وجود الكمال في عالم المثل من خلال انعدامه في هذه الدنيا. أما أرسطو، فيراه جزءاً أساسياً من تراثنا الفلسفي والعلمي العربي. ومن الكتب التي تأثر بها كتاب دانتي ألليغيري «الكوميديا الإلهية»، التي رأى فيها رحلة في العالم الآخر، تبدأ بالجحيم وتصل إلى المطهر أو البرزخ لتنتهي في الفردوس. من دانتي، انتقل إلى ميكيافللي وكتابه «الأمير»، وهو كتاب، على رغم صغره، أحدث في زمانه ضجة كبرى سرعان ما حملت بعض معاصريه الأوروبيين على وصفه بأنه من عمل الشيطان. ومن ميكيافللي انتقل الخالدي إلى ميشيل دي مونتينيه، وهو الكاتب الذي يخاطبنا عبر الزمن وكأنه من معاصرينا، وذلك من خلال كتاباته حول شتى المواضيع.
 
في منتصف الستينات من القرن العشرين، انتقل الخالدي إلى شيكاغو، حيث تركزت دراسته الأكاديمية على الدراسات العربية الإسلامية في التاريخ الوسيط. اهتم بدراسة المسعودي، فاختاره موضوعاً لأطروحته في الدكتوراه، هذا المؤرخ (المسعودي) كان يطمح إلى كتابة تاريخ العالم وليس فقط عالمه الإسلامي. أما عالمية الحضارة العربية الإسلامية في عصور ما قبل الحداثة، فهي التي أرخها ماريشال هودجسن في كتابه «مسعى الإسلام» بأجزائه الثلاثة، والذي يرى الخالدي بأنه ما زال حتى اليوم أهم كتاب تناول تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.
 
من المؤلفين العرب، اهتم الخالدي بالجاحظ الذي يقول عنه الكاتب إنه «أحدث شرخاً فكرياً عميقاً في الثقافة العربية»، وأضاف: «بل قد نقول إنه صاغ لها مفاهيم تختلف جذرياً عما جاء من قبل». كان على الخالدي أن يدرس مادة تاريخ العرب في العصور القديمة والمتوسطة وتاريخ أوروبا الوسيط وتاريخ كتابة التاريخ، تردد بين الكتب اللازمة لتدريس هذه المواد، فتنقل من فيليب حتي إلى بروكلمان إلى برنارد لويس الذي وجد في كتابته منحى عنصرياً.
 
في بيروت، بدأت رحلة النشر عند الخالدي، وكانت أولى مقالاته عن الجاحظ ونظريته في تقدم المعرفة والعلوم، وكان عنوانها «جناح بعوضة: آراء الجاحظ في تقدم العلوم». تطورت اهتماماته بالكتّاب والفلاسفة العرب، من الغزالي إلى ابن المقفع إلى عبدالله ابن المعتز إلى أبي بكر الصولي، إلى ابن عبد البر الأندلسي، وصولاً إلى الفارابي وابن سينا وأبي حيان التوحيدي وعلماء الكلام خصوصاً منهم القاضي عبد الجبار المعتزلي. في الثمانينات، بدأ الخالدي ينجذب إلى السيد المسيح وإلى تراثه في الأدب العربي الإسلامي. كتب مقالة صدرت لاحقاً في كرّاس بعنوان «المسيحي المسلم»، أشار فيها إلى الدور الذي لعبه السيد المسيح في المناظرات السياسية والأخلاقية التي تمّت بين المسلمين في عصور الإسلام الأولى. كان عليه أن يكتب كتاباً عن «فكرة التاريخ عند العرب» حيث ربط كتابة التاريخ بما حولها من المناخات الاجتماعية والفكرية. أما ابن خلدون، فيراه الخالدي في موقع كارل ماركس بالنسبة إلى علم الاجتماع، خصوصاً من خلال ما يراه ابن خلدون جديداً في ميدان «علم العمران البشري».
 
كتاب الخالدي ممتع في قراءته، لعل القارئ يؤيده في دعوته غيره من الأكاديميين العرب إلى أن يكتبوا ما مرّ بهم من كتب جديرة بالاعتبار والإحياء، «فنقف على تراث أراه اليوم مهدداً بالإهمال والجهل والنسيان والأمية الأدبية واللغوية».
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات