الغد
من المعروف أن الضغوط المتزايدة على «السلطة الفلسطينية» لـ»إصلاح نفسها» ليست بأي حال جهدًا لتأهيل الفلسطينيين لـ»الدولة». إنها جزء من مشروع سياسي سيئ النية، هدفه إعادة تعريف الكيان الفلسطيني وتكريس تحوله من حركة تحرر وطني إلى وحدة إدارية منزوعة السيادة ومنضبطة أمنيًا. ويتكثف الضغط الدولي لتطبيع هذا التحول في لحظة تتقاطع عندها الحرب الوحشية على غزة مع تآكل الشرعية الداخلية للسلطة الفلسطينية، لتوجيه إعادة إنتاج هذه السلطة بحيث تدير الواقع ولا تمتلك أي ذخيرة لتغييره.
لا يتعلق «الإصلاح» في الخطاب الدولي السائد بتوسيع التمثيل أو تمكين تقرير المصير بقدر ما يتعلق بتفريغ المشروع الوطني الفلسطيني من مضمونه الصراعي، وعلى رأسه المقاومة. وسوف يُقاس نجاحه بقدرة «السلطة» على ضبط المجتمع الفلسطيني و»تأهيله» للانسجام مع المتطلبات الأمنية للكيان الاستعماري وراعيه الأميركي. وفي الحقيقة، ثمة متغير مهم يتفاعل في هذا الإطار، هو «قانون الأحزاب» الفلسطيني. وثمة عمل يجري على هذا القانون ليكون على ما يبدو أداة مركزية لإعادة هندسة المجال السياسي الفلسطيني من أعلى، بطريقة تستبعد الفعل والخطاب غير المرغوبين، وتلغي التعددية بالقانون، وتحصر وظيفة السياسة الفلسطينية في الضبط تحت سقف الهيمنة.
كما يحدث، ثمة في المشهد الدولي السوريالي ما يشد الأنظار بعيدًا عما يحدث في السياسة الفلسطينية. الكل منشغل بالبلطجة الأميركية الصريحة التي تستهدف منطقة جديدة في كل لحظة. لكن أستاذ السياسة والباحث في «مركز كارنيغي للشرق الأوسط»، ناثان براون، نشر الشهر الماضي مقالًا يعيد شيئًا من الانتباه إلى شيء يحدث في الضفة. عنوان المقال هو The Perils of the Palestinian Authority’s New Party Law «مخاطر قانون الأحزاب الجديد للسلطة الفلسطينية». وفي المقال إضاءة مفيدة.
يرى براون أن «الإصلاح» المطروح للسلطة الفلسطينية لا يهتم بمسألة التمثيل أو غياب المساءلة، وإنما هو محاولة لإدارة مأزق السلطة الفلسطينية بأدوات قانونية وتقنية. وبدلًا من معالجة جوهر الأزمة– انقطاع العلاقة بين «السلطة» والمجتمع، وغياب الانتخابات، وتآكل المؤسسات- يجري التركيز على «تنظيم» الفاعلين السياسيين، وكأن المشكلة تكمن في تعددية غير منضبطة وليس في انسداد سياسي مزمن. وبذلك يصبح قانون الأحزاب جزءًا من خطاب إصلاحي شكلي، يفتقر إلى أي مشروع ديمقراطي حقيقي.
المسألة الأكثر حساسية في هذا السياق، في رأي براون، هي الهدف غير المعلن، وإنما واسع التداول، لقانون الأحزاب الجديد هو إقصاء حركة «حماس» من المشهد السياسي الفلسطيني. ويشير براون إلى أن هذا الهدف، مهما بدا مفهومًا لبعض الأطراف، ليس له سند واقعي. بعد كل شيء، ليست «حماس» مجرد تنظيم سياسي يمكن شطبه إداريًا. إنها حركة اجتماعية-سياسية متجذّرة، أثبتت التجربة أن استبعادها بالقوة– أمنية كانت أو عسكرية أو مالية– لم يفعل سوى تعميق الانقسام وإضعاف النظام السياسي الفلسطيني ككل. وبذلك لن تكون محاولة تحقيق هذا الهدف بأداة قانونية قطيعة مع الماضي بقدر ما ستكون استمرارًا له بصيغة أقل صخبًا وأكثر مراوغة.
تكمن خطورة هذا التوجه في تحوّل القانون من إطار ضامن للحقوق السياسية إلى أداة فرز وانتقاء. وكما يلفت براون، لا يكون الفارق بين نظام «تسجيل الأحزاب» ونظام «ترخيصها» اللذين يدور الجدل حولهما مسألة تقنية بقدر ما هي سياسية بامتياز. يفترض «التسجيل» أن الحق في التنظيم سابق على الدولة، بينما يجعل «الترخيص» هذا الحق مشروطًا بإرادة «السلطة». وفي حالة السلطة الفلسطينية، حيث تعاني المؤسسات من ضعف الاستقلالية والتسييس، سيفتح أي نظام ترخيص الباب واسعًا أمام استخدام القانون لتكريس الهيمنة وليس لضبط التنافس.
ولا يتوقف الأمر عند «حماس». بدلًا من أن يضرب القانون الإقصائي بطبيعته خصمًا واحدًا، فإنه يعيد رسم حدود المجال السياسي الفلسطيني بأكمله. وهو يمنح النخب الحاكمة القدرة على تقرير من يحق له الدخول إلى معترك السياسة ومن يجب إبعاده عنها. ويؤدي ذلك عمليًا إلى خنق أي إمكانية لظهور قوى جديدة، سواء كان ذلك حركات شبابية، أو تيارات إصلاحية داخل «فتح»، أو أي مبادرات سياسية عابرة للاستقطاب القائم. وبذلك يجمد قانون الأحزاب أزمة النظام السياسي الفلسطيني ويغلق آفاق تجاوزها أكثر مما يعالجها.
ويضيف براون بُعدًا آخر لا يقل أهمية هو البعد الدولي لهذه المساعي. ثمة جزء كبير من الحماس الغربي لـ»إصلاح» السلطة الفلسطينية يتم ربطه بالسعي إلى إعادة إحياء مسار دبلوماسي مع الكيان الصهيوني. لكن هذا الرهان، كما يشير الباحث، يتجاهل حقيقة جوهرية: أن القيادة الحالية للكيان لا تميّز بين السلطة الفلسطينية و»حماس»، وترفض مبدئيًا قيام دولة فلسطينية. بل إنها تعمل على إضعاف «السلطة» نفسها ماليًا وسياسيًا. وعلى هذه الخلفية يصبح تعديل القوانين الفلسطينية لتلبية شروط خارجية غير قابلة للتحقق ضربًا من العبث السياسي الذي يتحمل الفلسطينيون وحدهم كلفته.
وربما يكون الأخطر هو أن هذه المساعي تعمّق الفجوة بين «السلطة» والمجتمع الفلسطيني. عندما تُطرح قوانين تقييدية باسم الديمقراطية، في غياب الانتخابات والشرعية الشعبية، لا تكون الرسالة التي يتلقاها المواطن رسالة إصلاح، وإنما رسالة ضبط وسيطرة. وهو ما يحذّر منه براون حين يشير إلى أن أي انتخابات تُجرى في ظل قانون إقصائي لن تمنح الفائزين شرعية بقدر ما ستزيد من التشكيك في النظام برمته، لأن الجميع يدرك أن النتائج كانت مُدارة سلفًا.
يفكك براون أيضًا وهم «تحويل» حركة «حماس» إلى حزب سياسي بوسائل الضغط القانوني. إن هذه العملية، إذا كانت ممكنة أصلًا، تتطلب مؤسسات ديمقراطية قوية، وقواعد لعب مستقرة، وثقة متبادلة -وهي شروط غائبة بالكامل في السياق الفلسطيني الراهن. ولذلك، ستفضي أي محاولة لفرض هذا التحول من أعلى، باستخدام قانون تديره مؤسسات ضعيفة ومتحيّزة، إلى خلق مساحات رمادية جديدة فقط، والتي تزيد المشهد تعقيدًا بدل تبسيطه.
باختصار، تؤكد أطروحات براون الانطباع بأن قانون الأحزاب الفلسطينية، بصيغته المطروحة أو المتداولة، لا يشكل بأي حال مدخلًا لإصلاح السلطة الفلسطينية، وبأنه ليس سوى مرآة لأزمتها العميقة. لا يمكن أن يبدأ إصلاح حقيقي بإقصاء خصوم سياسيين، ولا بإعادة هندسة المجال العام بما يضمن بقاء القائمين عليه. ينبغي أن يكون الإصلاح معنيًا بإعادة بناء الشرعية، وفتح الفضاء السياسي، وضمان التعددية والمساءلة. وأي محاولة للالتفاف على هذه الحقائق باستخدام أدوات قانونية انتقائية لن تنقذ السلطة بقدر ما ستسرّع تفككها، وتزيد مساحة الانفصال بينها وبين المجتمع الذي تزعم تمثيله.