عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    20-Apr-2026

إشارات صامتة تسبق "الانهيار".. كيف نكشفها في سلوك المقربين؟

 خبراء: التغيرات النفسية لا تأتي فجأة بل تتسلل عبر تفاصيل صغيرة

الغد-ديمة محبوبة
 تبدأ دانا حديثها عن صديقتها التي بدأت تنسحب بهدوء من كل ما حولها، فتقول: "في البداية كان الأمر بسيطا، اعتذارات متكررة عن الخروج ردود قصيرة، غياب غير معتاد، فلم يكن هناك موقف واضح يفسر هذا التغير".
 
 
لكن دانا شعرت أن الأمر أعمق من مجرد "مزاج"، فبدل أن تضغط عليها أو تتركها، قررت أن تبقى قريبة بطريقة هادئة، فكانت ترسل لها رسائل بسيطة من دون إلحاح، تسأل عنها، وتخبرها أنها موجودة إذا احتاجتها.
وتضيف أن الأمر احتاج وقتا، لكن صديقتها بدأت تدريجيا بالحديث، وبالرغم من أنه لم يكن سهلا في البداية. تقول دانا: "أنا لم أحل مشكلتها، لكني كنت متواجدة دوما بجانبها". هذا الحضور البسيط أعاد لصديقتها شعورا بالأمان، وساعدها على الخروج تدريجيا من عزلتها.
أما أحمد (25 عاما)، يروي عن صديق له كان يستخدم السخرية كغطاء لكل شيء، فكان يمزح باستمرار ولا يترك مجالا لأي حديث جدي، على غير عادته. في البداية، وفق أحمد، تعاملوا مع الأمر كجزء من شخصيته الجديدة، لكنه لاحظ أن الضحك لم يعد عاديا بل يخفي وراءه شيئا من التعب.
ويضيف أنه في إحدى المرات اختار أن يكسر هذا النمط، فسأله بشكل مباشر ولكن هادئ: "هل حقا أنت بخير؟". السؤال لم يكن عابرا، بل جاء في لحظة صمت، بعيدا عن المزاح، ففي البداية تهرب صديقه لكن مع تكرار المحاولة بلطف، بدأ يتحدث عن ضغط يمر به ولم يشاركه مع أحد.
 "أنا هنا" تشعر الآخر بالاهتمام
يقول أحمد: "شعور صديقي بأنه مرئي، وأن هناك من يفهمه ويهتم بالسؤال الحقيقي عنه ومعرفة أخباره بالفعل، جعله قادرا على قول ما يكدر صفوه".
ويبين أن تحولاته وعودته لطبيعته لم تكن سريعة، لكنه كان يوميا يتصل به ويفضفض، وكأنه ملجأ له ومساحة أمان يمكن الوثوق بها.
وفي تجربة سارة مع أختها، كان التغيير يظهر بشكل أوضح على السوشال ميديا؛ منشورات تحمل معاني حزن، صور تعبر عن وحدة، ايضا كلمات غير مباشرة.
ورغم أن أختها كانت تتصرف بشكل طبيعي داخل البيت، إلا أن سارة شعرت أن ما تنشره ليس عابرا، فبدل أن تتجاهل ذلك، بدأت تقترب منها أكثر، ليس عبر المواجهة المباشرة بل من خلال التفاصيل اليومية، كجلسات أطول معها، وحديث عفوي، ومشاركة وقت بسيط.
وتضيف أنها عندما وجدت أن الوقت حان، فتحت معها الحديث بلطف عن الأشياء التي تنشرها، من دون اتهام أو ضغط.
وتقول سارة: "كنت أريدها أن تعلم بأني أفهمها وأشعر بها، من دون أن أضعها بموقف دفاعي وأرهقها أكثر"، مشيرة إلى أن هذا التدرج جعل أختها تشعر بالأمان، وبدأت تتحدث عن مشاعر كانت تخفيها، لتبدأ بعدها رحلة أهدأ في التعامل مع ما تمر به.
هذه الحالات لا تتحدث عن حلول معقدة، بل عن أشياء بسيطة؛ كملاحظة، وسؤال صادق، ووجود مستمر من دون ضغط. في كثير من الأحيان، لا يحتاج الشخص إلى من "ينقذه"، بل إلى من يراه فعلا، ويمنحه مساحة آمنة ليكون كما هو. الحضور قد لا يغير كل شيء، لكنه قد يكون الفرق بين البقاء في الصمت أو البدء بالكلام.
  تغير السلوك تدريجيا
خبراء في التربية يؤكدون أن الحالة النفسية الصعبة لا تبدأ بشكل واضح أو مفاجئ، بل تتسلل بهدوء في تفاصيل صغيرة تمر من دون انتباه. يتغير السلوك تدريجيا، وينسحب الشخص قليلا، يقل كلامه، أو يصبح أكثر صمتا من المعتاد، ويبدو الأمر عاديا في البداية، لكنه أحيانا يكون تعبيرا عن تعب داخلي لا يقال بالكلمات.
 يرى اختصاصي علم الاجتماع الدكتور حسين خزاعي أن بعض الأشخاص يبتعدون عن محيطهم من دون سبب واضح، فيعتذرون عن اللقاءات أو يختفون من التواصل اليومي، وآخرون يفعلون العكس تماما، فيظهرون بشكل ساخر أو مبالغ فيه، يكثرون من المزاح أو الاستهزاء، وكأنهم يخفون خلف ذلك شعورا أثقل.
ويؤكد أن هذه التغيرات لا تكون دائما طلبا مباشرا للمساعدة، لكنها إشارات إلى أن شيئا ما تغير في الداخل، وأنه مرئي لمن يهمه أمره، مبينا أن كثير من الناس اليوم يتقوقعون على ذاتهم، وأن همومهم كبيرة، فلا داعي لزيادة همهم ومشاركة الآخرين بمشاكلهم.
حالة الفردية يمكن أن تهدد حياة الشخص
ويضيف أن حالة الفردية التي تزرعها وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تهدد حياة الفرد، من خلال عدم اهتمام الشخص حتى بأصدقائه وأقاربه.
ومن هنا يشير خزاعي إلى أهمية مراعاة والاهتمام بحضور من نحبهم ونهتم بهم حتى على السوشال ميديا، ويبين أن أي تحول على المنشورات يمكن أن يحمل معاني غير مباشرة، وصورا تعبر عن الوحدة أو التعب، أو مشاركة محتوى فيه حزن مبطن.
قد لا تكون هذه الرسائل واضحة للجميع، لكنها في كثير من الأحيان محاولة للتعبير بطريقة غير مباشرة عن حالة داخلية يصعب شرحها.
التغيير في تفاصيل كثيرة، كاضطراب في النوم، وفقدان الاهتمام بأشياء كانت مهمة، وتراجع في الطاقة أو صعوبة في التركيز. الشخص أحيانا يكون حاضرا جسديا، لكنه منفصل ذهنيا عما يحدث حوله، وهذه ليست حالات طارئة بحد ذاتها، لكنها مؤشرات على ضغط نفسي يتراكم مع الوقت.
  الانتباه للإشارات المبكرة قبل تفاقم الحالة
المرشدة النفسية والتربوية رائدة الكيلاني توضح أن الأفراد اليوم يعيشون حالة من الضغط العام، فتظهر عليهم إشارات في حياتهم على الواقع وحتى في مواقع التواصل الاجتماعي، وأن الانتباه لهذه الإشارات المبكرة مهم، لأنها تعطي فرصة للتدخل قبل أن تتفاقم الحالة.
وتبين أن السؤال البسيط، أو الملاحظة الصادقة، أو مجرد الحضور والدعم قد يفتح مساحة للشخص ليتحدث، وفي كثير من الأحيان، لا يحتاج الإنسان إلى حلول فورية، بل إلى شعور بأنه مرئي ومفهوم.
وتوضح أن ليست كل التغيرات مؤشر خطر، لكن تجاهلها بالكامل قد يفوت فرصة الفهم، فما يظهر على السطح قد يكون أقل بكثير مما يحدث في الداخل، وبعض الصمت لا يعني أن الأمور بخير، بل أحيانا يعني أن التعب أكبر من أن يقال.
 الصمت أو الابتعاد عن التواصل
في حين تشير الكيلاني إلى أنه في علم النفس لا يمكن فهم هذه الحالة فقط كسلوك عابر، بل ضمن إطار ما يعرف بآليات التكيف النفسية، وتوضح أن بعض الأشخاص حين يمرون بضغط داخلي مرتفع، يلجؤون إلى ما يسمى Avoidance Coping (التكيف بالتجنب)، أي الابتعاد عن المواقف أو الأشخاص أو حتى المشاعر التي تسبب لهم ضغطا، وهذا يفسر الانسحاب، الصمت أو تقليل التواصل، حيث يحاول العقل تقليل التوتر عبر "الابتعاد" بدل المواجهة.
وحسب الكيلاني هناك تشير تفسيرات أخرى إلى دور ما يعرف بـEmotional Suppression  (كبت المشاعر)، حيث يتجنب الشخص التعبير عما يشعر به، إما لأنه لا يعرف كيف يعبر، أو لأنه اعتاد أن إظهار المشاعر غير مرحب به. وهذا الكبت لا يختفي، بل يظهر بطرق غير مباشرة، مثل السخرية الزائدة، التوتر، أو حتى تغيّر السلوك على السوشال ميديا.
من جهة أخرى، هناك ما يعرف بنظرية العبء المعرفي كجزء من هذه الحالة، حيث يكون العقل مثقلا بالتفكير والضغوط، فيفقد قدرته على التركيز والتفاعل الطبيعي.
لذلك يظهر التشتت، وضعف الانتباه، والشعور بالإرهاق حتى من دون مجهود واضح، فلا يكون الشخص "غير مهتم"، بل مستنزف ذهنيا.
  فرط الاستثارة النفسية
وتبين أن الشخص عندما يعاني من جهد ذهني، يرتبط ذلك أيضا بـ(فرط الاستثارة النفسية)، حيث يبقى الجهاز العصبي في حالة تنبّه مستمرة نتيجة التوتر المتراكم. في هذه الحالة، يعاني الشخص من صعوبة في النوم، أو شعور دائم بعدم الراحة وكأن جسده غير قادر على التهدئة الكاملة.
وتشرح الكيلاني أن ما يجب أن يعرفه الجميع، أن هذا التعب النفسي يتسلل بهدوء، من دون إعلان واضح أو لحظة فاصلة، فلا يأتي على شكل حدث كبير، بل يظهر في تفاصيل صغيرة تمر عادة من دون انتباه، كتغير السلوك تدريجيا، فينسحب الشخص قليلا، يقل كلامه أو يصبح أكثر صمتا من المعتاد.
وأخيرا، تؤكد الكيلاني أن ليس كل تغيير خطرا على حياة الفرد أو دليلا على أنه يفكر بإيذاء ذاته، لكنها تشجع على العودة إلى الإنسانية تجاه أنفسنا ومن نحب، بأن نلحظهم ولا نتجاهل تغيراتهم، وأن نكون دعما وسندا بالشكل الذي يرغبه هذا القريب، لنكون ملجأ وأداة مساعدة، ونمنع تفاقم الحالة ووصولها إلى خطوط حمراء، فلا يفيد الندم وقتها.