عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    27-Apr-2026

هوس إسرائيل بالحرب

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
رمزي بارود* - (كاونتربنش) 23/4/2026
 
تدخل إسرائيل الآن لحظة غير مسبوقة من الهشاشة. ويجب أن يقوم بكشف هذه الهشاشة -بوضوح، وثبات، وعلى وجه السرعة- كل من يسعى إلى إنهاء هذه الحروب العبثية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وفتح طريق نحو عدالة تم إنكارها على الفلسطينيين منذ وقت طويل.
 
 
من المغري أن يجادل المرء بأن العقيدة العسكرية الجديدة لإسرائيل تقوم على الحرب الدائمة، لكن الواقع أكثر تعقيدًا. ولا يعني ذلك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، سوف يعترض على مثل هذا الترتيب. بل على العكس: يوحي اندفاعه الدؤوب الذي لا يكل نحو التصعيد العسكري بذلك تمامًا. ويتطلب مسعاه المُعلن صراحةً نحو تحقيق "إسرائيل الكبرى" بالضبط هذا النوع من العسكرة الدائمة -التوسع الذي لا ينتهي والتدمير الإقليمي المستدام.
مع ذلك، لا تستطيع إسرائيل أن تخوض قتالًا مفتوحًا على جبهات متعددة إلى ما لا نهاية. مع أن المسؤولين الإسرائيليين يتباهون بالقتال على "سبع جبهات"، فإن الكثير من هذه الجبهات، من الناحية العسكرية، متخيلة إلى حد كبير بدلًا من كونها ساحات قتال مستمرة.
أما الحروب الحقيقية فهي من صنع إسرائيل بالكامل: من الإبادة الجماعية في غزة إلى حروبها الإقليمية التي تشنها من دون استفزاز.
مع ذلك، لا ينبغي أن تعمينا هذه الحقيقة عن رؤية حقيقة أخرى: في فترة التحضير التي سبقت شن الحرب على إيران، وكذلك في التصعيد ضد لبنان، كان هناك إجماع شبه كامل بين اليهود الإسرائيليين. وقد أظهر استطلاع أجراه "معهد الديمقراطية الإسرائيلي" في اليومين الثاني والثالث من آذار (مارس) أن 93 في المائة من اليهود الإسرائيليين أيدوا الهجوم الأميركي-الإسرائيلي المشترك على إيران. وكان هذا الدعم عابرًا للأطياف وكل المعسكرات السياسية. وكان هذا الحماس نفسه قد رافق حرب الإبادة في غزة ومختلف الحروب وموجات التصعيد في لبنان.
وحتى يائير لابيد -الذي يجري تسويقه في الخارج كثيرًا جدًا وبطريقة مضللة على أنه "حمامة"- دعم هذه الحروب بالكامل، معترفًا بعد وقف إطلاق النار مع إيران بأن إسرائيل دخلتها بـ"إجماع نادر"، وأنه أيدها "منذ اللحظة الأولى".
ولم تكن انتقاداته المتكررة، شأنها شأن انتقادات سياسيين إسرائيليين آخرين، تتعلق بالحرب نفسها، بل كانت تتعلق بفشل نتنياهو في تحقيق نتيجة استراتيجية.
وهنا يكمن التمييز الحاسم. يدعم الإسرائيليون الحروب في معظمهم، لكن كثيرين منهم لم يعودوا يثقون بقدرة نتنياهو على تحويل التدمير إلى نصر استراتيجي. وبحلول منتصف نيسان (أبريل)، منح 92 في المائة من اليهود الإسرائيليين الجيش تقييمًا مرتفعًا لإدارته حرب إيران، بينما منح 38 في المائة فقط تقييمات عالية للحكومة. بعبارة أخرى، ما يزال الجمهور يؤمن بالحرب، لكنه يزداد شكًا في القيادة التي تخوضها.
ربما لا يكون هذا التمييز مهمًا كثيرًا بالنسبة لنا، حيث النتيجة تبقى موتًا جماعيًا ودمارًا وعنفًا استعماريًا. لكن له، في حسابات إسرائيل العسكرية والاستراتيجية، أهمية بالغة. وقد اتبعت حروبها تاريخيًا نموذجًا مألوفًا: سحق المقاومة، وفرض الهيمنة العسكرية والسياسية، ثم تحويل العنف في ساحة المعركة إلى توسع استعماري.
لكن نتنياهو لم يحقق أيًا من ذلك. هذا هو السبب في أن الغضب والضجيج في إسرائيل بشأن وقف إطلاق النار في لبنان في 16 نيسان (أبريل) كانا شرسين إلى هذا الحد، وهو السبب أيضًا في تعميق المخاوف المحيطة باحتمال أن يكون الوصول إلى طريق مسدود مع إيران أكبر.
لم يحقق وقف إطلاق النار في لبنان بوضوح أحد الأهداف المركزية المعلنة لإسرائيل: نزع سلاح "حزب الله". وقد أبقت إسرائيل قواتها في جنوب لبنان، لكن الاتفاق أوقف العمليات الهجومية، ولم يقترب حتى مجرد اقتراب من "النصر الكامل" الموعود.
بالنسبة لكثيرين في إسرائيل، تُقرأ أي نتيجة لا ترقى إلى النصر الكامل فورًا على أنها هزيمة. وقد عبّر أحد قادة المناطق الشمالية في إسرائيل، إيال شتيرن، عن هذا المزاج بوضوح صارخ عندما تساءل، تعليقًا على وقف إطلاق النار في لبنان، عن كيف انتقلت إسرائيل "من نصر مطلق إلى استسلام كامل"، في ملاحظات نقلتها محطة (سي. إن. إن).
هذه هي الأزمة الحقيقية التي تواجه إسرائيل اليوم: ليس أنها اكتشفت محدودية الحرب الدائمة، بل أنها اكتشفت مرة أخرى أن العنف الإبادي لا يُفضي تلقائيًا إلى نصر سياسي.
في حين تمتلك إيران أوراق ضغط سياسية قد تسمح بهدنة طويلة الأمد، أو حتى وبشكل خاص أولئك الذين في غزة. على عكس الآخرين الذين لديهم بعض الهامش السياسي ومساحة للمناورة، يعيش الفلسطينيون تحت الاحتلال والفصل العنصري والحصار الإسرائيلي. وقد تم تحويل غزة، على وجه الخصوص، إلى جيب مغلق من الدمار المطلق. وقد أنتج حصارها المحكم واحدة من أفظع الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث: ثمة سكانٌ كاملون يعيشون على مياه ملوثة، وبنية تحتية مدمرة، وغذاء شحيح إلى حد خطير، وآلاف الذين ما يزالون مدفونين تحت الأنقاض.
بعيدًا عن صمودهم الأسطوري، يعمل الفلسطينيون تحت قيود شديدة تحد من قدرتهم على فرض شروطهم على إسرائيل، خاصة في ظل استمرار حصولها على دعم غير مشروط من الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. ومع ذلك، تبقى قدرتهم على التحمل، وفعلهم الجماعي، وحضورهم المتواصل، أشكالًا قوية من النفوذ التي لا يمكن احتواؤها بسهولة.
دائمًا سيجد نتنياهو -وأولئك الذين يأتون من بعده- في فلسطين ساحة يمكن خوض الحرب فيها باستمرار وبتكلفة منخفضة نسبيًا على إسرائيل نفسها. وعلى خلاف ساحات أخرى تصبح فيها الحرب غير قابلة للاستدامة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، حولت إسرائيل احتلالها لفلسطين إلى ساحة قتال دائمة.
وحتى إذا غادر نتنياهو، الذي تراجعت مكانته السياسية الآن وتقدم في السن، المشهد السياسي، فإن النموذج الكامن سيبقى قائمًا. وسوف يواصل القادة الإسرائيليون في المستقبل شن الحرب على فلسطين، ليس استخفافًا بتكاليفها بقدر ما هو بسبب فوائدها المتصورة: إنها ممولة ماليًا، ومجدية استعماريًا، وقابلة للاستدامة سياسيًا ضمن البنية الحالية لإسرائيل.
لكسر هذا النموذج، يتعين على الفلسطينيين توليد نفوذ حقيقي -نفوذ فعلي. ولا يمكن لهذا أن يأتي من مفاوضات عقيمة أو مناشدات لقانون دولي طال تجاهله، بل يجب أن ينبع من مقاومة جماعية مستدامة للاستعمار، مدعومة بدعم ذي معنى من الدول العربية والإسلامية وحلفاء دوليين حقيقيين، ومعززة بتضامن عالمي قادر على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل -والأهم على داعميها الرئيسيين.
في الوقت الراهن، يواصل نتنياهو حروبه لأنه لا يملك جوابًا عن إخفاقاته الاستراتيجية الخاصة. وهنا، لا يكون التصعيد قوة بقدر ما هو الملاذ الأخير لقيادة عاجزة عن تحقيق النصر.
لكن هذا يكشف عن شيء آخر أيضًا: أن إسرائيل تدخل لحظة غير مسبوقة من الهشاشة. ويجب أن يقوم بكشف هذه الهشاشة -بوضوح، وثبات، وعلى وجه السرعة- كل من يسعى إلى إنهاء هذه الحروب العبثية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وفتح طريق نحو عدالة تم إنكارها على الفلسطينيين منذ وقت طويل.
 
*د. رمزي بارود Ramzy Baroud: صحفي ومؤلف ورئيس تحرير موقع "ذا بالستاين كرونيكل". وهو مؤلف ستة كتب. صدر كتابه الجديد "قبل الطوفان: مذكرات عائلة من غزة عبر ثلاثة أجيال من الغزو الاستعماري والاحتلال والحرب في فلسطين" Before the Flood: A Gaza Family Memoir Across Three Generations of Colonial Invasion, Occupation and War in Palestine، عن دار "سيفن ستورز برِس". ومن كتبه الأخرى: "رؤيتنا للتحرير" Our Vision for Liberation؛ و"أبي كان مقاتلًا من أجل الحرية" My Father was a Freedom Fighter؛ و"الأرض الأخيرة" The Last Earth. وهو زميل بحث أول غير مقيم في "مركز الإسلام والشؤون العالمية" (CIGA).