"جولة جنيف".. هل تسكت طبول الحرب؟
المفاوضات المرتقبة بين واشنطن وطهران محطة لإعادة ضبط ميزان القوى بالمنطقة
الغد-إيمان الفارس
تظل مفاوضات جنيف المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، محطة لإعادة ضبط ميزان القوى في المنطقة، لا نهاية للصراع، وسط إدارة متوازنة للتوترات الاقتصادية والعسكرية، مع التركيز على منع التحول الإيراني إلى دولة عتبة نووية رسمية، والحفاظ على استقرار إقليمي هش ومتقلب.
وفي ظل ترقب إقليمي ودولي، تتجه الأنظار إلى المفاوضات المنتظرة، وسط تساؤلات حول مسارها والسيناريوهات المحتملة لنتائجها، وانعكاساتها على استقرار المنطقة وعلاقات واشنطن بطهران.
فوفق تقديرات خبراء في الشأن السياسي والإستراتيجي، في تصريحات لـ"الغد"، فإن ما يميز هذه الجولة التفاوضية؛ هو تصاعد التوتر العسكري بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، إذ ترافق المحادثات تهديدات أميركية صريحة باستخدام القوة، مع حشد ضخم للقوات البحرية والجوية والبرية في المنطقة، بما يشمل حاملات طائرات وقواعد عسكرية متقدمة.
وينظر إلى هذا التحرك كإشارة واضحة لإيران بأن واشنطن جادة في فرض خياراتها إذا لم تحقق المفاوضات النتائج المرجوة.
وأشار المختصون إلى أن الملفات الأساسية التي يركز عليها المسار الأميركي تشمل؛ البرنامج النووي الإيراني، وتجميد البرنامج الصاروخي، ووقف دعم إيران للميليشيات ووكلائها في دول الجوار.
وتتقاطع هذه المطالب مع أهداف إسرائيل الإستراتيجية، التي ترى في أي فشل للمفاوضات فرصة لدفع الولايات المتحدة نحو استخدام القوة العسكرية ضد طهران، في وقت تعاني فيه الأخيرة من ضغوط اقتصادية شديدة وانخفاض حاد في قيمة العملة.
ومن منظور الخبراء، فالموقف الإيراني يتميز بالتصلب في القضايا الحساسة، خصوصا رفض دمج الملف الصاروخي ضمن المفاوضات، مع سعي لإدارة التفاوض على مراحل، وتحصيل مكاسب اقتصادية مقابل تجميد البرنامج النووي.
وهذا التوجه يزيد من احتمالات عدم التوصل إلى اتفاق شامل سريع، ويدفع كلا الطرفين لإدارة صراع محسوب بين ضغوط سياسية وعسكرية.
أما عن السيناريوهات المتوقعة وفق الخبراء، فتتراوح بين اتفاق مرحلي محدود، يتيح تجميد التخصيب عند مستوى معين مقابل تخفيف جزئي للعقوبات، أو فشل المفاوضات والانزلاق إلى مرحلة ردع ساخن قد تؤدي إلى احتكاكات محدودة تؤثر على أسعار النفط والإمدادات البحرية، وصولا إلى سيناريو حرب محتملة.
وعلى صعيد انعكاسات المفاوضات، توقع الخبراء أن أي اتفاق مرحلي سيخفض منسوب التوتر في الخليج، ويمنح ساحات مثل العراق وسورية واليمن هامش تهدئة نسبية، في حين أن فشل المفاوضات قد يؤدي إلى سباق تسلح إقليمي، ويحفز قوى أخرى على تطوير خيارات ردعية خاصة بها.
وفي ظل ترقب إقليمي ودولي لمسار التفاهمات المرتقبة بين واشنطن وطهران، تتجه الأنظار إلى تقييم دلالات هذه المفاوضات واحتمالات مآلاتها السياسية والعسكرية وانعكاساتها على استقرار المنطقة.
مفاوضات وتصعيد
وفي هذا السياق، أكد الخبير والمحلل العسكري والإستراتيجي د. نضال أبو زيد، أن الحديث عن المفاوضات المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف الثلاثاء المقبل، يتزامن مع تصعيد واضح في حدة الخطاب العسكري الأميركي.
وأشار أبو زيد إلى تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أعلن فيها إصدار أوامر بتحريك حاملة الطائرات USS جيرالد فورد إضافة إلى طائرات F-15E المعروفة باسم سترايك إيغل، في دلالة على أن واشنطن تلوح بالخيار العسكري بالتوازي مع المسار الدبلوماسي.
وقال إن هذا التزامن يعكس توقعا أميركيا بعدم وصول مفاوضات الثلاثاء إلى النتيجة التي يريدها ترامب، لا سيما أنه طرح التفاوض كحزمة واحدة تشمل ما وصفه بمفاعلات الردع الإيرانية الثلاثة؛ النووي والباليستي والوكلاء، مطالبا برد حاسم بالموافقة أو الرفض، في حين تدرك واشنطن أن طهران لن توافق على إدراج الصواريخ الباليستية ضمن التفاوض، وستقبل فقط بمناقشة الملف النووي.
وبين أن الموقف الإيراني دفع بالتيار المتشدد إلى الواجهة الإعلامية، حيث أكد المستشار السياسي والعسكري للمرشد الأعلى الإيراني عضو مجلس الدفاع الأعلى الإيراني علي شمخاني صراحة، أن التفاوض سيقتصر على الملف النووي، وأن الباليستي غير مطروح، كما طرح أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني الموقف ذاته، لكن بنبرة أقل حدة، متحدثا عن تفاوض مرحلي.
وتابع المحلل العسكري أن ذلك يأتي في وقت يظهر فيه أيضا دور وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المنتمي إلى مدرسة وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف، الذي قاد مفاوضات 2015 مع مجموعة الدول الخمس زائد واحد، وهي مفاوضات طويلة ومرهقة انتهت حينها بقبول تلك الدول شروط التفاوض الإيرانية.
وأشار أبو زيد إلى أن هذه المؤشرات تعني أن طهران تتجه نحو استراتيجية التفاوض طويل الأمد وتقسيم المسار إلى مراحل، وهو ما ترفضه واشنطن.
وأضاف أن المعادلة لا تقتصر على الطرفين، إذ يدخل لاعب ثالث رئيسي هو إسرائيل التي تسعى إلى تجريد إيران من منظومة الردع كاملة، النووية والباليستية ووكلائها، ولن تقبل بمفاوضات طويلة أو باتفاق يقتصر على النووي دون الصواريخ.
وتوقع أبو زيد أنه في ظل تقاطعات مواقف اللاعبين الثلاثة، فإن سقف التوقعات لنتائج مفاوضات الثلاثاء يبدو منخفضا، مرجحا أن يتصلب الموقف الإيراني عند شرط حصر التفاوض في الملف النووي، وهو ما قد يدفع ترامب إلى خيار العمل العسكري، خصوصا مع الحشد البحري والجوي المتزايد في مسرح العمليات.
ولفت إلى أن طهران تراهن على ما سماه فجوة الـ20 يوما، أي المدة المتوقعة لوصول الحاملة الأميركية إلى المنطقة، إلا أنه يرى أن واشنطن قد تعجل وصولها، ما يجعل احتمال انهيار المسار الدبلوماسي قائما، مقابل تصاعد فرص المسار العسكري.
ضبط ميزان القوى
بدوره، أكد الخبير الأمني والإستراتيجي د. بشير الدعجة، أن جنيف هذه المرة ليست طاولة مفاوضات، بل ميزان قوى يعاد ضبطه تحت ضغط الزمن النووي، وضغط الحسابات العسكرية، وضغط الاقتصاد المنهك في طهران، فضلا عن القلق الإستراتيجي في واشنطن.
وقال الدعجة إن من يرد قراءة المشهد بواقعية يبدأ من الأرقام لا من الشعارات، ومن ميزان الردع لا من لغة الدبلوماسية الناعمة.
ومنذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة العام 2015، كان زمن الاختراق النووي الإيراني يقدر بنحو عام كامل، أي أن طهران تحتاج 12 شهرا تقريبا لإنتاج ما يكفي من المواد الانشطارية لسلاح واحد إن قررت ذلك، وفق الدعجة.
فاليوم ووفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رفعت إيران نسبة التخصيب إلى 60 %، وهو مستوى يضعها تقنيا على بعد خطوة قصيرة من عتبة الـ90 % اللازمة عسكريا.
والتقديرات الغربية تشير إلى أن زمن الاختراق تقلص إلى بضعة أشهر، وبعض القراءات الأكثر تشددا تتحدث عن أسابيع لإنتاج كمية مواد تكفي لسلاح واحد، وهذه ليست أرقاما للاستهلاك الإعلامي، بل معطيات تعيد تعريف طبيعة التفاوض وحدود الضغط الممكن، بحسب الدعجة.
وأشار الدعجة إلى أن انسحاب إدارة دونالد ترامب العام 2018، أعاد فرض عقوبات قصوى تحت شعار الضغط الأقصى، ما أدى إلى انكماش الاقتصاد الإيراني وفقدان العملة جزءا كبيرا من قيمتها، وارتفاع التضخم إلى أكثر من 40 % في بعض الفترات، وتراجع صادرات النفط، ثم استعادت جزءا منها بطرق التفافية، إلا أن البرنامج النووي لم يتوقف، بل توسع نوعيا وكميا.
وأضاف أن إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، حاولت إعادة المسار الدبلوماسي، لكنها اصطدمت بواقع جديد، فإيران باتت أقرب تقنيا إلى العتبة النووية مما كانت عليه عند توقيع الاتفاق الأصلي.
وذكر الدعجة أن تقييم مسار المفاوضات المرتقبة يظهر أنها مفاوضات إدارة أزمة لا تسوية نهائية؛ فواشنطن تفاوض لمنع تحول إيران إلى دولة عتبة نووية رسمية، وطهران تفاوض لتحصيل ثمن اقتصادي وسياسي لما أنجزته تقنيا بالفعل، مؤكدا أنه في هذه المرة لا يأتي الإيراني إلى الطاولة ليمنع نفسه من التقدم، بل ليحصل على مقابل لتجميد التقدم.
وأضاف إن السيناريو الأول والأكثر ترجيحا يتمثل في اتفاق مرحلي محدود، يشمل تجميد التخصيب عند مستوى معين أو خفضه تدريجيا مقابل تخفيف جزئي ومدروس للعقوبات، وربما الإفراج عن مليارات الدولارات المجمدة، وربما توسيع هامش تصدير النفط، وهذا السيناريو يمنح الطرفين مكسبا تكتيكيا دون تنازل إستراتيجي.
ولفت إلى أن واشنطن تبطئ البرنامج، وطهران تنقذ اقتصادها من الاختناق الكامل، لكنه لا يحل جوهر الصراع بل يؤجله.
وتابع الدعجة أن السيناريو الثاني يتمثل في فشل المفاوضات والانزلاق إلى مرحلة ردع ساخن.
وأضاف أن لا أحد يريد حربا شاملة، لكن الجميع يلوح بها؛ فالولايات المتحدة لديها قوات منتشرة في المنطقة، وإيران تمتلك شبكة ردع غير تقليدية عبر ساحات متعددة.
فأي احتكاك محدود قد يرفع أسعار النفط فوريا ويؤثر على ما يقارب ثلث الإمدادات المنقولة بحريا عبر الخليج، الأمر الذي قد يؤدي إلى تضخم إضافي في اقتصادات لم تتعاف بعد من أزماتها.
وأوضح أن السيناريو الثالث يتمثل في اتفاق موسع طويل الأمد يعيد ضبط العلاقة ويشمل آليات تفتيش صارمة، وضمانات تقنية أعمق، وربما تفاهمات غير معلنة حول السلوك الإقليمي، إلا أن ذلك يتطلب قرارا سياسيا شجاعا من الطرفين، مؤكدا أن البيئة الداخلية في واشنطن منقسمة، والملف النووي في طهران ملف سيادي رمزي، لذلك يظل هذا المسار هو الأصعب، وإن كان الأكثر تأثيراً لو تحقق.
وشدد الدعجة على أن انعكاسات المسار التفاوضي على العلاقات بين واشنطن وطهران ستبقى محكومة ببراغماتية باردة.
وقال إنه لا عودة سريعة إلى علاقات طبيعية، ولا انهيار شامل، بل إدارة صراع مضبوط، وقنوات خلفية، ورسائل ردع متبادلة، وتفاهمات موضعية حسب الحاجة.
وأضاف: "إقليميا سيخفض نجاح الاتفاق المرحلي منسوب التوتر في الخليج، ويمنح ساحات مثل العراق وسورية واليمن هامش تهدئة نسبيا، أما الفشل فسيعيد الحديث بقوة عن سباق تسلح إقليمي، وقد يدفع قوى أخرى للتفكير بخيارات ردعية خاصة بها، وهي نقطة مفصلية في الحسابات الأمنية بعيدة المدى."
ورجح الدعجة أن جنيف لن تكون نهاية الصراع، بل محطة لإعادة تعريف قواعده؛ فالاحتمال الأكبر هو تثبيت معادلة تجميد مقابل تنفس اقتصادي، أي إدارة للانفجار تحت سقف محسوب، لأن الحرب الشاملة مكلفة للجميع، ولأن امتلاك إيران قدرة عتبة نووية كاملة سيغير موازين الشرق الأوسط جذرياً، وبين هذين الحدين يتحرك التفاوض على حافة ردع متبادل، وتحت ظلال أرقام لا يمكن تجاهلها.
الإستراتيجية الأميركية
وفي ظل الترقب الإقليمي والدولي للمفاوضات النووية المرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف، أوضح رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، أن الإستراتيجية الأميركية هذه المرة تختلف بشكل جذري، إذ تترافق العملية التفاوضية مع تهديد صريح باستخدام القوة في حال فشلت المفاوضات.
وأكد شنيكات أن التجمع العسكري الهائل للقوات الأميركية في المنطقة، بما يشمل أكثر من حاملة طائرات، قوات ضاربة برية وجوية، وقواعد عسكرية يتم شحن الطائرات إليها من الولايات المتحدة، يشكل رسالة واضحة لطهران بأن واشنطن جادة في خيار القوة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق.
وأشار شنيكات إلى أن المفاوضات الأميركية تركز على ثلاثة ملفات رئيسية؛ الأول التخلص من البرنامج النووي الإيراني، والثاني وقف البرنامج الصاروخي الإيراني وتجميده، والثالث إيقاف دعم إيران للميليشيات ووكلائها المحليين في الدول المجاورة مثل لبنان وغيرها، وهو ما يمثل الهدف الإستراتيجي لإسرائيل.
وقال إن الضغط الإسرائيلي كبير تجاه استخدام القوة العسكرية لدفع إيران إلى الاستسلام الكامل للمطالب الأميركية، مشيرا إلى أن إسرائيل تراهن على فشل المفاوضات، وأن أي فشل سيكون ذريعة للولايات المتحدة لتطبيق المطالب بالقوة العسكرية، مستندة إلى ضعف إيران الاقتصادي وحالة انهيار العملة، ووفقا للمصادر الأميركية والإسرائيلية التي ترى أن الوقت الحالي يمثل فرصة تاريخية لتغيير الموازين في إيران.
وأضاف شنيكات أن هذه المطالب تعتمد بشكل كبير على موقف إيران، إذ إن قبولها بالمطالب الأميركية قد يؤدي إلى تغييرات داخل إيران وربما على صعيد المنطقة، بينما رفضها قد يدفع نحو سيناريو الحرب، الذي يصعب التنبؤ بتفاصيله، نظرا إلى سجل الولايات المتحدة المتفاوت في العمليات العسكرية، حيث نجحت بشكل استثنائي في بعض الحالات وفشلت في أخرى مثل أفغانستان.
كما أشار إلى أن طبيعة الحرب الأميركية المحتملة قد تكون محدودة وجراحية تستهدف مراكز القيادة والتحكم وكبار المسؤولين الإيرانيين، أو قد تكون صراعا مدمرا طويل الأمد، ما قد يؤدي إلى استنزاف أمريكي، وهو ما يسعى ترامب لتجنبه من خلال حرب سريعة خاطفة وحاسمة.
وتوقع أن تتراوح سيناريوهات المفاوضات بين قبول إيران بالمطالب الأميركية أو مواجهة سيناريو الحرب، مؤكدا أن الضغط الإسرائيلي مستمر لدفع أجندة الحرب، في حين أن الولايات المتحدة تجمع قواها العسكرية الهائلة كدليل على جديتها في استخدام القوة إذا فشلت المفاوضات.
وشدد على أن هذه المعادلة تعكس دقة وحساسية الموقف الأميركي في المنطقة.