عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-May-2026

ذيبان بين ابو مازن .. ومكرم !!!! أحمد سلامة

 

عمون-
 
منذ الصباح، اخذني الصديق الوفي ابن الفارس الوطني الشهم (مكرم مصطفى القيسي) الى ذيبان، لزيارة احسست بانها اكثر من حنونة اعلى واكبر من محزنة .. اذ حين تتداخل اقدار الرجال بالاماكن ثمة غيمة من توتر تغشى النفس.
 
كان عمر بن الخطاب امبراطورنا العادل الفذ، قد نصح الجند في العراق، تجنب الاقامة في المدن ومناطق السبخات لان المدن تفسد الانفس وتترهل فيها الخيول وادركت ان كل ما يقوله ( الفاروق ) حكمة ازلية سرمدية.
 
اليوم تركنا (مكرم وانا ) عمان مبكرا واتجه بنا المعزب الجواد، الى الشقيق ومن ثم الى مزرعة ابو مازن رحمه الله، كنت دوما اتيها معه في ذيبان او يسبقنا بيوم او يومين فنلحق به نأكل ، ونتمتع بالرفقة بين صور الحسين ومصطفى القيسي وروائح الزهر وطنين النحل وصهيل الخيل.
 
بين صور الحسين ومصطفى القيسي وروائح الزهر وطنين النحل وصهيل الخيل كانت تطل علينا ذيبان منذ تسعينيات القرن الماضي.
 
ولم تزل على حالها الا من صوته المجلجل المرحب بضراوة ويفرح بضيوفه كانه يستمع لموسيقى القرب (انا جعلنا ما على الارض زينة لها ، لنبلوهم ايهم احسن عملا)
 
هذا المكان الذي اتخذه الله سبحانه مقرا لعباده وخلفائه مرفوع لسبب حاسم الوضوح !!! ( لنبلوهم ايهم احسن عملا )
 
بالمعنى الفلسفي فإنّ المكان قد أوجده الخالق سبحانه اولا ومن ثم كان ( الانسان ) !!
 
بهذا المعنى .. اخطر حلقات الوجود هو المكان ولهذا فالوطن يفتدى لانه في المقام الاول..
 
والمكان اوضح طرق التعبير البشري عن النفس وتكشف النوايا ايضا وهكذا عدت لزيارة ذيبان اول مرة بعد ان ترجل فارسها قبل سنين ست!!
 
وكيف حين تتعايش مع ذات صفات ابو مازن في شخص مكرم؟!
 
ذات النبرة وذات الصوت وذات السماط وذات العادات المدهشة في جمالها ..
 
امس .. وعلى مدار ساعاته الست التي قضيتها مع مكرم في كنف الغالي الابدي ابو مازن رحمه الله في عرينه ومكانه تيقنت ان الدنيا لم تزل فينا بخير ..
ولم نزل نمتلك الفرصة في استرداد من هو فينا ( احسن عملا ) ؟؟
 
حين دلفت بنا سيارة مكرم لداخل ( الواحة الذيبانية ) خيم على روحي معنيين متداخلين معنى بحواف الحزن حين تشم رائحة الافتقاد ومعنى تفاؤلي لحظة التماع العين الوارثة لحدقة الاب ذات النبرة يا الله تنسيك ان (العود) قد مضى !!
 
وافيت ذيبان اول مرة على حواف التسعينيات الاولى حين دعاني الباشا لحضور ( سماط ) مكرم لزواجه من الفضيلة الجليلة ( ام المنذر ) لن تفارقني تلك الصورة ..
كان الرصاص والمناسف والفرح قد شكلت قوس قزح لكل ارث القيسية في بلاد الشام حين غادرناها عند مطلع الفجر وادركنا عمان النائمة في حضن الحب والتيه والفخار .. ليلة عرس مكرم كان وطننا وطن الرصاص والرجال ووطن (من ابتلاهم باحسن العمل )
 
بعد ذلك وافيتها عشرات المرات لان مصطفى باشا القيسي لم يكن مديرا للمخابرات العامة كان مديرا للحب.. لقد انسن ذلك البري بحسن ادائه صورة الرجل الاول وكل الرجال
من بعده اقتفوا اثره فاضحى العمل الامني مهمة انسانية ودافئة ايضا ..
 
كان مصطفى القيسي رجل الامتحان الاصعب في حياة المخابرات العامة فهو قد (ابتلي باحسن العمل) في لحظة من تسارع الفعل اودى وميضها بالابصار فزاغت لقد وقع على عاتق ذلك (الجبل الرجل) التعامل بالاحتواء لكل تبعات ( هبة نيسان عام ١٩٨٩ م)
 
فهو من تحمل مسؤولية الانتخابات الحرة النزيهة المطلقة وهو من تعامل مع صعود التيار الواحدي في عالم السياسة (حركة الاخوان المسلمين) ..
 
وهو من وقع على عاتقه معركة العراق مع امريكا بكل تبعاتها وحصار العراق ومن ثم .هو من طوع اصعب حال بالانتقال من رؤية صدام حسين شهيد العروبة في القمر الى رؤية (شمعون بيريز في جبل عمان يتناول ساندويشة الفلافل وايضا وايضا وايضا ..
 
كل ذلك لم يثن ذلك الطاهر النقي الامني من مجالسة خصومه السياسيين في عز اصعب الظروف !!
 
كان ابو مازن يرحمه الله منذ ان قدمني اليه استاذ الطيب والونس ( محمود سعيد ) يرحمه الله في معية رفيق الرحلة التي شارفت على الانتهاء عبد الله العتوم في منزل الاخ والصديق مصطفى خليفات على مادبة غداء فارهة عام 1982 م
 
لم ننقطع عن بعض لحظة واحدة، مديرا ومستشارا ومتقاعدا وعينا ووزيرا والخل الوفي.
 
قد ذهبت اليه مع الابن الوفي ( عمر سلامة ) في مرضه ودعوته الى ( مستراح دبين ) كان مثخنا بالمرض حد المرض لكنه ظل كبيرا بكبرياءه حتى اخر لحظة ..
قبل الدعوة تكريما لحبنا واستقبلته دبين بالخيل والرصاص وودعته كما استقبل ..
 
الاحرار لا يموتون ولا يمرضون حين كان رصاص رداد القرالة يلعلع من فوق شجر اللزاب في دبين سحب الباشا مسدسه الذي لم يفارقه قط ورمى رصاصيتين ..
 
كانت الاولى .. شكرا والثانية رصاصة الوداع بعدها مضى رحمه الله دعاني الحبيب مكرم وخصني بهذا الشرف لازرع شجرة زيتون في ذيبان تقديرا لما كان يحبه .. ولمن كان يحبه ايضا
 
ولقد زرعنا شجرتين الاولى لمكرم والثانية لي وطلب ابو المنذر ان يكتب اسمي بجوار الزيتونة وقال بصوته المجلج. ذات يوم سيأتي احمد سلامة الحفيد ويسقيها دمعت ، وفرحت، ودعوت الله ان يبقي الاردن زيتونا وزعتر ..
 
ذيبان .. بريئة وبسيطة وبستان يشبه صاحبه ليس بالبهرج والقصور الصحراوية الجديدة والقلاع التي تجدد قلعة (الموت / الاسماعيلة ) يخلد البشر البشر يخلدون ( بايهم احسن عملا ) ويؤبدون بالطيب (بالولد الصالح)
 
شكرا يا مكرم بكل القلب
 
واشهد ربي انك من احسن الناس عملا
 
وانك ولد صالح لجبل شامخ