العقل العربي بين الماضي والحاضر وانعكاسه على واقع التعليم العالي*أ. د. هاني الضمور
الدستور
لا يمكن فهم أزمة التعليم العالي في العالم العربي بمعزل عن إشكالية العقل العربي ذاته، ذلك العقل الذي تشكّل تاريخيًا بين لحظات ازدهار معرفي ومراحل طويلة من الجمود والتقليد. فالعلاقة بين الماضي والحاضر لم تُحسم بعد في الوعي العربي، وما زالت الجامعات تعكس هذا التردد العميق بين استعادة التراث دون نقد، ومحاولة الالتحاق بالحداثة دون أدواتها الفكرية.
في مراحله الزاهية، كان العقل العربي منفتحًا على المعرفة، منتجًا لها، وقادرًا على الحوار مع الآخر دون خوف أو تبعية. غير أن هذا العقل دخل لاحقًا في مسار من الانغلاق، انعكس على أنماط التعليم وأساليبه، حيث غلب النقل على العقل، وتحوّلت المعرفة إلى نصوص محفوظة لا تُساءل. ولا تزال آثار هذا الإرث حاضرة بقوة في التعليم العالي العربي، الذي يعاني اليوم من أزمة وظيفة ودور، أكثر من كونه أزمة موارد فقط.
أحد أخطر مظاهر هذه الأزمة يتمثل في اختزال المادة التعليمية إلى خلاصات قاصرة جاهزة، تُقدَّم للطلبة باعتبارها جوهر المعرفة وغايتها النهائية. وبهذا الأسلوب، تُفرغ العملية التعليمية من بعدها التحليلي، ويتحوّل الطالب من فاعل معرفي إلى متلقٍ سلبي، همه استرجاع المعلومة في الامتحان لا فهمها أو توظيفها في قراءة الواقع. إن هذا الاختزال لا يضيّق الأفق الفكري فحسب، بل يُعطّل أيضًا بناء العقل العلمي القادر على الربط والاستنتاج والنقد.
وتزداد الإشكالية تعقيدًا حين تُدرَّس المفاهيم الجامعية في فراغ نظري منفصل عن مشكلات المجتمع وتحولاته. فالمعرفة التي لا تُربط بالواقع تفقد معناها الاجتماعي، وتتحوّل إلى عبء أكاديمي بدل أن تكون أداة وعي وتغيير. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى في التعليم العالي العربي، حيث تُرفع شعارات الجودة والابتكار، بينما تُمارَس داخل القاعات أساليب تدريس تعيد إنتاج العقل التقليدي ذاته.
إن الجامعات العربية، في كثير من الحالات، لا تزال تُخرّج حفظة معلومات أكثر مما تُخرّج محللين وباحثين. ويعود ذلك إلى غياب ثقافة السؤال، والخوف من الاختلاف الفكري، وضعف تشجيع البحث النقدي الحر. وهذا الواقع يعكس أزمة أعمق في بنية العقل العربي المعاصر، الذي يسعى إلى مواكبة العصر شكليًا، لكنه يتردد في تبنّي أدواته الفكرية الجوهرية.
ولا يمكن تجاوز هذا المأزق إلا عبر إعادة تعريف وظيفة التعليم العالي بوصفه فضاءً لإنتاج المعرفة لا مجرد نقلها. فالمطلوب اليوم تعليم جامعي يوسّع أفق الطالب، ويضعه في مواجهة الأسئلة الكبرى لمجتمعه وعصره، ويمنحه أدوات التفكير العلمي التي تمكّنه من قراءة الماضي بوعي، والتفاعل مع الحاضر بفاعلية، وصناعة المستقبل بثقة.
إن إصلاح التعليم العالي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة حضارية ملحّة، لأن الجامعة هي المصنع الحقيقي للعقل الجمعي. ومن دون تعليم عالٍ يحرّر العقل من الخلاصات الجاهزة، ويعيد وصل المعرفة بالواقع، سيبقى العقل العربي أسير الدوران بين ماضٍ يُستدعى بلا نقد، وحاضر يُستهلك بلا وعي، في عالم لا ينتظر المترددين.