الغد
“أتعرف ما معنى الكلمة...؟ * مفتاح الجنة في كلمة * دخول النار على كلمة * وقضاء الله هو الكلمة * الكلمة لو تعرف حرمة * زاد مذخور * الكلمة نور * وبعض الكلمات قبور * إن الكلمة مسئولية...”
هذه التحفة الأدبية للراحل عبد الرحمن الشرقاوي على لسان الحسين في مسرحية) الحسين ثائراً وشهيدا (، يحتاج كثيرون ممن يصنفون أنفسهم أو يصنفهم غيرهم ممن يصدقونهم ب «مثقفين.. مفكرين.. كتاب.. نخب..» إلى قراءتها وحفظها عن ظهر قلب، ليس بالضرورة لأنهم يسيئون استخدام الكلمة وتوظيفها، وإنما لكونهم يتطوعون مع كل حادثة يساء فيها استخدام الكلمة وتوظيفها؛ لتنبري أقلامهم لتفنيد والتبرير وإنكار الوقائع وتلبيسها ثوباً غير ثوبها.. وذلك عوضاً عن ترسيخ ثقافة الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه، بل تجد هؤلاء «المثقفون/الكتاب/النخب» ينطلقون من دفاعهم عن الإساءة إلى الكلمة وسوء توظيفها بالتقليل من شأنها وتسفيه من يرون فيها انعكاساً لطريقة تفكير أو تعبير عن توجه سياسي أو إيديولوجي معين، معززين بذلك سياقاً عاماً يتقبل العشوائية ويحط من شأن الكلمة ويعلي أكثر ممارسات الجهل وضاعةً التي يلخصها المثل الشعبي الذي بات مرجعيتهم ودستورهم في التبرير وتطويع التفكير «الكلام ما عليه جمرك».
لا يمارِ أحد في وجود تيارات تترصد الكلمات والعبارات لتنتزعها من سياقها وحتى من دلالاتها وتحولها إلى ريح متطرفة تقصف بها كل قلم يكتب بخلاف هواها وأهوائها، ومع ذلك، فإن هذا لا ينبغي بحال أن يكون ملاذاً لمن يفترض بهم تقديس الكلمة وتنزيهها عن مواطن الانحراف والانحدار؛ مع كل حادثة يساء فيها إلى الكلمة أو يساء من خلالها إلى قضية أو قيمة أو فرد على منبر عام.
كثير ممن يذودون عن المسيئين إلى الكلمات والمسيئين بها؛ يدّعون أو يظهرون تمسكاً بالتراث والقيم الاجتماعية ذات الصبغة الدينية أو بالقيم الدينية المحضة، ومع ذلك تجدهم أبعد من يطبق الحديث النبوي الذي يعشقونه ويكثرون ترديده “انصر أخاك ظالماً أو مظلوما” خصوصاً في شقه المتعلق بنصرة الظالم بإسداء النصح له ومنعه من ظلمه، فهم عوضاً عن ذلك يسفحون مداد أقلامهم لتحويل إساءة المسيء إلى «مجرد نية وفطرة سليمة.. وتلقائية.. وتودد.. أو تبسيط.. أو رفض للتكلف..»، ليغدو كل معترض على الجلي من الإساءة في الكلام هو المسيء المتصيد، ومن ارتكب الخطأ على مشهد ومسمع الملايين؛ هو ضحية المتربصين المتغولين.
حينما كان المهندس صخر دودين وزيراً للاتصال والإعلام في حكومة الدكتور عمر الرزاز وسؤل عن وثيقة تتعلق بتدابير كرونا تم تسريبها من رئاسة الوزراء وأجاب بأن هذا عمل لن يتم التغاضي عنه ثم قال: «سوف تتدحرج رؤوس»، قامت عليه الدنيا ولم تقعد وحق لها ذلك، لكن قام الرجل بالاعتذار مباشرةً وأوضح أن كلامه جاء في سياق الاستخدام المجازي والكناية وغيرها.. بطبيعة الحال هذا التبرير لحفظ ماء الوجه من مسؤول بارز متوقع ومقبول في الممارسة السياسية، لكن خلاصة ولب الأمر أنه اعتذر واقر بأن هذا لم يكن استخداماً موفقاً من جانبه.
لا تسير الأمور على هذا المنوال عند غالبية منتهكي قيمة الكلمة بل يلوذ من يقع ضحية لسانه المنفلت بظلال أقلام رهنها أصحابها للتضحية بكل قيمة فداءً لرعونة من أمن مجرد العتاب فأساء الأدب.
إذا كان من يجانب الصواب في استخدام الكلمة ملام ومدين باعتذار لمن مستّهم تلك الإساءة سواءً كانوا أفراداً أو مؤسسات، فإن من ينافحون عن هكذا مسلك ويبررونه بل يعتبرونه مقبولاً ولا يمثل خطأ يستوجب الاعتذار؛ لا تجد أوقع من وصفهم بسحرة فرعون الذين كانوا يزينون له ما يقع عليه هواه، وهذا بالمناسبة ما قاله الإعلامي المصري تامر أمين حرفياً في أحد حلقات برنامجه: آخر النهار حينما وصف المذيعين بأنهم «شياطين يمكنهم -لولا الضمير المهني- أن يقلبوا الحق باطل والعكس وأنه بوسعهم إنقاذ ضيوفهم من أي خطأ أو استدراجهم له والدوس على رقابهم»، فهل لجملة تامر الأمين الاعتراضية -لولا الضمير المهني- محل من الاعتبار عند من يرفعون ما سفَّ من القول وسَفَه إلى مصاف السامي من الحديث لأنه خرج ممن تستوجب المصلحة الطبطبة عليه ومسح معطفه الجوخ؟
ترى لو فُرِضَ على الكلمة ضريبة ولم تعد «ببلاش»، هل يستمرأ المستمرئون نفث كلماتهم في أثير الإذاعات وفضاء القنوات وعلى المنصات ممتهنين كل من يستمع لهم؟ ربما لا، لأن عدم خسارة المال وتجنّب المحاسبة والسؤال، أهم بكثير عند أتباع مذهب «اللي ببلاش كثّر منّه»؟