عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    25-Jan-2026

جذور العنصرية والمليار الذهبي*إسماعيل الشريف

 الدستور

في الساعات الأولى للولادة، يُهيَّأ بعض الناس لاعتلاء مقاليد الحكم، فيما يُقدَّر لآخرين الخضوع؛ هكذا يُرسم مصير البشر بين الحاكم والمحكوم.   أرسطو
للمرة الأولى في حياتي، ما إن انتهيت من قراءة كتاب حتى ألقيتُ به في سلة المهملات. كان هذاكتاب The Bell Curve لريتشارد جي. هيرنشتاين وتشارلز موراي، المعروف عربيًا بـ«منحنى الجرس». صدر هذا الكتاب عام 1994، ويُعدّ من أكثر الكتب تأثيرًا في الولايات المتحدة، حتى إنه يُصنَّف ثانيًا بعد الإنجيل. ويمثّل هذا الكتاب مثالًا فاضحًا على توظيف العلم الزائف في خدمة العنصرية، ومنحها غطاءً معرفيًا يوهم بالحياد والموضوعية.
ينطلق الكتاب من فرضية وجود علاقة بين الذكاء والعرق، مستندًا إلى مجموعة افتراضات أساسية؛ أولها أن البشر يختلفون في قدراتهم المعرفية، ويُقاس هذا الاختلاف بما يُعرف بنسبة الذكاء (IQ) المستخلصة من سلسلة اختبارات، وثانيها أن الذكاء يميل إلى الثبات النسبي طوال حياة الفرد، وثالثها أن القدرة المعرفية قابلة للتوريث بنسبة تتراوح بين 40% و80%. ومن هذا المنطلق، ينتقل الكتاب إلى الحديث عن تحوّل معيار مكانة الفرد في المجتمع من الانتماء الاجتماعي إلى القدرة المعرفية، ليخلص في النهاية إلى محاولة إثبات تفوّق البيض ذهنيًا على السود استنادًا إلى فروق بيولوجية فطرية، مع التأكيد على أن الذكاء غير قابل للزيادة أو التطوير.
ويعرّف الكتاب «الجرس» بوصفه منحنىً بيانيًا تُوزَّع عليه الأفراد والأعراق، حيث يشكّل أصحاب الذكاء المتوسط 60%، وذوو الذكاء المرتفع 20%، وذوو الذكاء المنخفض 20%. ويستند في ذلك إلى دراسات يدّعي أنها علمية، لكنه يتجاهل الإفصاح عن حقيقة جوهرية، وهي أن معظم هذه الدراسات ممولة من «منظمة بايونير»، إحدى أبرز الجهات الداعمة لأيديولوجيا التفوّق الأبيض.
ولا يخرج هذا الكتاب العنصري عن كونه امتدادًا لتاريخ طويل من الدراسات العنصرية التي حاولت تبرير الهيمنة البيضاء بأدوات علمية زائفة؛ فمنها ما ادّعى أن تفوّق الجنس الأبيض القوقازي يعود إلى تزاوجه مع إنسان النياندرتال الذي عاش في أوروبا، ومنها نظرية «اليوجينيا» التي صاغها البريطاني فرنسيس غالتون عام 1883، والتي قامت على وهم «البقاء للأقوى» عبر تقليص نسل الطبقات الدنيا وتشجيع التزاوج داخل الطبقات العليا. وقد وجدت هذه النظرية أنصارًا كُثُرًا عبر التاريخ، من هتلر إلى روزفلت وتشرشل. كما تندرج ضمن هذا السياق أطروحات صامويل مورتون، الذي قسّم الأجناس البشرية إلى خمسة، واضعًا القوقاز البيض في قمة سلّم الذكاء، والسود في أدناه.
وليس من الصعب تخيّل أثر هذه النظريات والكتب في تشكيل وعي الساسة الأنغلوساكسون؛ فظهور أفكار «المليار الذهبي» والدعوات إلى تقليص سكان الأرض من غير البيض، وادّعاء «حقّ الرجل الأبيض» في احتلال الشعوب وحكمها ونهب خيراتها، لم يكن محض صدفة. ويندرج في السياق ذاته التعقيم القسري للنساء الإثيوبيات اليهوديات المهاجرات إلى فلسطين، وعبارات هنري كيسنجر التي حطّ فيها من شأن العرب واصفًا إياهم بأنهم «آكلون لا لزوم لهم»، وتصريح دونالد ترامب حين تساءل: لماذا نجلب مهاجرين من دول قبيحة؟ اجلبوا مهاجرين من النرويج، على سبيل المثال، وكذلك مقولة المندوب السامي البريطاني في مصر للثائر أحمد عرابي: دعونا نحكمكم، فلن تستطيعوا حكم أنفسكم.
غير أن هذه البنية الفكرية العنصرية تلقّت ضربة قاضية عام 2000، حين كشفت نتائج مشروع الجينوم البشري حقيقة علمية لا لبس فيها، مفادها أن البشر جميعًا يتشاركون العدد ذاته من الجينات المسؤولة عن الصفات الوراثية، وأن الصفات الاجتماعية، وفي مقدمتها الذكاء، ليست قدرًا بيولوجيًا ثابتًا، بل نتاج تفاعل الإنسان مع بيئته المحيطة. وبذلك سقط الأساس العلمي المزعوم الذي استندت إليه مجمل الدراسات العنصرية السابقة.
فالعنصرية، في جوهرها، إلغاءٌ لإنسانية الطرف الآخر؛ وحين تُسلب هذه الإنسانية، يصبح قتله وتعذيبه ونهبه فعلًا مبررًا، يُمارَس بضميرٍ مرتاح. وهذا المنطق هو ما يتجلّى اليوم بوضوح فجّ في الإبادة الجارية في غزة.
وللأسف، فالعالم لا تحرّكه الوقائع وحدها، بل تحرّكه الأفكار أيضًا، حتى حين تكون أفكارًا مريضة.