الغد
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هجومه على اتفاق أُبرم بين بريطانيا وموريشيوس لتسوية مستقبل جزر تشاغوس، الأرخبيل المتنازع عليه في المحيط الهندي والذي يضم قاعدة عسكرية أميركية استراتيجية.
وقال ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي إن الاتفاق الذي يقضي بنقل سيادة الجزر من المملكة المتحدة إلى موريشيوس يُعد «عملًا من الغباء الفادح»، وذلك رغم أن إدارته كانت قد رحّبت سابقًا بالاتفاق بوصفه وسيلة لضمان أمن القاعدة الأميركية في جزيرة دييغو غارسيا، أكبر جزر الأرخبيل.
جزر نائية لكن ذات أهمية استراتيجية
تقع جزر تشاغوس، التي تضم أكثر من 60 جزيرة، في قلب المحيط الهندي قبالة الساحل الجنوبي للهند، جنوب جزر المالديف. وخضعت الجزر للسيطرة البريطانية منذ عام 1814، بعد أن تنازلت عنها فرنسا.
ويُعرف الأرخبيل أساسًا باستضافة القاعدة العسكرية في دييغو غارسيا، التي دعمت عمليات عسكرية أميركية منذ حرب فيتنام مرورًا بالعراق وأفغانستان. وفي عام 2008، أقرت الولايات المتحدة باستخدام القاعدة أيضًا في عمليات نقل سرية لمشتبهين بقضايا إرهاب.
وفي عام 1965، فصلت بريطانيا جزر تشاغوس عن موريشيوس، المستعمرة البريطانية السابقة، قبل ثلاث سنوات من استقلالها، وأطلقت على الأرخبيل اسم «إقليم المحيط الهندي البريطاني».
وتصف الولايات المتحدة القاعدة، التي تضم نحو 2500 فرد معظمهم أميركيون، بأنها «منصة لا غنى عنها تقريبًا» للعمليات الأمنية في الشرق الأوسط وجنوب آسيا وشرق أفريقيا. ومؤخرًا، نشرت واشنطن قاذفات B-2 سبيريت القادرة على حمل أسلحة نووية في دييغو غارسيا، بالتزامن مع حملة غارات جوية مكثفة استهدفت جماعة الحوثي في اليمن.
لماذا الجزر محل نزاع؟
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، قامت بريطانيا بتهجير ما يصل إلى 2000 من سكان الجزر قسرًا، لإفساح المجال أمام بناء القاعدة العسكرية الأميركية. وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت الانتقادات الدولية لسيطرة بريطانيا على الأرخبيل، ولطريقة ترحيل السكان الأصليين.
ودعت كل من الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية بريطانيا إلى إنهاء ما وصفته بـ«الإدارة الاستعمارية» للجزر، ونقل السيادة إلى موريشيوس. في المقابل، تقول الحكومة البريطانية إن الاتفاق مع موريشيوس يهدف إلى حماية أمن قاعدة دييغو غارسيا من أي طعون قانونية دولية.
ماذا يتضمن الاتفاق؟
بدأت المفاوضات حول تسليم الجزر إلى موريشيوس عام 2022 في عهد الحكومة المحافظة البريطانية السابقة، واستؤنفت بعد وصول حزب العمال بقيادة كير ستارمر إلى الحكم في عام 2024.
وشهدت المحادثات تعثرًا بسبب تغييرات سياسية في موريشيوس وخلافات مالية، قبل توقيع الاتفاق في مايو 2025، بعد أن حصلت بريطانيا على دعم إدارة ترامب آنذاك.
وبموجب الاتفاق، ستدفع بريطانيا لموريشيوس مقابل استئجار جزيرة دييغو غارسيا لمدة لا تقل عن 99 عامًا.
ردود الفعل على الاتفاق
واجه الاتفاق معارضة شديدة من سياسيين في المعارضة البريطانية، اعتبروا أن التخلي عن الجزر يعرّضها لخطر التدخل من قبل الصين وروسيا. وقالت زعيمة حزب المحافظين كيمي بادنوك إن الاتفاق «يُضعف أمن المملكة المتحدة ويتنازل عن أراضٍ ذات سيادة».
ويبدو أن ترامب بات يتفق الآن مع هذا الرأي، رابطًا الاتفاق برغبته في الاستحواذ على غرينلاند. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي أن نقل السيادة سيعود بالفائدة على الصين وروسيا، معتبرًا أن ذلك «سبب إضافي من سلسلة طويلة من الأسباب المتعلقة بالأمن القومي التي تجعل الاستحواذ على غرينلاند ضرورة».
ماذا يعني الاتفاق لسكان الجزر المُهجّرين؟
يُقدّر عدد سكان تشاغوس المُهجّرين وأحفادهم بنحو 10 آلاف شخص، يعيش معظمهم اليوم في بريطانيا وموريشيوس وجزر سيشل. ويطالب كثيرون منهم منذ سنوات بحق العودة إلى موطنهم، وخاض بعضهم معارك قضائية طويلة في المحاكم البريطانية دون نجاح.
ويقول التشاغوسيون إنهم استُبعدوا من المفاوضات السياسية، ما تركهم في حالة غموض بشأن إمكانية عودتهم هم أو أبناؤهم إلى الجزر مستقبلًا. واعتبرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» أن التهجير القسري الذي نفذته بريطانيا، ورفضها المستمر السماح بالعودة، «يرقى إلى جرائم ضد الإنسانية ارتكبتها قوة استعمارية بحق شعب أصلي».
وقد طعنت امرأتان من تشاغوس، هما برناديت دوغاس وبرتريس بومب، في الاتفاق أمام المحاكم البريطانية، محذّرتين من أن استعادة حق العودة ستصبح أكثر صعوبة بعد انتقال السيطرة إلى موريشيوس.
وينص الاتفاق على إنشاء صندوق لإعادة توطين السكان المُهجّرين، لمساعدتهم على العودة إلى الجزر – باستثناء دييغو غارسيا – إلا أن تفاصيل تنفيذ هذا البند لا تزال غير واضحة.- أسوشيتيد برس