عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    04-Dec-2019

عندما نتظاهر بالحرية - ألحبيب آيت صالح
 
الجزيرة - نعتقد بأننا نمارس حياتنا وفق ما نشتهي، ونحاول أن نتحرر قدر الإمكان من المجتمع، لكننا بقدر ما نحاول ذلك، بقدر ما نتورط أكثر في المجتمع، لقد ترسخ الأمر فينا أكثر مما كنا نحسب، وصارت رقابة المجتمع تخالطنا في كل أمورنا الحياتية، فلا نكاد نستنشق بعضا من حرياتنا، حتى يعيدنا الصواب الاجتماعي إلى صوابنا، فنتمالك أنفسنا، حتى لا نخرج عن تلك الدائرة التي قرر المجتمع ذات يوم وبالإجماع أن يضعنا فيها بكل ما فيها من سلبيات، وبعد ذلك، وبقدر ما نكبر تلتصق بنا تلك الدائرة، وكلما حاولنا الخروج عنها، نشعر وكأننا ارتكبنا خطأ، هذا لأننا لم نختر أن نكون نحن، فنحن نتاج مجتمع تحكمه ثقافة لا محيد عن ممارستها رغم رفضها، ولا محيد عن التأقلم معها رغم تناقضاتها، وفي ظل كل ذلك نتدرب أن لا ننفي ذواتنا ووجودنا كأفراد يحلمون بالحرية.
 
هكذا صارت الحرية بمثابة حلم يستعصي على التحقق، ليس لأننا لا نستطيع أن نحققها، بل لأن تحقيقها رهين بتهيئ مجتمع يدرك حقيقة ما تنطوي عليه الحرية، فنحن مجتمع اعتاد العيش في ظل قيود متنوعة، ذلك أن إعطاء الحرية لمجتمع جاهل كمن يعطي السكين لطفل رضيع، فهو في الغالب سيؤذي نفسه، لأنه لا يدرك بعد حقيقة ما يحمله، ونفس الأمر بالنسبة لهذا المجتمع، لقد ارتبطت الحرية بما يتنافى مع الحرية أساسا، وفي نظر مجتمع كهذا صارت الحرية بمثابة خروج عن دائرة الأخلاق، والحقيقة أن الحرية ليست أكثر من مساحة تعطى للذات، يدرك من خلالها كل فرد حدوده، كما أنها تتأسس في عقولنا أولا قبل أن تصير سلوكا نمارسه بكل تعقل.  
 
لم يكن يسيرا أن نؤمن بالحرية في مجتمعنا، ذلك أن هذا الإيمان ليس له معنى في النهاية، ما دمنا غير قادرين أن نمارس الحرية كما ينبغي
نحن لسنا أحرارا كما ندّعي، فقط نتظاهر بالحرية كلما وجدنا إليها سبيلا، فأن تكون حرا بالمعنى القريب للكلمة، فهذا الأمر يستدعي التحرر من كل ما  التصق بنا وترسخ فينا خلال تنشئتنا، والتي بتنا نتصرف وفقا له، ونفكر انطلاقا منه، وهو الأمر الذي يصعب الفكاك منه، رغم كل المحاولات اليائسة لأجل ذلك، هكذا يبدو أمر الحرية معقدا إلى حد كبير، كما أن التصرف بكل حرية وسط الاخرين أمر بقدر ما هو صعب، بقدر ما يحمل من المغامرة الكثير، فممارسة الحرية بكل معانيها من أجل تجريبها مثلا هو نوع من المغامرة والمخاطرة، والتي تؤكد في النهاية أن ممارسة الحرية أمر لا نجد إليه سبيلا.
 
لا نجد الحرية في التصرف إلا بعيدا عن الآخرين، ومعهم نستشعر نوعا من الرقابة تمنعنا من فعل ما نشتهي، فنظل وفقا لذلك مقيدين إلى حد ما، فنرغب بكل من نحمل من طوق إلى الحرية ان نتحرر من أزمتنا، تلك التي ورطنا فيها الآخرون، بعد أن فرضوا أنفسهم على تفكيرنا، حتى صرنا نفكر أننا مُراقَبون في جميع الأحوال، فنتخيل رقابة تمنعنا من ممارسة ما نشتهي بكل تعقل، وهكذا نضطر بكل ميولنا نحو التحرر أن نقمع حرياتنا، ونعود إلى الصواب الجمعي، ذلك الذي نشعر من خلاله على أننا جزء من جماعة كبيرة، لا نملك إلا أن نسايرها بكل ما تحمله من سلبيات، وبكل من تنطوي حوله من فقدان مستمر لحرية الذات.
 
لم يكن يسيرا أن نؤمن بالحرية في مجتمعنا، ذلك أن هذا الإيمان ليس له معنى في النهاية، ما دمنا غير قادرين أن نمارس الحرية كما ينبغي، نستشعر أننا محكومون بالاخرين، وهم الذين نعتهم جان بول سارتر بالجحيم، ولعلهم كذلك في ظل ما يرتكبونه في حقنا، وهم بذلك يحرموننا من أن نستنشق عبق الحرية كما نشتهي، وبهذا تصير الحرية أبعد من أن نحققها باعتبارها شيء غريزي فينا، وهكذا أصبح التظاهر بالحرية مثيرا للسخرية، فما دمنا غير قادرين على أن تكون بمثابة سلوك حقيقي نمارسه بكل تعقل وعمق، فلا معنى لكل تلك الادعاءات التي نحاول من خلالها أن نبرز مدى قدرتنا على الاستمتاع بالحرية كما نشتهي.
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات