عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    05-Dec-2019

مأسأة البلاستيك* رمزي الغزوي
الدستور - 
يغدو العصفور الوردي السينائي في موسم التزاوج طروباً، يعزف خفقات قلبه الملتاع على ربابة البوح. وكلما هزته كهرباء الحنين؛ ازدادت ألوانه ألقاً، وصار وكأنه وردة عطر، تثيرها نسمات الشوق، فتحمله كقبلة خجلى إلى أنثاه.
بعيداً عن شفافية الغزل وعلو مرتقاه. قلة منا يعرفون هذ الطائر الصغير، الذي اختير ليكون طائرنا الوطني الأصيل، ليس لأنه يتماهى مع وردية البتراء، سيدة مكاننا، بل لأن تواجده يكاد يكون محصوراً في وطننا، وسيما في جنوب الخير، من ضانا إلى رم والشراه فوادي الموجب.
أما الطائر القبيح الذي يخنقنا، ونراه أينما ولينا وجوهنا من شمال إلى جنوب، فهو الطائر الوطني البديل: البلاستيك. والأمر لن يحتاج إلا إلى هبة ريح، أو شبه عاصفة خفيفة لتتطاير في الأجواء أكياس البلاستيك السوداء كأسراب من غربان تقتم حياتنا وتخنقنا.
في طفولتي كان يشدني منظر (الخوضرجي) المسن، ذي النظارات السميكة، وهو يعكف على صناعة أكياس من ورق بني، يستخدمها لبيع الخضار والفاكهة. لم نكن نعرف البلاستيك إلا ما ندر. واليوم نحن مخنوقون به حتى شوشة أرواحنا. مع أن العالم أدرك ضرر هذه المادة التي يحتاج تحللها فترات زمنية طويلة.
تأكيدات وزير البيئة ليوم أمس من أن قرار حظر إنتاج الأكياس البلاستيكية سيتم تطبيقه، تذكرنا بالمدة التي كان قد حددها مجلس وزراء سابق لوقف التعامل مع هذه المنتجات الخطرة بشكل قطعي. لكن الأمر يبدو لي أشبه بقرار منع التدخين في الأماكن العامة. فالقرارات تظل حبراً على ورق. رغم رعب الإحصائيات التي تشير إلى استهلاكنا ما يزيد عن ثلاثة مليارات كيس بلاستيك سنوياً، وأن لدينا عشرات المصانع المتخصصة بصنعها: مأساة مستمرة.
من تأخذه جولة إلى غاباتنا يعرف حجم الكارثة ويعي هول البلاستيك. لدينا آلاف الأطنان من عبوات المشروبات الغازية والأكياس، لم نرفعها ولم نعمد إلى إعادة تدويرها ومعالجة أمرها. ولهذا أطالب الشركات المنتجة للمشروبات الغازية خصيصا والأكياس بتحمل مسؤوليتها الاجتماعية، ودعم حملات تنظيف مستدامة.
هل يأتي حين من الدهر تطير فيه النسمات في بلادي دون أن تعلونا طيور البلاستيكية السوداء (الأكياس) القبيحة؟
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات