عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Nov-2020

كأني أطمئن على عمان!*موفق ملكاوي

 الغد

لم يكن الوقت آزفا إلى أي نتيجة. كانت السماء ترسم ظلا واهنا بين منحدرين ظننتهما بيتا لي. هما بيت دافئ من حبق وأمنيات طارت إلى مستقر لها من غير سوء. تلك عمان التي لم أخطئ تهجئتها منذ رميت تعبي فوق ساحلها الأسمنتي، وغفوت بلا رغبة مني، فتناوشتني كثير من الأيدي، بعضها أضاء عتمة الممشى، وأخرى سرقت من شراييني شمعات كنت ادخرتها لظلام ستأتي به خيارات لا أرتهن فيها للسداد.
تلك عمان التي آوتني صغيرا كأول العصافير التي بلا ريش، فلم أحتمل طيرانا معقولا صوب الخطوة التالية، وبلا تجارب يمكن أن تفتح الليل على سيرة المتنبي وهو يقول: «تغرب لا مستعظما غير نفسه…». ضاع الشعر، وضاعت اللوحة، أو أكلتها المخازن الاسمنتية قبل أن تتعربش على جدران هرمة مرصودة لغير الدهشة.
ترى هل ظل شيء في الحكاية يمكن أن يحمل سردية المفتخر بالنفس. هل ظل تجميل يمكن له أن يزوّر سيرورة الأشياء كي تبدو إلى النفس أقرب من كذبة بيضاء تصهل في بيداء لم نرتب أولها، كما لم نعلم بواطن آخرها، كأنما كانت «غلطة» عجزنا كيف نخفيها، فمشت في الشرايين حتى اكتملت خطيئة كاملة البهاء، فلم نتمكن من أن نضغط زر إطفائها!
.. وعمان أمي التي أرضعتني. وعشيقتي التي نامت فوق ذراعي الخدرى بفعل كحولها الثّرّ الذي نز على قافيتي في كل ليلة لم أختبر بها الصحو الواضح، وطريدتي التي أجهشت في البحث عنها في كل ليلة كي أنام بلا أدوية. مثل فراشة النار، أحوم حول من يستطيع قتلي بطريقة أفضل!
ولم أتعلم من أخطائي الكثيرة، اجتهدت دائما أن أعيد أخطائي القديمة نفسها مع رتوش تحاول تجميلها. عاشرت كل الخطائين كي أزداد مفارقة للحقيقة، أو كي أبتعد عن ممشى من وجدوا الحقيقة، واستظلوا بالرتابة والطمأنينة.
أينها الطمأنينة يا ترى، حين تنبح كل أركان الجسد بالملل والرتابة والموت البطيء!
حين تستولي الخرافة على عقلك، أو حين تسلم مزهوا كل تاريخك لصفحة غير مطمئنة من صفحات الزيف. أن تفتح ذراعيك لأنثى تتخبط في أول لثغات الحب، وتظن نفسها «هيلين».. وتعتقد أن كل الحروب الكثيرة في التاريخ كانت نسل أصابعها الدقيقة.
في ثلاثاء مضت، كنت أدوزن بوصلتي على هوى شوارع المدينة، وأطمئن على عمان. أذرع خلدا من بابها وحتى الصومعة الأخيرة التي طرزتها بالشوارع غير المنتظمة، والمدارس المكلفة، ودكاكين القهوة والمطاعم وصالونات الحلاقة التي باتت خرابا في الحظر العبثي الشامل.
كان الناس يختبرون الفقر والقلة، ومطاوعة الخبز. وأنا أختبر صداقة ثلاثة عقود كاملة مع المدينة التي فرت مني. كانت فرت مني من قبل أن أتبين أي إشارة للهروب.
هي عمان نفسها التي راوغتني دائما بحنينها. بهوائها. بطعامها. وبشوقها المشبوح على عتبات منازل لم تأذن لنا بدخولها. هي عمان الجميلة التي سحبتني من أصابع قلبي لحضنها. فآويت من غير أن أتبين قبسا يسد رمق الغربة التي ألقتها في مهدي البارد.. وكنت بلا وزير أو أخ أو صديق.
هكذا، تركتنا نلملم أوجاعنا على عتبات بيوتها الهشة، ورمت لنا بكسر خبز قليلة، كي لا يموت التعلق بها، كي يظل الحنين مشعلا قبسه اللاهب في أعماقنا.
مساء الثلاثاء، كأني مشيت في شوارعها الفارغة أفتش عن وجوه من تركوها، ومضوا إلى حيث المدن الناعسة الكسولة. وكنت أحرس الغياب، كنت أسقي ورد الحنين كي يظل أخضر.