عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    12-Apr-2026

"عن القط الذي فقدته" مختارات قصصية إنسانية من الأدب التركي

 الغد-عزيزة علي

 يفتح كتاب "عن القط الذي فقدته: مختارات قصصية من الأدب التركي"، نافذةً واسعة على عوالم إنسانية نابضة، تعكس تحولات المجتمع التركي عبر العصور، وتكشف عن عمق تجربته الأدبية وتنوعها.
 
 
فالكتاب، الذي اختار نصوصه وترجمها صفوان الشلبي، لا يقدم نصوصًا قصصية فحسب، بل يضيء مسار الأدب التركي منذ جذوره الشفوية القديمة، مرورًا بتأثره بالحضارة الإسلامية، وصولًا إلى انفتاحه على الغرب وما رافق ذلك، من تحولات فكرية وفنية.
ومن خلال هذه المختارات، الصادرة عن دار "جبر" للنشر والتوزيع بدعمٍ من وزارة الثقافة، يقدم الشلبي صورةً بانوراميةً للأدب التركي، تُبرز تفاعل الكتاب مع قضايا مجتمعهم، بين هموم الجماعة وأسئلة الفرد، وتكشف عن تعدد الاتجاهات والأساليب التي شكلت ملامح القصة القصيرة، بوصفها أحد أبرز الفنون الأدبية الحديثة.
وهكذا، يغدو هذا الكتاب مدخلًا ثريًا لفهم الأدب التركي، لا بوصفه تاريخًا فنيًا فحسب، بل باعتباره مرآةً حية لتجربة إنسانية متجددة. يقدم الشلبي من خلاله تعريفًا بالأدب التركي، ذلك القريب البعيد في آن واحد، مشيرًا إلى أنه رغم انتماء كتاب هذه المجموعة إلى فترة زمنية بعيدة نسبيًا، إلا أن عمق المعاني في نصوصهم يكشف عن حياةٍ ما تزال تنبض في عروقها.
وأوضح الشلبي، لقد نجحت هذه القصص في التقاط مواقف إنسانية وجوانب من الحياة ما نزال نعايشها في حاضرنا، ونلمس صداها في مختلف تفاصيل يومنا. كما تقدم هذه المختارات رؤية إبداعية تعكس تنوع الاتجاهات والتيارات الفكرية والسياسية والفنية، فتشكل صورة بانورامية للمجتمع التركي بمختلف طبقاته وفئاته، إلى جانب نماذج بشرية متباينة تمثل شريحة واسعة من هذا المجتمع.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تقديم نبذة موجزة عن نشأة الأدب التركي وتطوره عمومًا، والقصة القصيرة على وجه الخصوص، تمهيدًا لفهم السياق التاريخي والأدبي الذي أفرز هذه النصوص المختارة. كما يساهم ذلك في الوقوف على مستوى النضج الفني الذي بلغته القصة القصيرة التركية، ومدى تعبيرها عن المجتمع التركي عبر العصور.
ويمكن، في هذا الإطار، تقسيم الأدب التركي إلى ثلاث مراحل كبرى، تواكب التحولات الدينية والثقافية التي مر بها الأتراك، وهي: "الأدب التركي قبل الإسلام، الأدب التركي في ظل التأثير الإسلامي، الأدب التركي في ظل التأثير الغربي".
وأشار الشلبي، إلى أن الأدب التركي قبل الإسلام تميز بالحكايات الشعبية والأساطير والملاحم التي نُقلت شفهيًا عبر الأجيال، ويعود تاريخ ظهوره إلى ما قبل القرن الثامن الميلادي، استنادًا إلى نقوش أورخون التي عثر عليها قرب وادي نهر أورخون في وسط منغوليا. وقد مر هذا الأدب بعصور ساهمت مجتمعةً في تشكيل ملامح الأدب التركي في صورته اللاحقة.
ومع حلول منتصف القرن التاسع الميلادي واعتناق الأتراك الإسلام، شهد الأدب التركي تحولًا عميقًا ترك بصمته الواضحة في مضامينه وأشكاله. كما انتقل مركز الثقل السياسي والثقافي إلى تركستان، ليغدو الأتراك جزءًا من فضاء آسيا الوسطى، بعد أن كانوا أقرب إلى أقوام الشرق الأقصى، وبدأوا في كتابة اللغة التركية بالحروف العربية.
وقد استمر هذا التأثير قرابة عشرة قرون، اكتسبت خلالها اللغة التركية آلاف المفردات العربية والفارسية، إلى أن تبلورت ملامحها في صورتها اللاحقة. وفي تلك المرحلة، ازدهرت الملاحم والشعر الصوفي، وبرزت أعمال أدبية خالدة، من أبرزها كتاب "دي دي كوركوت"، الذي يُعد من روائع الأدب التركي، وقد أُعيد تدوينه في أواخر القرن الخامس عشر.
وذكر الشلبي بروز الشاعر الصوفي يونس إمره، الذي قدم أبهى نماذج الشعر الصوفي باللغة التركية، إلى جانب الشاعر العراقي التركماني محمد بن سليمان، الملقب بـ"فضولي"، أحد أبرز وأهم شعراء العصر العثماني، الذي يعد رائد المدرسة الكلاسيكية في الأدب التركي. وقد خلف فضولي إرثًا أدبيًا غنيًا، إذ ألف العديد من الأعمال باللغات التركية والفارسية والعربية والأذرية. ولا بد من الإشارة أيضًا إلى السلطان سليمان القانوني، الذي عرف بشغفه بالشعر، فكتبه وأجاد فيه.
أما مرحلة الأدب التركي في ظل التأثير الغربي، فتعد من أهم مراحل تطوره؛ إذ شهد القرن الثامن عشر تفاعلًا متزايدًا بين المجتمع العثماني والحضارة الغربية، انعكس بشكل مباشر على الحياة الفكرية والأدبية. وقد ساهمت التحولات السياسية والعسكرية، إلى جانب احتكاك المثقفين الأتراك بالغرب، ولا سيما أولئك الذين زاروه واطلعوا على منجزاته، في إحداث نقلة نوعية في بنية الأدب واتجاهاته.
وكان لصدور جريدة "ترجمان أحوال" العام 1860، أثر بالغ في تعزيز هذا الانفتاح على الأدب الغربي، فدخل الأدب التركي، شأنه شأن سائر الآداب الشرقية، في مرحلة تأثر واضحة بالتيارات الغربية مع بدايات القرن التاسع عشر. ونتيجة لذلك، ظهرت أجناس أدبية جديدة، كان من أبرزها فن القصة القصيرة، الذي تصدر قائمة الفنون الوافدة إلى الأدب التركي.
وقد تزامن بزوغ هذا الفن الجديد مع بداية مرحلة تاريخية مفصلية في حياة المجتمع التركي؛ وهي المرحلة التي انفتح فيها على الحضارة الأوروبية، متأثرًا بحالة من الانبهار بتفوقها التكنولوجي، وما حملته من أفكار ومبادئ انتشرت بين أوساط مثقفيها.
ومع شيوع هذه الأفكار، التي جاءت تحت تأثير الحضارة الغربية، يمكن تقسيم هذه المرحلة الأدبية، استنادًا إلى المنتديات الثقافية والفكرية التي احتضنت كتابها، إلى مراحل عدة، هي: مرحلة التنظيمات، مرحلة ثروة الفنون، مرحلة أدب الفجر الآتي، مرحلة أدب الأمة، ثم مرحلة أدب الجمهورية وما بعدها.
وقد تبنى الكتاب الأوائل مبدأ "الفن في خدمة المجتمع"، فجعلوا من القصة القصيرة في طليعة الأجناس الأدبية التي سخروها لخدمة أهداف أخلاقية وتنويرية. وتمحورت موضوعاتهم غالبًا حول التعريف بالحضارة الغربية، أو السعي إلى التوفيق بينها وبين الحضارة الإسلامية، أو التحذير من التقليد الأعمى لها. كما اتخذوا من القضايا الاجتماعية مادةً خصبة لقصصهم.
ومن أبرز رواد هذه المرحلة: سامي باشازاده سيزائي، وممدوح شوكت إسنْدال، ورفيق خالد كاراي، ويعقوب قدري كاراعثمان أوغلو، ورشاد نوري غونتكين، وعمر سيف الدين.
كما تأثر كتاب القصة بالأفكار السياسية التي انتشرت في الغرب، فانعكس ذلك على أعمالهم، ولا سيما من خلال تناول فكرة الصراع الطبقي، حيث تطرّقوا إلى الأحوال المعيشية للعمال والفلاحين والإقطاعيين وأصحاب رؤوس الأموال، فضلًا عن التجار الانتهازيين في المدن. ومن أبرز من مثل هذا الاتجاه: صباح الدين علي، وإلهان طاروس، وكمال طاهر، وأورهان كمال.
غير أن هذا التصنيف لا يعني الحصر أو الجمود؛ إذ قد يكتب الأديب في أكثر من اتجاه، كما أن بعض الكتاب خطوا لأنفسهم مسارات خاصة ومتميزة. فالأديب "هاليكارناس باليكشيسي" (صيّاد هاليكارناس)، كرس إنتاجه القصصي لعالم البحر، مستلهمًا حياة البحّارة وأساطيرهم، من دون أن يجعل القضايا الاجتماعية محورًا رئيسًا لأعماله.
أما سعيد فائق عباسيانك، فقد ابتعد عن التعميم في معالجته لمشكلات المجتمع، واتجه نحو الغوص في هموم الفرد، ولا سيما المهمشين داخل المدينة. فانطلق من تجربته الذاتية ليكتب عن الإنسان الفرد، ساعيًا إلى فهم واقعه في الحياة الحضرية. واختار شخصياته من الطبقات الدنيا: كصيّادي السمك، والعاطلين عن العمل، ورواد المقاهي، مسلطًا الضوء على تفاصيل حياتهم اليومية، من همومٍ ورغباتٍ وقلقٍ ومخاوف، إلى أفراحهم البسيطة وتطلعاتهم.
وبذلك، احتل مكانة متقدمة بين الكتاب الذين اعتنوا بقضايا الفرد، وتركوا بصمة واضحة جعلته أحد رواد النزعة الإنسانية في القصة التركية القصيرة.