الغد
ألون بن-مئير* - (مدونة بن مئير) 13/1/2026
لا يملك الديمقراطيون فرصة حقيقية للسيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقبلة إلا إذا أصغوا جيداً إلى ما يتطلع إليه الشعب الأميركي. فالجمهور لا يكترث كثيراً بالشعارات اليسارية أو اليمينية أو شعارات الوسط؛ بل يحتاج إلى حكومة توفر له الوسائل والفرص لتلبية احتياجاته الأساسية والعيش بكرامة.
لم يشهد البلد -منذ نهاية الحرب الأهلية للعام 1865 حين رسخ الحزبان الجمهوري والديمقراطي مكانتهما وأحييا النظام السياسي الثنائي- رئيساً عازماً على تقويض ديمقراطيتنا وتدمير جميع معايير السلوك والمسؤولية الممنوحة للسلطة التنفيذية. وأمام الديمقراطيين فرصة واحدة على الأقل لعرقلة سياسات ترامب الكارثية، إن لم يكن إيقافها، وذلك بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
بصراحة، ستكون نتيجة هذه الانتخابات مصيرية لأميركا. إما أن تنقذ البلاد من رجل مختل سيقضي على المُثل والقيم التي قامت عليها أميركا، أو أن يسمح له بمواصلة مخططاته الاستبدادية من دون رادع، مما سيؤدي في نهاية المطاف إلى تمزيق نسيج ديمقراطيتنا وإعادة تشكيل أميركا بشكل لا يمكن التعرف عليه.
ولكن، لكي ينجح الديمقراطيون، عليهم ألا يحاولوا معالجة جميع القضايا طويلة الأمد، مهما بلغت أهميتها، بما في ذلك تغير المناخ وتحديث البنية التحتية والنقل العام وإصلاح التعليم -وحتى استدامة الرعاية الصحية على المدى البعيد.
بدلاً من ذلك، ينبغي أن ينصب تركيزهم على قضايا، مثل الاستقرار الاقتصادي، لها تأثير مباشر وفوري على رفاهية غالبية الأميركيين الذين يشعرون بخيبة أمل شديدة من الوضع الراهن والذين يمكنهم تحديد نتيجة الانتخابات.
قضايا أساسية
يجب على كل ديمقراطي يترشح لمنصب ما أن يصغي جيداً إلى ما يريده الجمهور ويحتاجه، وعليه أن يجوب ولاياته ويظهر اهتماماً حقيقياً. ليس هذا هو الوقت المناسب للترويج لأيديولوجية ديمقراطية مرتبطة بسياسات يسارية أو بيسار الوسط، مهما كانت أهميتها.
يجب أن يستمعوا إلى ناخبيهم بشأن غلاء المعيشة وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية ونقص المساكن بأسعار معقولة والبطالة، لا سيما بين الأميركيين من أصول إسبانية وأفريقية. وبدلاً من انتقاد ترامب، عليهم تسليط الضوء على التباين بين أجندتهم الاجتماعية والاقتصادية وأداء الإدارة السابقة.
عليهم التوجه إلى هذه المجتمعات بإجابات مقنعة وحلول عملية واقعية مع وعد قاطع بتحقيق نتائج ملموسة، مع ضمان شعور كل ناخب محتمل بأن صوته مسموع وأن الديمقراطيين قادرون على تلبية مطالبهم وأنهم سيفعلون ذلك.
العدالة الاجتماعية والمساواة
تواجه الأقليات، وخاصة الأميركيين من أصول أفريقية وإسبانية، ظلماً في كل منعطف تقريباً. ونظراً لشعورهم بالاستياء الاقتصادي العميق من إدارة بايدن، فقد دعم ما يقرب من 48 في المائة من الناخبين من أصول إسبانية و15 في المائة من الناخبين الأميركيين من أصول أفريقية ترامب في الانتخابات الأخيرة، وهو ما لعب دوراً حاسماً في فوزه بالرئاسة.
إن فشل ترامب في الوفاء بوعوده الاقتصادية والجور الذي يعانون منه في سوق العمل وانخفاض الأجور والتضخم وتعرضهم لمزيد من التدقيق بسبب لون بشرتهم، كل ذلك تفاقم بسبب الخطاب العنصري الصريح لترامب، الأمر الذي أصابهم بخيبة أمل شديدة.
إنهم الآن يتطلعون إلى التغيير من جديد. وعلى الديمقراطيين أن يكونوا مستعدين -ليس لاحتضانهم فحسب، بل أيضاً لإشراكهم بشكل كامل في العملية السياسية ودعم ترشيح مرشحين سود ولاتينيين مؤهلين على المستويين المحلي والفيدرالي.
نزاهة حقوق التصويت
ليس سراً أن ترامب سيفعل أي شيء -قانونياً كان أم غير قانوني، وملتوياً وماكراً- في سعيه الحثيث للحفاظ على الأغلبية الجمهورية في مجلسي النواب والشيوخ. وهو يعلم أن خسارة أي من المجلسين ستعيق بشكل كبير، إن لم تجمّد تماماً، خططه الخبيثة لتجميع المزيد من السلطة وتوطيد نظامه الاستبدادي.
وقد يكون ذلك من خلال التلاعب بالخرائط الانتخابية في الولايات الحمراء إلى تهديد وترهيب أي مسؤول جمهوري لإجباره على اتباع خطه. وهو لن يحجم عن فعل كل ذلك.
أضف إلى ذلك أن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن ترامب على استعداد تام، بل وقادر للأسف، على إرسال أنصاره -أو بالأحرى تشجيعهم- كما حدث في السادس من كانون الثاني (يناير) من العام 2021 إلى معظم الولايات الديمقراطية، إن لم يكن جميعها، يوم الانتخابات لترهيب الناخبين المنتظرين في طوابير الاقتراع بحجة حماية نزاهة الانتخابات.
والأسوأ من ذلك أن إدارته ستستغل بالكامل أي اضطرابات يُحدثها أنصاره في مراكز الاقتراع، أو تفتعلها لتمكين الحكومة من مصادرة أجهزة التصويت وإبطال نتائج أصوات الديمقراطيين في العديد من الدوائر. وليس إرسال قوات "دائرة الهجرة والجمارك" في الوقت الحاضر إلى العديد من المدن التي يسيطر عليها الديمقراطيون سوى مقدمة لما قد يحدث لاحقاً.
ينبغي على الحزب الديمقراطي أن يكون مستعداً لاتخاذ كل التدابير الممكنة لضمان نزاهة الانتخابات وحريتها. يجب حشد عشرات الآلاف من المتطوعين وتزويدهم بخطة طوارئ جاهزة لمواجهة أي سيناريو محتمل، ولا يجب الاستهانة بأي شيء. لن يتوقف ترامب من تلقاء نفسه، ولكن يجب إيقافه.
من الأهمية بمكان أن تبذل "اللجنة الوطنية الديمقراطية"، بدءاً من الآن، جهداً جباراً لاستمالة الشباب الأميركيين من أصول أفريقية واللاتينيين، ليس فقط لتشجيعهم على التصويت، بل أيضاً لتجنيدهم كمتطوعين لحشد الشباب في مجتمعاتهم يوم الانتخابات.
أعلم أن الكثير مما سبق ليس جديداً على الديمقراطيين، ولكن ليس ثمة مبالغة في تأكيد أهميته.
حماية المؤسسات
ربما لا شيء يحمي ديمقراطيتنا أكثر من ضمان حماية مؤسساتنا بكل الوسائل القانونية الممكنة للحفاظ على استقلالها ونزاهتها. وعلى رأس هذه المؤسسات تأتي السلطة القضائية، وخاصة المحكمة العليا، التي تعد أساسية لدعم المبادئ الدستورية وسيادة القانون. ومنها أيضاً السلطة الرابعة -الصحافة الحرة والصحف الكبرى ووسائل الإعلام المستقلة التي تحاسب السلطة.
إضافة إلى ذلك، تعد الجامعات، الخاصة منها كجامعة هارفارد والعامة كجامعة فرجينيا، مراكزَ للتفكير النقدي. وتسهم مراكز الأبحاث، مثل "معهد بروكينغز" و"مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي"، في المناظرات السياسية، بينما تعمل منظمات المجتمع المدني، مثل "الاتحاد الأميركي للحريات المدنية" و"الرابطة الوطنية للنهوض بالملونين"، على الدفاع عن الحقوق والحريات المدنية. وتعد هذه المؤسسات عصب الديمقراطية.
يدرك ترامب تماماً الدور المحوري للمؤسسات الحرة في حماية أسس الديمقراطية. ولهذا السبب، هدد بقطع التمويل الفيدرالي عن العديد من الجامعات، وللأسف، رضخت جامعات كولومبيا وكورنيل ونورث وسترن -من بين مؤسسات مرموقة أخرى- لهذا التهديد وعدلت سياساتها لتلبية متطلبات الإدارة. وثمة مثال آخر هو "شركة باراماونت"؛ الشركة الأم لشبكة (سي بي إس)، التي وافقت على تسوية دعوى قضائية رفعها ترامب بشأن مقابلة مع برنامج "60 دقيقة". ولا يمكن التأكيد بما فيه الكفاية أن استسلام هذه المؤسسات، إلى جانب مؤسسات أخرى، مثل مكاتب المحاماة، يرسي سابقة خطيرة تتجاوز مجرد تقويض ديمقراطيتنا إلى الإنذار بزوالها.
لا يمكن للديمقراطيين الاكتفاء بانتقاد ترهيب ترامب وتهديداته. عليهم أن يكونوا على أهبة الاستعداد للدفاع عن هذه المؤسسات، على سبيل المثال من خلال مقاضاة الإدارة في المحاكم الفيدرالية التي أبدت ثباتاً ملحوظاً في أحكامها ضد تجاوزات الإدارة. كما يمكنهم الاعتماد على العديد من المليارديرات الديمقراطيين لتوفير تمويل إضافي لأي مؤسسة تتلقى أو قد تفقد تمويلاً فيدرالياً لرفضها مطالب ترامب العبثية، إن لم تكن غير قانونية.
هناك دلائل واضحة على أن ترامب بدأ يفقد سيطرته على الحزب الجمهوري وأن تحديه سيزداد مع انطلاق الحملة الانتخابية. ورغم أن هذا يشكل فألاً حسناً للديمقراطيين، إلا أنه لن يكون كافياً للسيطرة على الكونغرس.
تواجه أميركا الآن أزمة غير مسبوقة في حجمها. والسؤال هو: هل سيرتقي الديمقراطيون إلى مستوى أكبر تحد يواجهونه على الإطلاق؟ إن فشلهم لن يجعل الحزب الديمقراطي هامشياً فحسب، بل سينذر بزوال ديمقراطيتنا.
*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي، ولد في العراق لأسرة يهودية وانتقل إلى إسرائيل في شبابه قبل أن يستقر لاحقاً في الولايات المتحدة. معروف بكتاباته وتحليلاته المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين. عمل أستاذاً للعلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وشارك في محاضرات وندوات دولية تناولت قضايا الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان والدبلوماسية. نشر مقالاته في صحف ومجلات دولية، ويعرف بأسلوبه النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية التي يراها معرقلة للسلام، مع تركيزه على الحوار والتفاهم بين الشعوب كسبيل لإنهاء النزاعات.