عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    10-Dec-2019

(شسموه) بغداد - رمزي الغزوي

 

الدستور- مخيلتي ما زالت تتوجع من قصة قرأتها في سنتي الجامعية الأولى في بغداد خريف 1990م عن جندي عراقي بائس على جبهة خط النار مع إيران في حرب الخليج الأولى. تُسند إلى هذا الجندي مهمة أن ينتقي من الأشلاء البشرية، التي يكدسونها أمام ثكنته، ليشكل إنساناً كاملاً قبل زجه في كل تابوت.
كان عليه أن يتقن عمله، وأن يوفّق بين الأشلاء من حيث لونها وحجمها وطولها، فمن المفروض أن تعود التوابيت إلى أهلها ملفوفة بالعلم، مكتملة النصاب من أشلاء هتكتها القذائف وخرقها الرصاص. وعلى كل تابوت سيعلق قلادة رقم عسكري لجندي مات. ياااااه. أيةُ ندوب وكروب تتركها فينا الحروب؟؟!.
وتجدد وجعي وأنا أعيد قراءة رواية (فرانكشتاين في بغداد) للعراقي أحمد سعداوي. بطلها شاب عراقي يدعى (هادي العتاك)، يسكن في حي البتاويين الشعبي وسط بغداد، وتدور أحداثها خلال موجة عنف 2006، فيعمد هادي لجمع الأشلاء المتروكة على الأرصفة والشوارع لضحايا طايرتهم وشتتتهم التفجيرات والمفخخات، وفي بيته المتواضع كان يلصق الأجزاء بالخياطة، حتى حصل على كائن غريب لا ينقصه شيء، فغافله ونهض؛ ليقوم بعمليات ثأر ضد المجرمين، الذين قتلوا أجزاءه. 
الرواية خيالية وفنتازية ومؤلمة، لكنها تؤشر إلى واقع أكثر ألماً وخيالاً وفنتازيا يعيشه العراق اليوم. وربما تذكرون رواية (فرانكنشتاين)  للمؤلفة البريطانية ( ماري شيلي)  الصادرة عام 1818م، عن طالب ذكي صمم مخلوقاً مسخاً، عاث فساداً في العالم. وقد أعدَّ عن هذه الرواية أكثر من فيلم سينمائي.
بالطبع هادي العتاك تاجر الخرداوات والأنتيكات، لم يكن ذكياً، لكنه كان حساساً يتألم، ويأبى أن يترك الأشلاء نهباً للطرقات والعراء. ويتألم أكثر كلما حدث الناس عن كائنه العجيب الهارب، والذي سماه (الشسموه)، أي الذي لا يُعرف له اسماً، تماماً كالموت المبثوث الآن بين شبان الساحات الذين يطالبون بالكرامة وببلد نظيف من الفساد.
فأي (شسموه) عاشه ويعيشه العراق من عقود وعقود. وكأننا نصيح مع بدر شاكر السياب بقليل من التحوير: يا عراق ما مرّ عليك عام ليس فيك قتل أو نجيع. فما يكاد يخرج من دم إلا ويلج في دم جديد.
يدرك شبان الساحات الذي يواجهون بصدورهم العارية النار والرصاص أنهم لن يرجعوا خاوي الوفاض، وأنهم سيحققون ما يريدونه في القريب. ويعرفون أن الشسموه سيثأر لكل الذين ما زالت دماؤهم رسوم حرية على الشوارع والأرصفة وأعمدة الجسور. الله بالخير
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات