الغد-أحمد الشوابكة
يعد الفنان الأردني ماهر خماش أحد أبرز الأسماء في المشهد المسرحي والدرامي، وصاحب تجربة فنية غنية امتدت لأكثر من أربعة عقود، جمعت بين التمثيل والإخراج، وبين الدراما الجادة والعمل التربوي والإنساني، لتشكل مسيرته نموذجًا للفنان المثقف الملتزم، الذي يرى في الفن رسالة تتجاوز حدود الأداء إلى التأثير الحقيقي في المجتمع.
يقول خماش في حديثه لـ "الغد": بدأت رحلتي مع المسرح والدراما عام 1979 بعد تخرجي من المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة. سنوات الدراسة كانت أكثر من مجرد تعلم للمهنة، فهي صقلت أدواتي الفنية ومنحتني وعيًا عميقًا بأهمية المسرح والدراما كفعل ثقافي ورسالة اجتماعية، تتجاوز الأداء لتصل إلى الإنسان والمجتمع.
ويضيف: في عام 1979 أخرجت أولى مسرحياتي بعنوان "حذاء العم طافش". كانت تجربة مهمة، لأنها لم تمنحني الفرصة لتطبيق ما تعلمته فحسب، بل جعلتني أدرك أن المسرح وسيلة للتواصل المباشر مع الناس، وأن الإبداع الحقيقي ينبع من صميم الواقع ويُقدّم بكل صدق. خلال مسيرتي المسرحية، قدّمت أعمالًا عدة في عواصم عربية مختلفة، مثل "عنترة" في دمشق، و"الحكم قبل المداولة" في بغداد، و"غريبان في المنزل" و"بكالوريوس في حكم الشعوب" في عمّان، وكل واحدة منها كانت تجربة مختلفة تعلمت منها الكثير.
وعن تجربته في التلفزيون، يقول خماش: "كانت مشاركتي الأولى في الدراما التلفزيونية من خلال مسلسل "شجرة الدر" إلى جانب الفنانة نضال الأشقر.
ومنذ ذلك الوقت، توالت الأعمال التي قدمتها، وانتقلت بين الدراما التاريخية والاجتماعية، مثل "عبد الرحمن الكواكبي" و"فيروز والعقد" و"الكف والمخرز" بمشاركة جميل عواد وجولييت عواد، و"ماضي لا يغيب"، و"دائرة اللهب" و"الدفينة" و"شيء اسمه الحب"، و"هبوب الريح" بدور الكابتن هاري، و"المشوار الطويل" و"المناهل"، وهو عمل تربوي للأطفال جمع بين التعليم والترفيه وترك بصمة كبيرة في الذاكرة العربية. كما أديت العديد من الأدوار في المسلسلات الكرتونية المدبلجة، الأمر الذي منحني فرصة التواصل مع جمهور مختلف ومتعدد الأعمار".
ويتابع خماش: أحرص دائمًا على أن تكون الشخصيات التي أقدمها حقيقية ومؤثرة، وأن تعكس هموم الناس وأحلامهم. لم أسعَ يومًا إلى البطولة المطلقة، بل إلى الدور الذي يترك أثرًا في وجدان المشاهد ويجعل الفن تجربة حية يشعر بها الجمهور.
وعن الجانب الشخصي من حياته، يقول: حياتي الأسرية كانت دائمًا مصدر توازن ودعم، فهي تمنحني القوة لأواصل العطاء الفني بلا توقف، وتتيح لي تقديم أعمال ترتبط بالواقع وتلامس حياة الناس اليومية.
ويتابع، بعد فترة انقطاع قصيرة بسبب إجراء عملية جراحية، ولله الحمد تكللت بالنجاح وتماثلت للشفاء، أعود اليوم إلى نشاطي الفني بكل طاقة وحماس. هذه التجربة زادتني إدراكا لقيمة الوقت وأهمية الاستمرار في تقديم الفن الذي يعكس هموم الناس وأحلامهم.
وحول أحدث أعماله، يقول خماش: كانت مشاركتي الأخيرة في مسلسل "الدوار العاشر"، الذي عُرض على شاشة التلفزيون الأردني في الموسم الرمضاني الماضي، تجربة مهمة لأنها جمعت بين الدراما الاجتماعية والواقعية، وناقشت قضايا حقيقية يعيشها الناس. واليوم، أنتظر عرض مسلسل "شارع طلال" بفارغ الصبر، حيث أجسد شخصية أبو يوسف، وهي شخصية محورية تحمل تفاصيل نبض الشارع الأردني، وتعطيني فرصة جديدة لإظهار عمق أدائي والتواصل الحقيقي مع الجمهور.
ويضيف: هذا الدور يمثل إضافة نوعية لمسيرتي، لما تحمله الشخصية من أبعاد إنسانية واجتماعية تعكس تحولات الشارع الأردني وهمومه اليومية، مع تسليط الضوء على تفاصيل حياتهم اليومية التي تلمس نبض الجمهور. أعول على هذا العمل ليكون محطة لافتة لدى المشاهدين، خاصة لما يتميز به من صدق في الطرح وعمق في المعالجة، وإلى جانب فريق عمل يسعى لتقديم دراما قريبة من الناس ومرآة لتجاربهم الحياتية اليومية، بما يجعل "شارع طلال" تجربة درامية متكاملة تنبض بالحياة والواقع الأردني.
ويختتم خماش حديثه قائلاً: الفن ليس مجرد مهنة، بل رسالة ومسؤولية. كل عمل أقدمه هو فرصة جديدة لإثراء الدراما الأردنية ونقل هموم الناس وأحلامهم عبر المسرح والتلفزيون والشاشة الصغيرة. وما دمت قادرًا على تقديم شخصية صادقة ومؤثرة، سأستمر في العطاء بكل شغف وإخلاص.
تمثل مسيرة ماهر خماش نموذجًا للفنان الذي جمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة العملية، وترك أثره في المسرح والدراما والتلفزيون الموجه للأطفال، ليبقى اسمه حاضرًا كأحد أعمدة التجربة الفنية الأردنية والعربية، ومرجعًا لكل من يسعى لفهم معنى الإبداع الحقيقي ورسالة الفن الصادقة.