عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    01-May-2026

مضيق هرمز .. القصة من البداية إلى النهاية*م. سعيد المصري

 عمون

مدخل: القانون الدولي بين حرية التجارة وسيادة الدول
 
نشأت فكرة تنظيم الملاحة البحرية الدولية من حاجة الدول إلى حماية تدفق التجارة عبر الممرات الحيوية، دون أن تتحول هذه الممرات إلى أدوات صراع أو ابتزاز سياسي. وقد كرّست اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار مبدأً جوهريًا يتمثل في حرية المرور العابر في المضائق الدولية، وهو حق يمنح السفن والطائرات العبور المستمر والسريع دون تعطيل.
 
في هذا الإطار، تضطلع الأمم المتحدة بدور تأطيري عام، بينما تتولى المنظمة البحرية الدولية وضع القواعد الفنية لضمان سلامة الملاحة. أما مجلس الأمن الدولي، فيتدخل فقط عندما يتحول التهديد إلى خطر على السلم والأمن الدوليين.
 
الفلسفة القانونية هنا واضحة:
المضائق الدولية ليست مجالًا للسيطرة، بل فضاءً للعبور الحر المنظم، مع احترام سيادة الدول المشاطئة دون أن تتحول هذه السيادة إلى أداة تعطيل.
 
الجغرافيا القانونية لمضيق هرمز
 
يقع مضيق هرمز في نقطة التقاء حساسة بين الخليج العربي وخليج عُمان، وهو الممر البحري الوحيد تقريبًا لصادرات الطاقة من دول الخليج إلى العالم. يمر المضيق بين دولتين مشاطئتين هما إيران وسلطنة عُمان، بينما تعتمد عليه بشكل مباشر دول الخليج العربي كافة: السعودية، الإمارات، الكويت، قطر، البحرين، والعراق.
 
المضيق يعمل وفق نظام ملاحي ثنائي الاتجاه، عبر ممرين متوازيين يفصل بينهما نطاق أمان، ما يجعله ممرًا ضيقًا عالي الحساسية لأي اضطراب.
 
قانونيًا، يُصنّف مضيق هرمز كمضيق مستخدم للملاحة الدولية، ما يعني:
 
عدم جواز تعطيل المرور فيه
عدم جواز إخضاعه لاعتبارات سياسية أو اقتصادية أحادية
التزام السفن باحترام أمن الدول المشاطئة دون المساس بحق العبور
وهنا يبدأ التوتر بين النص القانوني والواقع الجيوسياسي.
 
الموقف الإيراني: السيادة كأداة استراتيجية
 
تنطلق إيران من قراءة سيادية للمضيق، باعتبار أن جزءًا من مياهه يقع ضمن نطاقها الإقليمي، ما يمنحها – من وجهة نظرها – حق التأثير في حركة المرور، خصوصًا في حالات التهديد أو التصعيد.
 
سياسيًا، ترى إيران أن المضيق يمثل ورقة توازن استراتيجية في مواجهة الضغوط الدولية.
عسكريًا، تعتمد على أدوات ردع غير تقليدية ترفع كلفة أي مواجهة.
اقتصاديًا، تحاول تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة ضغط في ظل العقوبات.
 
لكن هذا الطرح يصطدم مع جوهر القانون الدولي الذي يمنع تحويل المضائق إلى أدوات سيطرة أو فرض رسوم أو قيود.
 
الموقف الأمريكي: حرية الملاحة تحت مظلة القوة
 
في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة موقفًا يقوم على ضمان حرية الملاحة باعتبارها مصلحة عالمية. وهي ترى أن أي محاولة للسيطرة على المضيق تمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الدولي.
 
سياسيًا، ترفض واشنطن أي دور حصري لإيران في إدارة المضيق.
عسكريًا، تحافظ على وجود دائم لضمان تدفق الملاحة.
اقتصاديًا، تستخدم أدوات الضغط لمنع توظيف المضيق كورقة ابتزاز.
 
إلا أن هذا الموقف يطرح إشكالية مقابلة:
هل تتحول حماية الملاحة إلى إدارة فعلية للمضيق من خارج الدول المشاطئة؟
 
المركز القانوني للطرفين
 
من زاوية القانون الدولي:
 
إيران تمتلك سيادة إقليمية، لكنها مقيدة بعدم تعطيل المرور العابر
الولايات المتحدة ليست دولة مشاطئة، وتستند إلى حرية الملاحة، لكنها لا تملك تفويضًا لإدارة المضيق
بالتالي، فإن كلا الطرفين يتحرك ضمن مساحة رمادية بين القانون والمصلحة.
 
مقارنة مع الممرات العالمية
 
عند النظر إلى مضائق مثل ملقا، باب المندب، البوسفور، وجبل طارق، نجد نماذج مختلفة لإدارة المرور، لكنها تشترك في نقطة أساسية:
عدم احتكار السيطرة من طرف واحد.
 
أما في قناة السويس وقناة بنما، فالوضع مختلف، إذ تخضع القنوات لسيادة دولة واحدة ضمن التزامات دولية واضحة تضمن حرية العبور.
 
وهنا تتضح خصوصية مضيق هرمز:
ممر طبيعي بين سيادتين، لكنه يحمل عبئًا عالميًا يتجاوزهما.
 
الحلقة الغائبة: موقف دول الخليج العربي
 
رغم أن دول الخليج هي الطرف الأكثر تأثرًا، إلا أن موقفها لم يتبلور حتى الآن في صيغة سياسية جماعية واضحة تعكس حجم مصالحها الحيوية.
 
السؤال الجوهري هنا:
أين الإعلان الخليجي الصريح الذي يحدد حقوق هذه الدول في مضيق هرمز؟
 
إن هذه الدول، سواء بوصفها دولًا مشاطئة غير مباشرة أو دولًا مجاورة تعتمد كليًا على المضيق، تمتلك حقًا أصيلًا في حماية انسياب تجارتها ومواردها.
 
نحو مسودة حقوق خليجية غير قابلة للتصرف
 
إن الحاجة باتت ملحّة لصياغة موقف خليجي موحد يقوم على المبادئ التالية:
 
حق مطلق وغير قابل للتصرف في حرية العبور دون أي إعاقة أو تأخير
رفض فرض أي رسوم أو قيود سياسية من أي طرف
رفض تحويل المضيق إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية أو دولية
التأكيد على أن أمن المضيق مسؤولية الدول المحيطة به فقط
المطالبة بدعم هذا الموقف سياسيًا من جامعة الدول العربية والأمم المتحدة دون أي دور إشرافي أو إداري لهما
هذا الطرح لا يهدف إلى تدويل المضيق، بل إلى تحريره من الهيمنة.
 
الخاتمة: التوازن كشرط للاستدامة
 
إن مستقبل مضيق هرمز لا يمكن أن يُبنى على منطق الغلبة، بل على مبدأ تساوي الحقوق والواجبات بين الدول المحيطة به.
 
فالمضيق، بحكم موقعه، ليس ملكًا لطرف، ولا مجالًا مفتوحًا لتدخلات خارجية دائمة، بل هو فضاء مشترك يتطلب إدارة قائمة على التفاهم والتفاوض.
 
إن استدامة أمن الخليج تبدأ من:
 
رفض الهيمنة أيًا كان مصدرها
تثبيت حرية الملاحة كحق غير قابل للتفاوض
اعتماد الحوار بين الدول المعنية كخيار استراتيجي وحيد
لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي:
أن المضائق التي تُدار بالقوة تُنتج صراعات، أما التي تُدار بالتوازن فتُنتج استقرارًا دائمًا