الغد
بسبب "حماس"!
يوم الخميس، أصدرت الخارجية الأميركية بيانًا بشأن اعتراض بحرية الكيان الصهيوني لسفن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة. وأدان البيان الأسطول ووصفه بأنه مبادرة مؤيدة لـ "حماس"؛ وقال إن الأسطول هو جهد لا أساس له ويأتي بنتائج عكسية ويهدف إلى تقويض خطة السلام التي طرحها الرئيس ترامب. ولذلك تتوقع الولايات المتحدة من جميع حلفائها اتخاذ إجراءات حاسمة ضد هذا التحرك من خلال منع السفن المشاركة فيه.
وإذن، الناشطون العالميون الذين يغامرون بأرواحهم أو باعتقالهم وإذلالهم لمحاولة رفع الحصار (خطوط تحت كلمة "الحصار" الذي ما يزال قائمًا) عن الغزيين وجلب مساعدات إنسانية لهم، يحاولون هدم الجنة التي صنعتها خطة "سلام" ترامب للفلسطينيين! وهم "مبادرة مؤيدة لـ"حماس"! (خطوط كثيرة تحت كلمة "حماس")، لأن هذه هي الفكرة.
لا حاجة إلى التأكيد على أن "حماس" هم جزء مهم وأساسي من الفلسطينيين، وأنهم الحزب السياسي الذي انتخبته غالبية الفلسطينيين في آخر انتخابات حرة أجريت في فلسطين. وهم يمثلون –على أساس برنامجهم الكفاحي المقاوم وليس الديني بالضرورة- ما يوافق عليه قسم كبير من الفلسطينيين باعتباره "الجناح العسكري" الضروري لأي حركة وطنية تناضل للتحرر من استعمار –خاصة إذا كان استيطانيًا إحلاليًا.
يفكر الفلسطيني، الذي يعرف الحقائق بالخبرة –والغريزة- بأن الأمر لا علاقة له بالأيديولوجيا. ماذا لو كان الذي يحكم غزة وأسس جناحًا عسكريًا حزبًا فلسطينيًا يساريًا، أو علمانيًا، أو أي تصنيف أيديولوجي في العالم؟ هل كانت النتائج ستتغير؟ قطعًا لا، حيث المطلوب هو رأس الفلسطيني لكونه فلسطينيًا، نقطة. ولكن صادف أن تكون "حماس" محسوبة على الإسلاميين، فكان التركيز على "إسلاميتهم" سببًا جاهزًا للإدانة.
منذ بداية الحرب الإبادة على غزة في 2023، كانت النية واضحة. قال وزير دفاع الكيان، يوآف غالانت: "نحن نقاتل حيوانات بشرية، ونتصرف على هذا الأساس". وعنى ذلك عمليًا فرض حصار وحشي على القطاع، شمل قطع الكهرباء والماء والوقود. واعتبر رئيس الكيان، إسحاق هرتسوغ أن "أمة بأكملها مسؤولة"، ماحيًا التمييز بين المدنيين والمقاتلين. وتوعّد بنيامين نتنياهو بتحويل غزة إلى "جزيرة من الخراب" واستحضر "عماليق". ودعا وزراء مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير إلى تدمير غزة بالكامل وتهجير سكانها. بل ودعا أحدهم إلى قصف غزة بقنبلة نووية. وكان واضحًا لكل ذي عينين أن الأمر يتجاوز استهداف التنظيم إلى استهداف كل فلسطيني، بما يتفق منطقيًا مع طبيعة الأمور.
وإذن -يفكر الفلسطيني: من المفهوم أن تقول خارجية الولايات المتحدة المتماهية مع أن جلب طعام وخيام للمدنيين الفلسطينيين في غزة هو "مبادرة مؤيدة لحماس"، وبذلك يجب أن يموت الغزيون جوعًا وعراءً لكي تذهب "حماس". وبطبيعة الحال، لا يفكر ناشطو أسطول الصمود بـ"حماس" ولا ينبغي أن يفعلوا. إنهم يرون الصورة الكبيرة: ثمة أكثر من مليوني إنسان يُحاصرون ويُبادون. وهم مستعمَرون ويحاولون البقاء في وجه الإبادة، والصمود على أمل لا ينبغي أن ينتهي بالتحرر أخيرًا كباقي الشعوب.
لكنّ غير المفهوم، كما يفكر الفلسطيني، أن يجري ترويج نفس الذريعة، "حماس"، للسكوت وعدم فعل أي شيء في الإقليم لإنقاذ الفلسطينيين من المذبحة. ويشعر الفلسطيني الذي يثق بغريزته التي شحذتها الخبرة، بأن كثيرين في المنطقة برروا لأنفسهم ولغيرهم أن "الثمن يستحق" بعد أن صنعوا من "حماس" دون كيشوت للتحلل من فعل شيء. ولذلك، تم ربط "حماس" بأحد شيئين: "الإخوان المسلمين" غير المحبوبين في بعض المناطق؛ وإيران غير المحبوبة في مناطق أخرى. حتى أن مسؤولًا في "السلطة الفلسطينية" سئل عن استهداف المقاومين في الضفة، فأجاب أن بعضهم "تشيعوا"!
سبق أن لخصت هذا الاتجاه وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، مادلين أولبرايت، في العام 1996. آنذاك، سألتها الصحفية ليزلي ستال: "سمعنا أن نحو نصف مليون طفل (عراقي) قد ماتوا. أعني أن هذا عدد أكبر من الأطفال الذين ماتوا في هيروشيما… فهل الثمن يستحق ذلك"؟ (قصدَت إسقاط نظام صدام حسين). وردت أولبرايت: "أعتقد أن هذا خيار صعب جدًا، لكن الثمن -نحن نعتقد أن الثمن يستحق ذلك".
يفكر الفلسطيني بأن السؤال نفسه كان مطروحًا على الأميركان –والأهم، على الذين وقفوا يتفرجون بأيدٍ مسبلة على ذبج وتدمير حياة الفلسطينيين في غزة: "سمعنا أن 76 ألف فلسطيني –معظمهم من النساء والأطفال- (تضع بعض تقديرات أعداد الشهداء والجرحى عند مئات الآلاف)، قتلوا، فهل الثمن (إسقاط"حماس" في هذه الحالة) يستحق ذلك"؟ ويفكر الفلسطيني بأن المذكورين أجابوا، ربما من دون صعوبة الاختيار التي تحدثت عنها أولبرايت: "نحن نعتقد أن الثمن يستحق ذلك".
بالنسبة للأميركان، الثمن يستحق لأنهم يتمنون التخلص من الشعب الفلسطيني لتأبيد الكيان الاستعماري الصهيوني. وبالنسبة لآخرين، الثمن يستحق لأنه– بطريقة ملتوية جدّا جدّا- يحال إلى "الإسلاميين" أو "الإسلامويين". وقد ازدهرت هذه الإحالات وأينعت وتولى ترويجها جيش من المبرِّرين. وذهب آخرون إلى حصر اللوم على طريقة: "حماس أوقعت نفسها في صراع غير متكافئ مع اليهود، فلتخلص نفسها –بمعنى: فليذهب سكان غزة إلى حيث ألقت!
يفكر الفلسطيني بطرق غير مكلفة و"مقدور عليها" كان بالوسع اتباعها للضغط على الكيان العدواني والولايات المتحدة لتخفيف مصارع الفلسطينيين. ولا يستطيع أن يفهم كيف يمكن مثلًا عدم تأييد الفيتناميين في حربهم ضد الغزو الأميركي لأنهم شيوعيون. ويفكر بأنه أيًا كانت أيديولوجية التنظيم الفلسطيني الذي يحارب الكيان، فإن جريرته ومبرر استهدافه هو تعطيله لمشاريع استكمال إخضاع المنطقة لهيمنة الأميركان والكيان والمتماهين معها، المشروطة بمحو أي ذكر لقضية الفلسطينيين وأي شيء ربما يوجع الضمير قد يجلبه هذا الذكر.