عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    31-Jan-2026

معضلات تغيير الأنظمة

  الغد

ريتشارد هاس* - (إندبندنت عربية) 24/1/2026
يبرهن فشل تغيير الأنظمة بالقوة في أفغانستان والعراق وليبيا على أن إسقاط نظام الحكم أسهل من بناء الدولة، وأن غياب خطة "اليوم التالي" يصنع كوارث أطول عمراً من الأنظمة نفسها. ومع عودة هذا الخيار إلى الطاولة في فنزويلا وغزة وإيران، يجادل كاتب المقال بأن على واشنطن أن تفرّق بين الاستجابة لانهيارات داخلية ودفعها عمداً، وأن تجعل تغيير الأنظمة استثناءً نادراً لا سياسة دائمة.
 
 
منذ ما لا يقل عن عقد من الزمن، استقر الرأي السائد على أن محاولات الولايات المتحدة المباشرة لتغيير الأنظمة انتهت إلى كوارث -ولأسباب وجيهة. في أفغانستان عادت حركة "طالبان" نفسها التي أُزيحت من السلطة في العام 2001 إلى الحكم في العام 2021 بعد عقدين من الجهود الأميركية العقيمة. وفي العراق نجحت القوات الأميركية في إنهاء نظام صدام حسين نهائياً، لكن النتيجة لم تكن بأي حال متناسبة مع الكلفة البشرية والاقتصادية والاستراتيجية والسياسية. ثم في ليبيا انتهى تدخل "حلف شمال الأطلسي" بقيادة الولايات المتحدة، والذي كان يهدف إلى منع معمر القذافي من تنفيذ مجزرة قد تكون وقعت أو لم تقع، إلى إعدامه وانهيار نظامه، ولكن لم تكن هناك أي خطة لاحقة، وقاد سقوط النظام إلى فوضى وما يمكن وصفه، بأدق تعبير، بدولة فاشلة.
هذه الحصيلة القاتمة في الفترة الأخيرة تضفي على العودة المفاجئة للحديث عن تغيير الأنظمة طابعاً مدهشاً، بل يكاد يكون مُربكاً. ويكشف التاريخ الأبعد لمثل هذه السياسات والعمليات الأميركية بصورة أوضح ما تنطوي عليه من وعود وأخطار، ويقدّم في الوقت نفسه بعض الدروس. وأوضح هذه الدروس هو أن الدعوة إلى تغيير نظام أسهل بكثير من تحقيقه، وأن غياب خطة لليوم التالي للإطاحة بأي نظام هو وصفة مؤكدة للكارثة. وأخيراً، وربما الأهم، هو أن على واشنطن أن تميّز بين تغيير النظام بوصفه حدثاً يستدعي ردّ فعل، وتغيير النظام بوصفه سياسة مقصودة تهدف إلى تحقيق نتيجة بعينها.
ومن المهم أيضاً إدراك أن مرور الزمن وضعف الذاكرة والحسابات السياسية الداخلية يمكن أن تتضافر معاً لطمس حقيقة التجارب السابقة في تغيير الأنظمة. ففي حين تدرس إدارة ترامب عدداً من الخيارات بشأن فنزويلا بعد القبض على حاكمها نيكولاس مادورو، يشير كثير من المراقبين إلى العملية الأميركية في العام 1989 للإطاحة بديكتاتور آخر في أميركا اللاتينية واعتقاله، وهو مانويل نورييغا في بنما، بوصفها مثالاً على إمكانية نجاح مثل هذه السياسة. لكن العمليتين كانتا في الواقع مختلفتين اختلافاً جوهرياً. وفوق ذلك كانت عملية بنما أخطر بكثير وأكثر كلفة مما يظنه البعض، وكان الإدراك الكامل لتلك الأخطار والكُلف أحد الأسباب التي دفعت الإدارة نحو عدم السعي إلى تغيير النظام بعد هزيمة العراق في حرب الخليج بعد ذلك بعامين، وهو قرار ثبتت وجاهته، على الأقل جزئياً، في ضوء كل ما تلا حين اتخذ جورج بوش الابن الخيار المعاكس في العام 2003.
التغيير قادم
يمكن أن يتخذ تغيير النظام أشكالاً عدة. فقد يأتي بدفع من قوى داخلية أو خارجية أو منهما معاً. وعندما يُفرض تغيير النظام من الخارج فغالباً ما يقترن ببناء الدولة. أي بمحاولة منظمة لفرض بديل مفضل. وربما كانت أنجح تجارب هذا النهج تلك التي جرت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين قررت الولايات المتحدة، بالتعاون مع حلفائها، الشروع في إصلاح جذري لبنية الحكم وتوجهات كل من ألمانيا واليابان، وكان الهدف ضمان ألا يشكل أي منهما تهديداً لمنطقته أو للعالم مرة أخرى. ثم جاءت الحرب الباردة لتضيف هدفاً آخر تمثل في تحويل البلدين سياسياً واقتصادياً، ولاحقاً عسكرياً، ليصبحا قادرين على الإسهام بفاعلية في مواجهة التحدي الذي مثله الاتحاد السوفياتي. وقد حققت هذه الجهود نجاحاً لافتاً وأصبحت كل من اليابان وألمانيا ديمقراطيتين راسختين وقوتين اقتصاديتين كبيرتين مندمجتين في منظومة التحالف الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومع مرور الوقت سُمح لهما بل وشُجعتا على امتلاك جيوش حديثة. وساعد في نجاح هذه التجربة أن البلدين كانا إلى حد كبير مجتمعين متجانسين ودولتين منظمتين جيداً، وكانا قد منيا بهزيمة عسكرية حاسمة. ومع ذلك، وحتى في هذه الظروف المواتية، فإن تحولهما لم يكن تلقائياً بل تطلب احتلالاً عسكرياً أميركياً طويلاً وتدخلاً مباشراً وعميقاً من واشنطن في إعادة بناء نظاميهما السياسيين.
وفي الوقت نفسه تقريباً، رفضت الولايات المتحدة الدعوات إلى تغيير النظام في الاتحاد السوفياتي، فقد رأت الإدارات المتعاقبة أن هذا الطرح، الذي أطلق عليه أنصاره اسم "الدحر" وكان يهدف إلى استبدال النظام الشيوعي بنظام ديمقراطي رأسمالي، ينطوي على أخطار كبيرة لا يمكن تحملها في العصر النووي، وبدلاً من ذلك استقرت واشنطن على سياسة أكثر حذراً وصفها مهندسها الرئيس الدبلوماسي جورج كينان بأنها "احتواء طويل الأمد وصبور، لكنه حازم ويقظ للنزعات التوسعية الروسية". وكان هدف السياسة الخارجية الأميركية هو التأثير في سلوك موسكو الخارجي لا إعادة تشكيل النظام السوفياتي نفسه.
نجحت سياسة الاحتواء نجاحاً كبيراً طوال العقود الأربعة من الحرب الباردة، فقد جرى كبح التمدد السوفياتي، بل إن الاحتواء تجاوز التوقعات ومهد الطريق في نهاية المطاف لتغيير النظام في الاتحاد السوفياتي، وبمعنى ما تحقق "الدحر" لكن ليس نتيجة جهود غربية مباشرة، بل بفعل عوامل غير مباشرة من بينها تماسك الـ"ناتو" والجاذبية التي مثّلها النموذج الاقتصادي والعسكري الأميركي المتفوق. غير أن العامل الحاسم كان داخلياً وتمثّل في القوى التي نشأت داخل الاتحاد السوفياتي نفسه، ولا سيما صعود النزعات القومية وسياسات ميخائيل غورباتشوف الذي أسهم تسريعه للإصلاح السياسي وامتناعه من استخدام القوة لقمع المعارضة، سواء في الداخل أو في الدول التابعة، في وضع حد للتجربة الشيوعية السوفياتية التي استمرت 70 عاماً.
كذلك شهدت الحرب الباردة محاولات أخرى عدة لتغيير الأنظمة نفّذ كثيراً منها جهاز الاستخبارات المركزية الأميركية. وربما كانت أشهر هذه المحاولات أو أسوأها سمعة تلك العملية سيئة التخطيط والتنفيذ في خليج الخنازير للإطاحة بالنظام الشيوعي في كوبا العام 1961. فقد شكلت تلك العملية درساً باكراً ومهيناً مفاده بأن محاولات فرض تغيير الأنظمة يمكن أن تفشل فشلاً ذريعاً، ولا سيما حين يكون النظام المستهدف مصمماً على الصمود ومترسخاً بعمق.
هل بنما نموذج قابل للتكرار؟
هناك محاولة لاحقة لتغيير النظام في أميركا اللاتينية تحظى باهتمام كبير خلال الآونة الأخيرة، وهي التدخل الأميركي في بنما في العام 1989. ويرجع ذلك جزئياً لأوجه التشابه المتصورة بينها وبين الأحداث الأخيرة في فنزويلا. ففي ذلك الوقت تحركت إدارة جورج بوش الأب للإطاحة بمانويل نورييغا؛ الزعيم المستبد الذي كان يحكم بنما (ومن ثم اعتقاله). وكان نورييغا، شأنه شأن مادورو، متورطاً في تهريب المخدرات، وألغى نتائج انتخابات هُزم فيها. لكن في حالة بنما كان بوش يرد أيضاً على مقتل جندي أميركي هناك، وعلى مخاوف من أن يُعرض نورييغا أفراداً أميركيين آخرين وقناة بنما للخطر، وهو قلق تفاقم بسبب إعلان الجمعية الوطنية البنمية (البرلمان) حال الحرب. وبمجرد أن وقع نورييغا في قبضة الولايات المتحدة نجحت واشنطن في تنصيب الفائز في الانتخابات التي أُلغيت، غييرمو إندارا، في السلطة. ولكن من المهم التذكير بأنه بحلول ذلك الوقت كانت الولايات المتحدة قد نشرت أكثر من 25 ألف جندي على الأرض، وكان لها حضور دبلوماسي وتجاري قوي في بنما، ودور راسخ ومقبول على نطاق واسع في البلاد بفضل القناة التي بناها الأميركيون. ومن الجدير أيضاً الأخذ في الاعتبار أن مساحة بنما تقل عن عُشر مساحة فنزويلا وأن عدد سكانها كان أقل من عُشر عدد سكان فنزويلا الحاليين. وكذلك، فإن القوات المسلحة البنمية كانت ضعيفة وقليلة العدد وتضم في صفوفها عدداً من الفصائل المناهضة لنورييغا.
ومع ذلك تبين أن تغيير النظام في بنما لم يكن سهلاً ولا خالياً من الكُلف، فقد سقط مئات الضحايا الأميركيين بينهم 23 جندياً قُتلوا. والصعوبات التي واجهت عملية القبض على نورييغا وإنهاء العملية على نحو مناسب كانت محبطة ومحرجة. وكشفت التجربة عن مدى تعقيد العمليات العسكرية داخل أراضي دولة أخرى، حتى وإن كانت دولة مألوفة وصديقة نسبياً وصغيرة مثل بنما. وقد جعل كل ذلك إدارة بوش أكثر حذراً من مثل هذه المشاريع. وكما كان رئيس هيئة الأركان المشتركة كولن باول يذكر زملاءه باستمرار فإن تغيير النظام ليس مهمة عسكرية؛ فالقوات المسلحة يمكن تكليفها بتدمير أهداف وربما اعتقال زعيم أجنبي أو قتله، لكنها لا تستطيع أن تُكلَّف باستبدال نظام سياسي قائم بنظام آخر أكثر انسجاماً مع تفضيلات واشنطن، فذلك يتطلب استخدام جميع أدوات القوة الأميركية ويعتمد إلى حد كبير على طبيعة الدولة المستهدفة وقوة البدائل القادرة على الحلول محل النظام القائم. وعلاوة على ذلك، فإن تكليف الجيش بالعمل بعيداً من ساحات المعارك وقرب السكان المدنيين في المناطق الحضرية سيؤدي إلى خسائر فادحة ونتائج غير مؤكدة. وقد أسهم هذا الحذر إلى حد كبير في قرار بوش الامتناع من التقدم نحو بغداد في العام 1991 مع اقتراب انتهاء المرحلة القتالية من حرب الخليج.
معركة تلو الأخرى
لكن هذا الحذر تلاشى مع مرور الوقت، فبعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، تعاونت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) والقوات المسلحة الأميركية مع مقاتلين من القبائل الأفغانية للإطاحة بحكومة "طالبان" عقب رفضها تسليم قادة تنظيم "القاعدة" المسؤولين عن الهجوم الإرهابي، ثم لعبت الولايات المتحدة دوراً كبيراً في تشكيل حكومة بديلة وإعادة إعمار البلاد وبناء جيش وتعليم الفتيات والنساء وغير ذلك، وكان ذلك مثالاً كلاسيكياً على بناء الدولة.
غير أن هذا الجهد اصطدم بعودة "طالبان" والفساد والانقسامات التي اتسمت بها الحكومة والمجتمع في أفغانستان. وبعد 20 عاماً وأكثر من 2000 قتيل أميركي، ونحو 20 ألف إصابة أخرى في صفوف الأميركيين وإنفاق تريليونات الدولارات، غيرت الولايات المتحدة مسارها لأنها لم تتمكّن من هزيمة "طالبان"، وكان من غير الممكن التوصل إلى السلام من خلال التفاوض. وقد وقّعت إدارة ترامب الأولى اتفاقاً يعيد البلاد فعلياً لـ"طالبان" ونفذته إدارة بايدن. وبعد عقدين من إقصائها من كابول، نفّذت حركة "طالبان" تغيير نظام من جانبها هذه المرة وعادت للسلطة.
ويقدّم العراق مثالاً آخر مؤلماً على كيف يمكن أن ينتهي تغيير النظام إلى فشل ذريع، فقد أخطأت إدارة جورج بوش الابن حين بالغت في التفاؤل بإمكان انتقال سلمي إلى الديمقراطية في مجتمع منقسم بعمق خضع طويلاً لحكم ديكتاتور وحشي، وكذلك أساءت تقدير السرعة التي يمكن أن يتحول فيها المحرّرون المُرحب بهم إلى محتلين غير مرغوب فيهم. وفضلاً عن ذلك، ارتكبت الإدارة سلسلة أخطاء جسيمة؛ إذ خلقت فراغاً في السلطة بحلّ الجيش العراقي وإقصاء عدد كبير من كوادر النظام السابق عن العمل مع الحكومة الجديدة. وكما في أفغانستان، تبين أن بناء الدولة كان باهظ الكلفة في الأرواح والأموال. (ومع ذلك يجب التنبيه إلى أنه، وعلى خلاف أفغانستان، ثمة ما يمكن للولايات المتحدة أن تشير إليه بوصفه حصيلة لهذا الجهد، فالعراق اليوم دولة فاعلة ذات سمات ديمقراطية واضحة).
أما في العام 2011، فقد قدّم التدخل في ليبيا درساً من نوع آخر، لا تُقدم على إسقاط نظام من دون خطة واضحة لما سيأتي بعده. فإذا كانت إدارة جورج دبليو بوش قد أخطأت لأنها فعلت أكثر مما ينبغي في العراق، فإن إدارة أوباما أخطأت لأنها فعلت أقل مما ينبغي في ليبيا بعد الإطاحة بالقذافي. والنتيجة أن ليبيا اليوم دولة شبه فاشلة، وفي المحصلة يمكن لتغيير الأنظمة أن يجعل وضعاً سيئاً أسوأ، أو أن يستبدل به وضعاً سيئاً من نوع آخر.
تبدلت الوجوه وبقي النظام
بعد هذه الكوارث بدا من المنطقي الافتراض أن واشنطن ستبتعد عن تغيير الأنظمة لفترة طويلة، لكنّ التطورات الجارية اليوم في ثلاثة أماكن، وهي فنزويلا وغزة وإيران، قد أعادت هذا الخيار للطاولة. وقد تكون كوبا حالة رابعة محتملة، لكن فنزويلا تحظى بأكبر قدر من الاهتمام، وهو أمر مثير للسخرية، لأن ما تسعى إليه إدارة ترامب هناك ليس في الحقيقة مثالاً على تغيير النظام، في الأقل ليس بعد، إذ يبدو أن إدارة ترامب تتبع مساراً مناقضاً تماماً لما فعلته إدارة جورج بوش الابن في العراق، فلم يكن هناك نشر للقوات الأميركية ولا حلّ للقوات المسلحة ولا تسريح جماعي للعاملين في الحكومة، وكذلك غاب أي جهد شبيه بما قامت به إدارة جورج بوش الأب في بنما؛ أي تنصيب الحكومة المنتخبة شرعياً في السلطة. فتعزيز الديمقراطية لا يعد أولوية لإدارة ترامب مع أنها ربما تكون قد حسبت أيضاً (وليس من دون سبب) أن أي محاولة لتحقيق ذلك الآن في فنزويلا ستشعل صراعاً أهلياً واسع النطاق.
ما حدث في فنزويلا لم يكن تغيير نظام بقدر ما كان تغييراً في القيادة (إذ استبدل مادورو بنائبته ديلسي رودريغيز) وسعياً إلى ضمان وصول الشركات الأميركية إلى النفط الفنزويلي والسماح للحكومة الأميركية بالإشراف على بيع هذا النفط. وكذلك تمارس إدارة ترامب ضغوطاً على فنزويلا لتقليص علاقاتها الوثيقة مع الصين وكوبا وإيران وروسيا.
كان ترامب متناقضاً في توصيف أهدافه في فنزويلا، ففي بعض الأحيان تحدث كما لو أن تغيير النظام هو الهدف. وقال في اليوم الذي أُلقي فيه القبض على مادورو "سندير البلاد عملياً إلى أن تجري عملية انتقال مناسبة للسلطة". لكن الولايات المتحدة لا تفتقر فقط إلى الوسائل اللازمة لإدارة فنزويلا بل أيضاً إلى الرغبة في ذلك. ولدى ترامب نفور طويل الأمد من تغيير الأنظمة وبناء الدول. وفي الحقيقة كان الاستياء الشعبي من تجربتي أفغانستان والعراق أحد أسباب صعوده السياسي.
ومع ذلك، يبقى من غير الواضح ما الذي قد يحدث إذا لم تتحقق التغييرات السياسية المنشودة بسبب عودة النزعات القومية أو الاقتتال الداخلي، سواء بين عناصر النظام نفسه أو بين النظام والمعارضة. فقد هدد ترامب في البداية بموجة ثانية من الهجمات لكنه سيواجه معضلة، فكيف يحقق فوائد تغيير النظام من دون تحمل الأخطار والكُلف المصاحبة له. وسيكون المسار الأكثر حكمة هو ربط كل أشكال المساعدة الأميركية لحكومة فنزويلا بإدخال التغييرات السياسية المطلوبة، بما في ذلك إشراك المعارضة في العملية السياسية.
هل يتوالى السقوط؟
غزة هي مكان آخر برزت فيه سياسة تغيير النظام حتى لو لم يوصف ذلك عادة على أنه تغيير للنظام بصورة معلنة، فالهدف المشترك لإسرائيل والولايات المتحدة هو إنهاء هيمنة حركة "حماس" على غزة. وخلال أكثر من عامين منذ هجمات "حماس" الإرهابية في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، استخدمت إسرائيل قوة عسكرية كبيرة لتحقيق هذا الهدف بدعم ومساعدة من واشنطن، واحتلت أيضاً أجزاء واسعة من غزة. ونتيجة لذلك، باتت "حماس" أضعف بكثير عسكرياً، لكنها ما تزال أقوى من أي قوة عسكرية أو سياسية منافسة أخرى. وبعبارة أخرى، كانت إسرائيل تنتهج إستراتيجية أحادية البعد تتمثل في مهاجمة "حماس" واشتراط نزع سلاحها قبل أي تقدم سياسي. وقد رفضت إنشاء كيان سياسي بديل في غزة يمكن لسكان القطاع الالتفاف حوله، بل على النقيض من ذلك، منعت إسرائيل السلطة الفلسطينية من الاضطلاع بدور ذي معنى خشية أن يمنح ذلك زخماً للنزعة القومية الفلسطينية. وأيضاً فشلت إسرائيل في طرح أي مبادرة سياسية جادة لتحفيز الفلسطينيين المستعدين للعيش بسلام مع دولة يهودية. وفي هذه الحالة، تتعثر محاولة الإطاحة بالنظام جزئياً بسبب غياب أي مشروع لبناء الدولة، ومن غير المرجح أن يتحقق تغيير النظام في مثل هذه الظروف، وقد يكون من الأجدر بإدارة ترامب إعادة النظر في دعمها شبه المطلق للنهج الإسرائيلي.
أما إيران فهي حالة لافتة، فقد وصل النظام السياسي الحالي إلى السلطة في العام 1979 من طريق تغيير النظام حين حلّت القيادة السياسية - الدينية محل السلطوية العلمانية للشاه. وكانت الدينامية داخلية؛ إذ تعاظمت قوة الموالين للخميني (أو المتحالفين معه) إلى حد أن أجهزة الأمن لم تعد مستعدة للمخاطرة بنفسها دفاعاً عن نظام الشاه. أما إدارة كارتر فقد سعت إلى منع تغيير النظام لكنها كانت مترددة ومتقلبة، وانتهى بها المطاف إلى الفشل.
بعد ما يقارب نصف قرن، أصبح النظام الإسلامي نفسه يواجه ضغوطاً شعبية متصاعدة مع اندلاع احتجاجات في أنحاء البلاد، معظمها نتيجة أزمة اقتصادية متفاقمة زادتها حدة العقوبات التي تقودها الولايات المتحدة، ويردّ النظام بإصلاحات شكلية وقمع متزايد القسوة. وقد صرح ترامب بأنه إذا "قتل النظام المتظاهرين السلميين بعنف، كما هي عادته، فإن الولايات المتحدة الأميركية ستتدخل لإنقاذهم. ونحن في أقصى درجات الجهوزية للتحرك". وقد جرى تجاوز هذا الخط الأحمر، لكن إدارة ترامب امتنعت حتى الآن من تنفيذ تهديدها.
وسيكون تغيير النظام موضع ترحيب لدى غالبية الناس داخل إيران ولدى كثير من جيرانها. ومن الممكن أن تؤدي الضربات الأميركية على أهداف مرتبطة بالمؤسسة العسكرية والدينية الإيرانية إلى زيادة فرص سقوط النظام، لكنها قد تثير أيضاً رد فعل قومياً مضاداً. وأيضاً يوجد خطر أن تؤدي التصريحات والأفعال الأميركية إلى تصعيد الاشتباكات داخل البلاد، مما يعرض المعارضة لأخطار أكبر من دون قدرة أميركية مباشرة على حمايتها. وقد يكون من المفيد تقديم الدعم التقني لتمكين المعارضة من استخدام الإنترنت على الرغم من محاولات النظام حجب الوصول إليه. ومع ذلك، ينبغي الاعتراف بأنه من غير الواضح تماماً ما إذا كان تغيير النظام وشيكاً، وما الذي سيأتي بعده إن حدث. وسيكون من الحكمة أن تصوغ الولايات المتحدة سياسة تنطبق على أي حكومة إيرانية وتُحفز التغيير المطلوب؛ أي أن تكون واشنطن مستعدة لتخفيف العقوبات في مقابل موافقة إيران على إنهاء برنامجها للأسلحة النووية ووقف استخدام الميليشيات الوكيلة في أنحاء المنطقة وإنهاء قمع مواطنيها، على أن يتوقف حجم تخفيف العقوبات على مدى تغير السلوك الإيراني. (في حال انهيار النظام في كوبا، يُمكن للولايات المتحدة أن تعرض حزمة مماثلة من الحوافز الاقتصادية على أي قيادة ما بعد شيوعية تظهر هناك، على أن تربط هذه الحوافز بتلبية الحكام الجدد لشروط سياسية واقتصادية وإستراتيجية مختلفة).
مبادرة أم استجابة؟
خلال الأشهر المقبلة، يتعين على واشنطن أن تميز بوضوح وحسم بين رد الفعل على تغيير نظام جارٍ بالفعل، وبين انتهاج سياسة السعي الاستباقي إلى تغيير الأنظمة. وخلال المرحلة المقبلة، قد تحتاج الولايات المتحدة إلى التعامل مع انهيارات داخلية لنظامي إيران وكوبا كما فعلت في إيران في العام 1979 والاتحاد السوفياتي في العام 1991. وعندما يحدث ذلك، يصبح السؤال هو كيف يمكن استخدام أدوات السياسة الخارجية التقليدية على أفضل وجه للتأثير في المسار والنتيجة. وأفضل مقاربة هي تقديم مساعدة اقتصادية كبيرة عند استيفاء شروط محددة، مع ضرورة أن تكون الولايات المتحدة مستعدة في حال إيران لدعم المعارضة وإضعاف الحكومة، نظراً إلى التهديدات الكثيرة التي تشكلها طهران لمصالحها. أما تغيير النظام بوصفه خياراً سياسياً متعمداً فهو أمر مختلف جوهرياً، واللجوء إليه ينبغي أن يكون نادراً وألا يحدث إلا بعد الإجابة عن عدد من الأسئلة، مثل هل هو ممكن؟ وهل واشنطن في وضع يسمح لها بدعمه في ظل أولويات أخرى؟ وهل من المرجح ظهور بدائل سياسية أفضل وقابلة للاستمرار؟ وهل الولايات المتحدة مستعدة للدخول لفترة طويلة وبكلفة كبيرة عليها؟ وهل سيكون هذا الدخول حاسماً ومرحباً به من جانب الدولة المستهدفة؟
نادراً ما تكون الإجابة عن هذه الأسئلة بالإيجاب. ولهذا السبب، ينبغي على واشنطن أن تركز أكثر على التفاعل مع التحولات العميقة داخل الدول الأخرى ودعمها عندما تلوح الفرصة، بدلاً من السعي إلى خلق هذه التحولات. والخبر السار هو أن فرص دعم تغييرات واسعة النطاق في السياسات، أو حتى تغيير الأنظمة، قد تكون متاحة في أماكن عدة إذا ما تحركت الولايات المتحدة بمزيج من الانضباط والعزم.
 
*ريتشارد هاس: الرئيس الفخري لـ"مجلس العلاقات الخارجية" وكبير المستشارين في شركة "سنتر فيو بارتنرز" Centerview Partners، وكاتب نشرة إخبارية أسبوعية بعنوان "في الديار وفي الخارج" Home & Away على منصة "سابستاك". المقال مترجم عن "فورين أفيرز" حيث نُشر في 14 كانون الثاني (يناير) 2026.