الغد
لحظة النظام العربي الحالية، بوصفه مجموع الدول العربية وأنظمتها الرسمية، ليست طارئة، بل نتيجة مسار طويل من التبعية بدأ مع ما سُمّي بالاستقلال وتشكّل الدولة الوطنية. تحقق استقلال سياسي في الشكل، لكنه لم يتحول إلى استقلال في شروط القوة. أُدير الاستقرار، ولم تُبنَ المنعة. بقي القرار داخل حصن الدولة مانحة الاستقلال، وتحوّل المجال العربي إلى ساحة تُستهلك في صراعات القوى الكبرى.
إيران بعد الثورة أعلنت اصطفافا ضد أميركا وإسرائيل لأسباب عقائدية وسياسية، فدخلت في تناقض مع أغلب الدول العربية المتحالفة مع واشنطن. ثم عمّق التوظيف الديني والطائفي الإيراني الانقسام داخل فضاء عربي يعاني أصلا هشاشة بنيوية. ولأن الشارع العربي لم يفقد بوصلته تجاه المشروع الصهيوني، ورأى فيه خطرًا وجوديًا، فقد تعاطف مع كل خطاب يرفع شعار المواجهة، بما فيه الخطاب الإيراني.
خُدع النظام العربي بقضيتين: أن إسرائيل تمضي نحو حل سلمي، وأن العداء مع إيران قدر لا مفر منه. الخلل لم يكن في اختيار السلام، فخير الحروب ما لم تقع، بل في اعتباره نهاية الطريق. السلام في السياسة ترتيب مؤقت، لا إلغاء للصراع. وإذا لم يُستثمر في بناء قوة ذاتية، يتحول إلى طمأنينة زائفة.
عقيدة إسرائيل قائمة على الحفاظ على تفوق عسكري نوعي يضمن الردع. في المقابل، جُمّدت مشاريع بناء القوة عربيًا. إسرائيل استثمرت في هذا الضعف، لكنها لم تصنعه وحدها، فالأسباب البنيوية داخلية أيضًا. الاقتصاد الريعي اشترى الوقت ولم يصنع استقلالًا. والاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية ضيق هامش القرار عاما بعد عام. حين يرتبط الأمن والسلاح والغذاء بمركز واحد، يصبح التحالف اعتمادا، ويتراجع معنى السيادة، السياسة الأميركية تُدار بالمصالح لا بالولاء، واستخدام المال والسلاح لترتيب الإقليم لصالح إسرائيل ليس استثناءً ترامبيا، بل تعبير عن بنية حقيقة الدولة العميقة في أميركا التي اختطف فيها الدين تماما كما اختطف في العالم العربي لصالح أجندات سياسة.
الخلاصة: هذه الحرب تدور في المجال العربي، لكنها ليست حربًا خُطط لها بأدوات عربية. السبب ليس خارجيا فقط، بل خلل داخلي في إنتاج القوة. ندرك الآن أن احتلال فلسطين، رغم مركزيته، جزء من أزمة أوسع في إدارة المجال العربي. التهميش لم يكن مفاجأة، بل نتيجة تراكم سياسي واقتصادي وفكري طويل.
المفارقة أن هذا الواقع جعل التفكير الإستراتيجي مأزقا، يجعل كل دولة تبحث عن خلاص فردي، مفهوم ظرفيًا لكنه عاجز عن معالجة الخلل المتوسط والبعيد. الأخطر أن يستقر الوعي في فكرة الضحية الدائمة؛ فالشكوى إذا تحولت إلى خطاب ثابت أضعفت الفعل. الاعتراف بالضعف ضرورة، أما الإقامة فيه فتعليق للإرادة.
الحل ليس شعارًا بل مسارًا: لا سلام بلا توازن قوة، ولا توازن بلا اقتصاد منتج ومعرفة ومؤسسات. المشروع الجماعي لم يعد ترفا، لكنه يبدأ بفهم الخراب وتحمل كلفته. جنابك.