عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    14-Jan-2020

الوجوه الجديدة.. كيف تشوهت الكتابة في الفن المصري؟

 

 القاهرة - محمد عبد الله - أثناء حضوره أحد اللقاءات على هامش الدورة الثامنة والثلاثين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال الروائي وكاتب السيناريو المصري أحمد مراد إن رواية لنجيب محفوظ -لم يذكر اسمها- "نصفها يدور حول محاولات بطل الرواية التقرب من البطلة في البلكونة"، واعتبر ذلك مطا وإطالة لا تلائم الجيل المعاصر، مشيرا إلى أن "إيقاعها بطيء لا يتفق مع الإيقاع السريع للزمن الحالي". 
 
أثارت هذه التصريحات جدلا واسعا بين قراء ومحبي نجيب محفوظ، الذين رأوا أن أحمد مراد يهاجم الأديب الكبير "عن جهل" بحسب تعبير الكاتب أحمد الخميسي. واستدرك مراد عبر الظهور في عدة برامج حوارية للرد وتوضيح موقفه الذي قال إنه "كان يتحدث عن تحويل أعمال نجيب محفوظ الروائية إلى سيناريوهات سينمائية"، مشيرا إلى أن "إيقاع الأفلام الحالية يجب أن يكون سريعا، مع تقصير زمن أحداث الأفلام". 
 
فكيف اختلف الزمن الحالي الذي يقصده مراد عن أحد الأزمنة السابقة؟ وكيف أثرت تقنيات الصورة والإخراج على جودة الكتابة؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكننا المقاربة بين فيلمي "بين السما والأرض" (1959) و"الأصليين" (2017)، اللذين يفصل بينهما نحو 60 عاما، كتب الأول منهما الأديب نجيب محفوظ فيما كتب الآخر السيناريست والروائي أحمد مراد.
 
"الأصليين".. هل الإيقاع السريع خيار صحيح دوما؟
في مشاركته الثانية مع المخرج مروان حامد، كتب الروائي والسيناريست الشاب أحمد مراد فيلم "الأصليين"، اختار أن يكتبه مباشرة للسينما متخليا عن عادته في تقديم الفكرة كرواية ثم تحويلها إلى سيناريو سينمائي، فكيف عبّر عن فكرته على الشاشة قبل تقديمها للجمهور عبر وسيط مقروء؟
 
يحكي الفيلم قصة مواطن عادي اسمه سمير، متزوج من زوجة جميلة ويعمل في أحد البنوك، ويملك شقة فوق المتوسطة وسيارة جيدة. وتحت ضغط تقليل العمالة يتم صرفه من العمل ليفاجأ بأحداث غير عادية: منظمة سرية تحاول ضمه لصفوفها، ليراقب دكتورة باحثة ويتنصت على حياتها عبر الكاميرات والهواتف باستخدام تقنيات جديدة، فيتعاطف مع حياتها وأبحاثها الغرائبية أيضا.
 
اجتهد المخرج مروان حامد لإنتاج تتابع بصري مبهر، باختيار مواقع التصوير وكادراته المشبعة بالألوان، التي أتت على قدر عال من السيمترية والإضاءة المريحة، معتمدا على التقنيات الجديدة في التصوير والتلوين والمونتاج، وبزوايا تصوير متنوعة ومبتكرة مثل عين السماء التي اعتمد عليها في أكثر من مشهد في الفيلم، لخدمة فكرة الفيلم حول أننا جميعا مراقبون وجميعا قابلون للتدجين أيضا. لكن كيف حكى مراد حكايته؟ 
 
على عكس التتابع البصري المبهر، جاء التتابع السردي أقل ترابطا بإيقاع سريع حقا حسبما يميل مراد دائما، لكنه أقل تماسكا، ومن دون حبكة واضحة، كأنها فكرة غير مكتملة تعتمد في عرضها على تقنيات الصورة التي استعان فيها المخرج بمدير التصوير المصري أحمد المرسي، وتوليفها ومونتاجها على يد أحمد حافظ.
 
لتأتي النتيجة النهائية فيلما بصورة مبهرة لكن بحبكة متخبطة وحكاية منقوصة، وأحداث إما عادية جدا أو غير معقولة شديدة الغرائبية، تبررها المنظمة السرية التي تحكم الأرض وتحمي الوطن، ليظهر الفيلم في النهاية كتجربة مبهرة على الجانب البصري لكنها فقيرة على مستوى السرد والحكاية.
 
"بين السما والأرض".. نهار كامل في ساعتين
عام 1959، لم تكن تقنيات الصورة السينمائية مثل حالها الآن، فلم تظهر الشاشة الخضراء (مفتاح الكروما) التي تسمح بتصوير آمن للمشاهد داخل الأستوديو، قبل تركيب خلفيات الخدع السينمائية عليها.
 
كان التصوير إما خارجيا في الشوارع أو داخل الأوستوديوهات بعد بناء ديكوراتها المطلوبة، لذلك كانت الحلول في غالبيتها تعتمد على السيناريو والرؤية الإخراجية والصورة السينمائية الأولية. وفي ذلك العام صدر فيلم "بين السما والأرض" عن قصة كتبها نجيب محفوظ وساهم في كتابة السيناريو لها مع المخرج صلاح أبو سيف.
 
فكرة بسيطة واحتمالات حدوثها أكثر بكثير من احتمالات وجود منظمة سرية تراقب العالم، ربما تحدث أو حدثت لك يوما ما. مصعد معطّل في مساره بين دورين في إحدى البنايات، لكن المصعد المعطل مزدحم ويضم أطيافا مختلفة من البشر: نجمة سينما، ولص صغير، وزعيم عصابة، وامرأة حامل، وعجوز مريض، وشاب مقبل على الانتحار، وخادم محمّل بخطابات الثورة، ومختل هارب من مستشفى الأمراض العقلية، ومجموعة واسعة من البشر ولكل منهم سبب منطقي لركوب المصعد، وزحامهم وحملهم الزائد سبب منطقي آخر لتعطل المصعد.
 
والحكاية هي قصة الساعات التي يقضونها داخل الصندوق الحديدي الذي يجمعهم بمعزل عن العالم الخارجي، وكيف تمر عليهم وكيف يتفاعلون معا، لكل منهم خلفية وقصة، ولكل منهم حوار ولغة وحياة داخل مكان واحد طوال الفيلم.
 
القصة هي البطل والسيناريو هو الأساس، وتخدمه الصورة التي لم تحتج لتقنيات كبيرة أو متقدمة، فقط بناء ديكورات مصعد داخل أستوديو والتلاعب بحركة الكاميرا. 
 
قرابة 60 عاما تفصل بين الفيلمين، تطورت خلالها تقنيات التصوير والمونتاج والإخراج، لكن يبدو أن الكتابة السينمائية قد تراجعت بالتزامن مع تطورات الصورة والألوان، فربما تزايد اعتماد الكتاب السينمائيين على التقنيات الجديدة للسينما التي قد تعالج مشكلات الكتابة لديهم. فهل أثر الزمن في الكتابة الكوميدية والتمثيل الكوميدي، هل أثر الزمن في طريقة إضحاك الجمهور؟ 
 
كيف تبدلت الكوميديا؟
على مدار العقود السابقة، تبدل مفهوم الكوميديا والمحتوى المقدم فيها، كما تغير نجوم الكوميديا أيضا، منذ صعود الكوميديا المسرحية مع نجيب الريحاني إلى السينما مرورا بنجوم "ساعة لقلبك" ومن بعدها مدرسة عبد المنعم مدبولي وفؤاد المهندس ثم مسرح الثمانينيات وحتى تجربة مسرح مصر.
 
يبقى عادل إمام نموذجا للفنان الكوميدي العابر للأجيال، الذي يجدد جلده باستمرار ليواكب تطورات السوق السينمائي والجماهير التي تنتظره دائما، ويمكن تقسيم مسيرته إلى حقب زمنية وفنية مختلفة وكأنه يكتشف نفسه مع المخرجين في كل حقبة جديدة، على مدار سنوات عمره الزمني والفني الذي لم يتوقف فيه عن كونه نجم شباك يمكنه إضحاك الجماهير وإمتاعهم دائما.
 
بالعودة إلى أشهر مسرحيات عادل إمام "الواد سيد الشغال"، ننتظر كمشاهدين في كل مشاهدة للمسرحية المشهد الذي يخرج فيه الزعيم عن النص ويرتجل مشاهد مع الفنانين عمر الحريري ومصطفى متولي ومشيرة إسماعيل ورجاء الجداوي.
 
ربما كان لقدرة عادل إمام الارتجالية دور كبير في تلك المشاهد، لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل أهمية النص المكتوب جيدا، وتوزيع الأدوار على الممثلين بشكل جيد، والحوار المتناغم بينهم.
 
لماذا استمر عادل إمام زعيما لسنوات؟
بدأ عادل إمام بأدوار صغيرة في السينما والمسرح مثل "النصابين" و"البيجاما الحمرا"، لكن تعتبر مسرحية "أنا وهو وهي" (1963) من أهم محطاته، نظرا لارتباط الجمهور بشخصية دسوقي أفندي ولازمته الشهيرة "بلد بتاعة شهادات صحيح".
 
المتابع لأعمال إمام يعرف أنه يختار النصوص بدقة، ويلتزم بالشخصية وأدائها وملابسها، لكنه يضفي عليها شخصيته وحركاته وأداءه الصوتي، ليصبح النص المضحك أكثر إضحاكا.
 
مع تطور نجومية عادل إمام وتربعه على عرش الكوميديا المصرية والعربية، أصبحت هناك نصوصا تكتب خصيصا له، أي أن الدور منذ البداية يرسم ليقدمه عادل إمام، لكن هذا لم يجعله يتوقف عن تقمص الشخصيات المكتوبة على اختلافها، لنستطيع بعد سنوات تذكر كل شخصية على حدة.
 
على مدى عقود نستطيع تذكر عشرات الشخصيات و"الإفيهات" للزعيم الذي تمثل أفلامه رسما بيانيا للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مصر، من خلال النصوص المكتوبة بحرفية تتوازى مع حرفية عادل إمام في الكوميديا.
 
مسرح مصر.. كوميديا ثقل الظل
إذا نظرنا إلى وقتنا الحالي، فسنجد أن "مسرح مصر" هو من أواخر التجارب المسرحية والكوميدية الجماهيرية التي زعم مؤسسها الفنان أشرف عبد الباقي أنها تجربة مسرحية جديدة تعيد العلاقة بين المسرح والجمهور، وقدم من خلالها مجموعة من الوجوه الجديدة، أبرزهم: علي ربيع، ومصطفى خاطر، وحمدي الميرغني، ودينا محسن.
 
بعد أن وضع هؤلاء الفنانون أقدامهم على بداية الطريق، اختار كل منهم شخصيات جديدة ليلعبها وأدوارا جديدة ليقدمها، لكن بقي أكثرهم نجومية -كما يرى البعض- هو علي ربيع.
 
رغم تلك النجومية، فإن بعض النقاد يعيبون على ربيع عدم تلوينه في أداء الشخصيات، وفي كل الأفلام التي قدمها -وهي: بنات العم، والحرب العالمية الثالثة، وحسن وبقلظ، وخير وبركة- بالإضافة إلى اسكتشات مسرح مصر في عدة مواسم متتالية، يبدو تمثيل هذا النجم الشاب كأنه قائم على الارتجال والتعليقات المتبادلة بين الممثلين، دون قصة حقيقية أو نص يحتمل النقد.
 
لا يتعرف ربيع على الشخصية أو يقرأها ثم يبدأ في تقمصها، لكنه يدخل العمل الفني ليفعل في كل مرة ما يعرفه، بشكل متكرر، لتصبح النتيجة النهائية كأن "مسرح مصر" لا يقدم عملا فنيا كوميديا من الأساس، وفق نقاد ومشاهدين.
 
المصدر : الجزيرة
 
التعليقات - أضف تعليق

لا يوجد تعليقات