عناوين و أخبار

 

المواضيع الأكثر قراءة

 
 
 
  • تاريخ النشر
    16-Mar-2026

قصة نجاح في التفاوض مع إيران

 الغد

ترجمة: علاء الدين أبو زينة
دانييل وارنر* - (كاونتربنش) 11/3/2026
 
نادراً ما تكون المفاوضات الثنائية بسيطة، كما أظهرَت مؤخراً المفاوضات التي جرت في أواخر شباط (فبراير) بين الإيرانيين والأميركيين. وبوصفي مواطناً أميركياً-سويسرياً، أستطيع أن أسرد قصة مفاوضات ناجحة خضتها مع الحكومة الإيرانية قبل سنوات عدة في بيئة مختلفة تماماً، مع إدراكي الكامل لحالة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وللدور الإيجابي الذي أدّته "المساعي الحميدة" السويسرية بين البلدين.
 
 
بعد سقوط جدار برلين في العام 1989، أنشأت الحكومة السويسرية برنامجاً لمساعدة الدول المستقلة حديثاً على تدريب دبلوماسييها الشباب. وفي ذلك الوقت، كنتُ أجلب دبلوماسيين شباباً إلى جنيف -إلى "معهد الدراسات العليا" حيث كنت أعمل- وأصطحبهم في جولة داخل سويسرا خلال زيارة مكثفة مدتها أسبوعان للتعريف بأساسيات الدبلوماسية الدولية.
وفي كل عام كنت أسافر إلى العاصمة، بيرن، للقاء المسؤول الثاني في وزارة الخارجية السويسرية لمناقشة الوجهة التالية للبرنامج. وبعد سبع سنوات، كان البرنامج قد اكتسب إيقاعاً ناجحاً. وفي العام 1999 سألته: "لماذا لا تكون إيران؟"، وعلى الرغم من أن إيران لم تكن دولة مستقلة حديثاً، كان "معهد الدراسات العليا" يرتبط معها بعلاقة تاريخية. كما أن سويسرا، بعد الثورة الإيرانية في العام 1979، كانت تمثل المصالح الأميركية هناك في إطار "المساعي الحميدة" التي بذلتها.
حاولتُ إقناع كاتب الدولة بأن استقدام دبلوماسيين إيرانيين شباب إلى جنيف سيكون خطوة واعدة في مسار العلاقات السويسرية-الإيرانية. وفي لحظة أكثر شخصية سألني: "لماذا إيران؟"، فأجبته بأن أحد أفضل أصدقائي في المدرسة الثانوية كان ابن السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، وأنني كنت دائماً أحلم بزيارة أصفهان وتبريز وشيراز.
وبحذر سويسري تقليدي، قال إنه يحتاج إلى التشاور مع آخرين في الوزارة، وإنه سيعود إليّ لاحقاً.
وبعد أيام عدة جاء رد إيجابي -ولو أنه كان مشوباً ببعض التردد. وكانت هناك شروط من جانبه ومن جانبي. أولاً، كانت بيرن قلقة لأن أحد أبرز قادة المعارضة الإيرانية والمدافعين عن حقوق الإنسان، كاظم رجوي، كان قد اغتيل قرب جنيف في العام 1990، ويُعتقد أن عناصر من وزارة الاستخبارات الإيرانية كانوا وراء العملية. وما تزال القضية دون حل.
أما شروطي الخاصة فكانت إصراري العنيد على مشاركة رجال ونساء في البرنامج، وقيامي بزيارة إلى إيران قبل بدء الدورة لإجراء مقابلات مع المرشحين، كما فعلت في البرامج السابقة. وقد شكك كاتب الدولة في قدرتي على تحقيق هذين الشرطين معاً. لكن اللعبة كانت قد بدأت على أي حال.
وخلال الأشهر الخمسة التالية، قمت بزيارات عدة إلى بيرن للتفاوض مع ممثلي الجمهورية الإسلامية في سويسرا، بالإضافة إلى زيارات لبعثة إيران في جنيف. وكانت مناقشاتنا دائماً ودية ومهذبة، لكنها رسمية للغاية.
في البداية لم يكن أي من موقفيّ مقبولاً. ولكن كان واضحاً أنهم مهتمون بإرسال نحو خمسة عشر شاباً إلى "مدينة كالفن" لحضور دورة تدريبية دبلوماسية. فبعد كل شيء، ظل "معهد الدراسات العليا" يتمتع بسمعة جيدة في إيران على الرغم من التغيّرات السياسية في طهران.
كانت مسألة عدد المشارِكات من النساء قابلة للتفاوض. في مجموعة تضم نحو خمسة عشر مشاركاً اتفقنا في النهاية على مشاركة أربع أو خمس نساء. ولكن، كان عليّ لكي أقبل بذلك أن أقبل بأن يكون أحد المشاركين من اختيارهم هم وليس من اختياري. وكان دوره -الذي أطلقت عليه لاحقاً اسم "المراقب"- هو أن يتأكد من أن جميع الأنشطة تتم تحت إشراف مناسب. كان يحضر كل محاضرة وكل رحلة، وغالباً ما يبقى صامتاً، لكنه كان دائماً شديد الانتباه.
كانت مسألة المقابلات هي العقبة الكبرى. لكنني توصلت بعد أشهر عدة من التفاوض إلى حل وسط تبيّن أنه ناجح. اقترحتُ أن ألقي محاضرة في "معهد الدراسات السياسية والدولية" المرموق -وهو مركز فكر إيراني رئيسي في مجال السياسة الخارجية مقره طهران ويتبع وزارة الخارجية. وسوف يحضر المحاضرات نحو خمسين مرشحاً. وكنت سأحمل مخططاً يتضمن أسماءهم وأماكن جلوسهم أمامي. وخلال المحاضرة سأراقب بعناية كيفية استماعهم، وتدوينهم للملاحظات، وردود فعلهم على الأفكار المطروحة. وبناءً على هذه الملاحظات سأختار خمسة عشر مشاركاً من دون إجراء مقابلات مباشرة. وتم الاتفاق على ذلك.
وهكذا كانت بيرن راضية. وكانت طهران راضية. وكنت أنا أيضاً سعيداً بالسفر إلى إيران وإلقاء محاضرتي. وكانت الدورة التي عُقدت في سويسرا، التي حملت اسم "الندوة الجامعية السويسرية للعلاقات الدولية"، ناجحة أيضاً. وفيها قدّم محاضرون معروفون من الأوساط الأكاديمية والدبلوماسية دروساً حول أساسيات القانون الدولي والاقتصاد الدولي، ودور الأمم المتحدة، بالإضافة إلى تقنيات التفاوض وتمارين المحاكاة. وقمنا أيضاً بجولة قصيرة في سويسرا، شملت الصعود على متن قطار بيلاتوس -بينما كانت الأبقار وأجراسها ترافقنا- لتناول الغداء على ارتفاع سبعة آلاف قدم في مكان مطل على بحيرات وسط سويسرا. كما تلقينا إحاطات من مسؤولين سويسريين في بيرن.
لا أحمل سوى ذكريات إيجابية عن تلك الدورة. كانت التوترات مع "المراقب" محدودة. ويبدو أن التجربة لاقت ترحيباً في طهران أيضاً. وبعد أشهر عدة من الدورة، دُعيت مجدداً لإلقاء محاضرة في "معهد الدراسات السياسية والدولية"، نُشرت لاحقاً بالإنجليزية والفارسية. كما تلقيت دعوة من الحكومة الإيرانية لزيارة أصفهان وتبريز وشيراز بعد محاضرتي.
كيف ترتبط هذه الدورة بالوضع الحالي؟ لم يعد لدي أي اتصال بالمشاركين، لكنّ ثمة حادثة واحدة من زيارتي اللاحقة إلى إيران ما تزال حاضرة بقوة في ذاكرتي.
خلال محاضرتي الثانية وزيارتي لإيران، أقمت في بيت ضيافة أنيق بعيد عن وسط طهران. وفي إحدى الأمسيات قبل مغادرتي، دعاني مسؤول حكومي رفيع إلى عشاء وداعي أخير. ولم أرَ حاجة إلى أخذ هاتفي معي، فتركته في إحدى غرف الجناح.
وعندما عدت وتفقدت أشيائي وجدت أن هاتفي اختفى. واتصلت سريعاً بالشخص المسؤول عن بيت الضيافة، لكنه اكتفى بهز كتفيه استغراباً. ثم اتصلت بالمسؤول الحكومي الذي استضافني وأخبرته بقلق شديد أنني سأغادر في اليوم التالي ولا يمكنني الرحيل من دون هاتفي. ولكن لم يتم العثور على حل. وهكذا غادرت إيران من دون هاتفي.
بعد عودتي إلى بلدي، سارعت إلى إخبار جهات اتصالي في بيرن وجنيف عن الهاتف المفقود. وبعد أسابيع عدة جاءني المسؤول الإيراني الذي أعرفه في جنيف إلى مكتبي وأعاد إليّ هاتفي، واضعاً إياه على مكتبي بلا تعبير عن أي عاطفة. وعندما سألته كيف عثروا عليه ومن الذي كان لديه، نظر إليّ مباشرة في عيني، وقال ببرود: "لا تسأل. أنت لا تريد أن تعرف". قال ذلك بنبرة حازمة تكان تكون مخيفة.
قد تكون للأشخاص وللدول وجوه عديدة مختلفة. كانت علاقتي مع المسؤول الإيراني في جنيف شبه ودية، وبالتأكيد تجاوزت العلاقة الدبلوماسية البحتة. والطريقة التي أعاد بها الهاتف فاجأتني. لكن الأشخاص، مثل الدول، يمكن أن تكون لهم هويات متعددة، كما نتعلم كل يوم من الأخبار.
 
*دانييل وارنر Daniel Warner: باحث وكاتب أميركي-سويسري في مجال العلاقات الدولية يقيم في جنيف، عُرف بعمله الأكاديمي الطويل في "المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية" في جنيف، حيث شارك في تدريس قضايا الدبلوماسية الدولية والتفاوض والسياسة العالمية. اهتمت أبحاثه بالعلاقة بين الأخلاق والسياسة الدولية، ودور المؤسسات متعددة الأطراف، إضافة إلى قضايا التفاوض والدبلوماسية. مؤلف كتاب "مسؤولية إثنية في العلاقات الدولية" الذي يناقش البعد الأخلاقي في صنع القرار الدولي. إلى جانب عمله الأكاديمي، شارك في مبادرات وبرامج تدريب دبلوماسيين شباب من دول مختلفة، وكان مهتماً خصوصاً بقضايا الحوار الدبلوماسي بين الدول المتخاصمة، بما في ذلك العلاقات الأميركية-الإيرانية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: A Success Story Negotiating with Iran